إعداد: محمد هاني عطوي

يعد مسجد تايبيه أكبر وأشهر مسجد في تايوان، وتبلغ مساحته الإجمالية 2,747 متراً مربعاً، وقد صنفته حكومة مدينة تايبيه على أنه معلم تاريخي يوم التاسع والعشرين من شهر يونيو / حزيران عام 1999.

في الأربعينات أتى الكثير من المسلمين الصينيين إلى تايوان، ولكنهم لم يعثروا على أي مكان للصلاة، فجمعوا المال، وبنوا أول مسجد في تايوان، وقد تبرع بالأرض تشانج ووتشنج هورين. وفي أغسطس عام 1948 ومع تزايد عدد المسلمين الصينيين، أصبح المسجد صغيراً جداً لاستيعابهم، فبدؤوا في البحث عن مكان جديد، وأكبر لإعادة بناء المسجد.

وفي نهايات عام 1950 وبعد نهاية الحرب الأهلية الصينية، وانتقال الحكومة القومية من البر الصيني إلى تايوان، اقترح المدير العام لجمعية مسلمي الصين على وزير الخارجية جورج يه بناء أكبر مسجد في تايوان على غرار التصميم الذي وضعه المهندس المعماري الشهير يانج تشو تشنج الذي صمم فندق جراند وقاعة تشان كاي شيك التذكارية، والمسرح الوطني، وقاعة الحفلات، ومعالم عدة أخرى في تايوان، والذي جمع بين الأساليب المعمارية العثمانية والفارسية الإسلامية لإنشاء قبة المسجد ورواقه ومئذنتيه.

قرض وتبرعات

شيدت المسجد شركة الهندسة القارية على أرض تبرعت بها الحكومة في الجنوب. ودشن المسجد في الثالث عشر من شهر إبريل / نيسان من عام 1960، ودفعت تكلفة البناء جمعية مسلمي الصين، وبتمويل بلغ 150,000 دولار من قبل شاه إيران وملك الأردن، ومبلغ 100,000 دولار من قبل حكومة الكومينتانغ، وقرض من بنك تايوان. وسددت الجمعية نصف القرض المصرفي عندما قررت الحكومة التايوانية إعفاء الجمعية من سداد بقية القرض. ولا شك أنه كان لعلاقات مسلمي تايوان القوية مع المملكة العربية السعودية أثر في مواصلة تقديم الدعم المالي إلى المسجد، إضافة إلى زيارة الأئمة من السعودية بدعوة من القائمين على المسجد خلال شهر رمضان. وفي عام 1971 زار المسجد الملك فيصل بن عبدالعزيز، كما زاره الملك حسين ملك الأردن، ورئيس وزراء ماليزيا تانكو عبدالرحمن. وفي عام 1999 واجه المسجد خطر الهدم جراء نزاع على الأرض مع شركة الأسمنت، التي حاولت تفكيك المسجد من أجل استعادة الأرض. ولكن في ظل المشرعين المعنيين في المنطقة والمساعدة من حكومة تايبيه وعمدة تايبيه ما يينج جيو جرى تحويل المسجد إلى مبنى تاريخي، وضمه إلى دائرة الحفاظ على التنمية الثقافية المتنوعة.

تسيير شؤون المسجد

يضم مسجد تايبيه الكبير مقراً لجمعية مسلمي الصين، وهي أكبر منظمة إسلامية في تايوان، والتي تتولى تفعيل الأنشطة الإسلامية في جميع أنحاء تايوان، ولها سمعة طيبة بين المسلمين المحليين، ويقوم على تسيير شؤون المسجد مجلس إدارة منظم إلى جانب جمعية مسلمي الصين، كما يضم المسجد المؤسسة الصينية الثقافية الإسلامية التربوية، ومنظمة تطوعية خاصة تسمى جمعية كورب الإسلامية والتي أنشئت في عام 1995، حيث تنظم الخدمات الإسلامية من خلال المتطوعين، وحالياً لديها أكثر من 70 متطوعاً، يضطلعون بالعديد من الأنشطة وبمساعدة المسجد على أداء بعض الخدمات للمسلمين.

وللمسجد صندوق لتمويل معظم أنشطته الإسلامية، وتتم تغطية تكلفة التشغيل اليومية من التبرعات الخاصة، كما تقدم الجهات الحكومية المحلية أحياناً الدعم للمسجد. وساعدت بعض المنظمات مثل رابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي المسجد في تنفيذ أنشطته الإسلامية، ونظراً لعدم وجود أي مؤسسة رسمية للتربية الإسلامية في تايوان، ينظم المسجد بعض الدورات الإسلامية للمسلمين المحليين، مثل اللغة العربية، والقرآن الكريم، والحديث والتدريس والشريعة، خلال عطلة نهاية الأسبوع. وخلال شهر رمضان في تايبيه تُمد موائد الإفطار في المسجد للطلاب والعمال، حيث ينظم المسلمون الأجانب عادة هذا الحدث، علماً بأن مائدة الطعام تكون بسيطة، وتقدم فيها التمور والمياه المعدنية التي تأتي عادة من التبرعات التي تُجمع خلال شهر رمضان.

أنشطة ثقافية

وفي الذكرى ال 41 لبنائه، وذلك في شهر إبريل عام 2001، فتح المسجد أبوابه للجمهور، حيث عقدت أنشطة مثل التصوير الفوتوغرافي وغيره من الأنشطة الثقافية، وذكر إمام المسجد أن هذا الحدث ليس مجرد احتفال ثقافي فقط، ولكنه دعوة للتايوانيين المسلمين الذين لم يعودوا يمارسون شعائر دينهم الإسلامي للانضمام إلى جماعة المسجد، خاصة أولئك الذين يعيشون في بلدة لوكانج في مقاطعة تشانجوا البعيدة. وغالباً ما يستضيف المسجد طلاباً ينتمون إلى ديانات أخرى، ويقدم خلال الزيارة شرحاً وافياً لتعاليم الإسلام، كما يقيم المسجد ورش عمل بين الأديان ومناقشات بين الإسلام والكونفوشيوسية والكاثوليكية والبوذية لتعزيز التفاهم مع الأديان الأخرى.

بني مسجد تايبيه الكبير وفقاً للتصاميم الإسلامية والعمارة العربية. وللمسجد قبة خضراء برونزية يبلغ ارتفاع سقفها 15 متراً، ويبلغ قطرها 15 متراً، ويأتي تصميها بشكل مذهل، فهي قائمة من دون دعائم في الوسط، بل تدعم نفسها بالكامل، ومزينة بأوراق من النحاس الأصفر، كما أنها مزخرفة بالطراز المعماري البيزنطي، وذلك على شكل قبة بصلية وزخارف على شكل هلال. ويحتوي المسجد على مئذنتين بارتفاع 20 متراً، وتقع كل مئذنة على أحد أطراف المبنى، وهي رمادية اللون مع عنق أحمر مستدق على شكل قمة بصلية، وتصميمها مزيج من الهندسة الآسيوية التايوانية.

وبنيت القاعة وفقاً للتقاليد الإسلامية وفن الزخرفة الإسلامية، ولا سيما في زجاج النوافذ، ومما يزيد من أناقة المسجد تزيين جدران وأعتاب وأجزاء مختلفة منه ببلاط فسيفسائي رائع الجمال. ويستوعب المسجد نحو 1,000 مصلٍّ في وقت واحد، ويزين أرضه السجاد وسقفه الثريات المصنوعة يدوياً بزخرفة إسلامية خالصة.

وكانت قاعة الصلاة تقع في الطابق الأرضي من المسجد، ولكن نظراً لتزايد عدد المسلمين الذين يحضرون لأداء الصلوات، أضيف طابق ثانٍ فوقها، وأنشئت قاعة صلاة جديدة لاستيعاب الإناث. وتحيط بقاعة الصلاة الرئيسة أعمدة على الطراز المعماري الروماني والبيزنطي، كما أن أروقة المسجد مزينة بأقواس متدرجة تمتد إلى طرفي المسجد، ويتناسب عرض وارتفاع كل عمود مع الأوتاد المربعة والحواف المستديرة للجدران الخارجية المشيدة من الطوب والحجارة. وتشمل المرافق الأخرى قاعة استقبال وأروقة جانبية ومكاتب إدارية ومكتبة وغرفاً وقاعات للوضوء. وتحوي حديقة المسجد نوعين من أشجار النخيل العربي.