تحتفل الذيد والمنطقة الوسطى من إمارة الشارقة بذكرى مرور 55 عاماً على انطلاق التعليم بالذيد في أكتوبر/تشرين الأول 1964، في مشاهد ثقافية وتربوية والشارقة تحتفل باختيارها عاصمة عالمية للكتاب في عام التسامح.
عرفت الذيد، مثلها مثل بقيت القرى والمدن العربية، بدايات التعليم عبر الكتاتيب أو المطوّع، وهما كلمتان بدأتا تتواريان في المجتمع الإماراتي، وربما لا يعرف بعض أبناء الجيل الجديد معناهما، رغم أنهما شكلتا أسس التعليم في بداياته في المنطقة.
وكانت «الكتاتيب» هي الوسيلة الأهم وربما الوحيدة للتعليم المتعارف عليها في منطقة الخليج، فكانت بمثابة مراكز العلم والتعليم، تعتمد على «المطوع» الذي كان يتولى تعليم أطفال الحي وتحفيظهم القرآن الكريم وتلاوته.
شكّل ظهور مدرسة الذيد في أوائل الستينات من القرن المنصرم حدثاً تاريخياً غير مجرى الحياة بأسرها في تلك الواحة التي تسكن في أحضان الرمال؛ حيث لم تعرف الذيد التعليم إلا على شكل الكتاتيب في واحة زراعية تحيط بها الصحراء والسهول.
وكانت الزراعة النشاط المسيطر في الذيد وبالتأكيد الرعي وبعض المهن التي لربما كانت جديدة على مجتمع أهل البادية؛ حيث القليل من رجالها امتهنوا الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وبدأ البعض بالالتحاق بالجيش؛ لأن الراتب الذي يمنحه كان يوفر عليهم عناء ومشقة السفر لبيع منتجاتهم الزراعية وغيرها من المنتجات والماشية والماعز ومنتجاتها، بينما كان الآباء يقتطعون جزءاً من دخل الأسرة كي يتعلم أبناؤهم عند «المطوع»، من أمثال المطوع علي، الذي كان أحد وجهاء عائلة العويسات جاء به للمنطقة من أجل تعليم أبناء الذيد.
وقبل افتتاح مدرسة الذيد انطلق طلاب المنطقة إلى طرق التعليم في المناطق المجاورة، فالتحق مجموعة منهم بمدرسة الدقداقة الزراعية بإمارة رأس الخيمة في أوائل الستينات منهم مصبح أحمد الطنيجي وعلي المحيان الكتبي.
ويوم افتتاح مدرسة الذيد، قام مرافقو حاكم الشارقة في تلك الفترة بجمع كل أبناء الذيد وما جاورها في سيارة لنقلهم إلى المدرسة الجديدة بالأخص من هم فوق السبع سنوات، لبدء تسجيلهم في العام الدراسي الأول 65/64.
هي حكاية يرويها كل يوم طلاب الذيد وما جاورها وقصة يسردها مدرسو الذيد المشتركة، يفتحون قلوبهم وعقولهم على تاريخ التعليم في المنطقة، لذا من باب التاريخ نذهب في رحلة عبر الزمن؛ لنعيش لحظات من الزمن الجميل كانت شاهدة على أحداث غيرت تاريخ المنطقة الوسطى، ونستذكر شخصيات أثرت في مجرى المنطقة وكانت لهم بصمه ما زالت آثارها شاهد عيان على ذلك.
بدأت حكاية التعليم في مدينة الذيد والمنطقة الوسطى من إمارة الشارقة في عام 1963 حين تناقل الأهالي بشارة بناء مدرسة كما هي بشارة النغال في أول موسم الرطب، وكانت من غرفتين: واحدة للإدارة وأخرى للطلبة ومستودع للكتب والمستلزمات، وتم تعيين معلمين وسميت مدرسة الذيد. وتم بناء المدرسة من قبل بعض الموسرين من إمارة الشارقة، ثم بدأت تستقطب الطالبات إلى صفوفها لذلك أخذت صفة المشتركة، ثم تغير الاسم إلى مدرسة الذيد المتوسطة؛ لإضافة المرحلة المتوسطة، بينما أصبحت مدرسة الذيد الإعدادية في منتصف السبعينات. وفي عام 1983 تحولت إلى مدرسة الذيد الثانوية لتكون أول مدرسة ثانوية في المنطقة الوسطى بعد أن كان طلابها يرتحلون إلى مدينة الشارقة لاستكمال دراسة المرحلة الثانوية في مدرسة العروبة.
تشجيع الأهالي
أول من تشرف بالعمل بالمدرسة من المعلمين هما الأستاذ عبدالوهاب الأنصاري كمدرس وناظر، إلى جانب الأستاذ عبدالله بوشقر، وأسسا اللبنة الأولى للتعليم بالذيد.
في مرحلة أخرى بادر الشاعر ورجل الأعمال سلطان العويس، رحمة الله عليه، بالتعاون مع حكومة الشارقة ومكتب الكويت، الذي كان يشرف على التعليم؛ لتشجيع الأهالي على تعليم أبنائهم، فتم تقديم مكافأة لحث الطلاب على عدم التسرب من الدراسة؛ لأن الأهالي كانوا يضطرون إلى إخراج أبنائهم من أجل السعي وراء الرزق. وكانت تلك المكافأة عبارة عن أرز ودقيق وقهوة وبكميات تكفي لعام كامل، وسمعت المناطق الأخرى مثل مسافي والسيجي وفلج المعلا ومليحة بالمدرسة، فبدأ الطلبة يتوافدون من أجل التسجيل فيها.
عمل المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة وقتها على بناء صفوف إضافية لتستوعب زيادة عدد الطلاب، وتحمل الجميع صعوبة الحياة من أجل تخريج جيل متعلم، حتى أن المعلمين كانوا يسكنون منازل لم تصلها الخدمات الكهربائية، وكانت الأسر تصنع الطعام وترسله إليهم، ثم تم حفر بئر لهم من أجل المياه، وأقيم لهم حوض كبير للسباحة. كان المعلمون يذهبون كل أسبوعين إلى الشارقة من أجل شراء المواد التموينية، وفي أحيان كثيرة عندما يزور أفراد من الأسرة الحاكمة قرية الذيد، كانوا يكرمون المعلمين بدعوتهم لتناول الغداء والعشاء معهم.
إن أهم حدث بالمنطقة الوسطى والذي أحدث تغييراً كبيراً بعد افتتاح المدرسة، كان تدشين شارع الشارقة- الذيد سهل تنقل الطلاب والمعلمين بين الساحل والمناطق الداخلية العام 1970.
أما الانطلاقة الكبرى للتعليم، فقد حدثت بعد الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 1971؛ حيث أصبح هنالك علم واحد يقف الطلبة تحت رايته يؤدون له التحية كل صباح على كافة تراب هذا الوطن، وأصبح هنالك مؤسسة واحدة للتعليم وهي وزارة التربية والتعليم والشباب تضع الخطط والمناهج وتوحد الامتحانات.
كل هذا لم يكن ليتحقق إلا بفضل حكمة قيادتنا الرشيدة وعلى رأسها كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، باني نهضتنا. وانتشرت خلال تلك الفترة المدارس الحكومية المجهزة بأحدث الأجهزة والوسائل وذات الطراز المعماري الراقي، واستقدمت الدولة البعثات التعليمية من مختلف البلدان العربية؛ لتساهم في تطور التعليم الحديث. وهكذا شهدت الإمارات خلال تلك الفترة قفزة كبيرة في مجال التعليم أدى إلى زيادة نسبة المتعلمين من بين أفراد الشعب والقضاء على الأمية، وحدث تطور كبير في مجالات وأنواع التعليم ومراحله.
وكانت مدرسة الذيد تزدهر و تتطور مع كل تلك الخطوات في البناء و تشييد الفصول لاستيعاب الأعداد الغفيرة التي وفدت من كل المناطق المجاورة لها لطلب العلم. وزاد عدد الطلاب من 27 طالباً في أول فصل دراسي عام 1964 إلى أكثر من 200 طالب و طالبة عام 1974.
القلب النابض
بقيت المدرسة القلب النابض لكل المناطق المحيطة بالذيد حتى بداية الاتحاد، وصنعت إدارة المدرسة وأسرتها التعليمية جيلاً أسس وشيد وأعطى الكثير فيما بعد في كل كيانات الدولة ومؤسساتها.
استمر التطور في منظومة التعليم منذ تأسيس مدرسة الذيد، فمع قيام الاتحاد أخذت تتوسع في استقطاب أعداد أكبر من الطلبة وتم فصل الطالبات بمدرسة خاصة بهن، حتى الإعلان عن تأسيس مكتب المنطقة الوسطى التعليمية عام 1977، وإشرافه على التعليم في الذيد والمناطق المجاورة.
عندما تشاهد صوراً بالأبيض والأسود حملت بدايات التعليم تخالجك العبرة وتحبسها بين المقل، تحن لأشخاص تقاطروا من كل فج عميق إلى واحة النخيل عند بدو رحل ليجلسوا في غرفتين لم تصل لهما الكهرباء أو الماء، يسهرون على ضوء القمر و«التريك» ليصححوا لهم الامتحانات، وفي الصباح تشرق عليهم شمس الذيد ليقفوا منتظرين طلابهم الذين يصل بعضهم مشياً على الأقدام والآخر بالسيارة التي خصصت لهم بعد رحلة منذ الفجر، بينما البعض يركبون على الدواب لبعد المسافة. بقيت تلك الصور تتحدث لمن يطالعها ويمعن النظر فيها بحديث ملؤه الحنين لذلك الزمن والجدران التي سكنت خلفها حناجرهم قبل 55 عاماً.
أحمد المرشدي.. نموذج لا يغيب للكرم وحب الناس
كثير من العظماء رحلوا وتركوا عبقاً كطيب المسك حول رفوف ذاكرة القلب، وحتى لو انطفأت شمعة توهجهم فإن لهيب شعلتهم المتوقدة لا يزال متأججاً في رقعة هذا العالم الفسيح، فهم خلدوا سيرهم لتتوالى ترديدها وتأريخها الألسن في كل مكان وزمان.
يعد الحاج أحمد المرشدي، الذي رحل أخيراً، من المواطنين الأوائل الذين التحقوا بالعمل في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في إمارة الشارقة، بجانب أنه كان أول مؤذن. والراحل من مواليد 1930 وعاش ونشأ في الشارقة في عهد المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة السابق، وعمل في مساجد العويس بمنطقة الشرق، والعسيلي، وخانصاحب بالنباعة، ومساجد أخرى في الإمارة، وكان يدعو الناس إلى زرع شتائل المحبة والتآزر والتآخي والتشبت بالقيم الاجتماعية التي تعد ركيزة مهمة في المجتمع الإماراتي.
كان المرشدي رجلاً حصيفاً منشرح الأسارير والبسمة لا تفارق محياه السمح، وناسكاً ذا مبادئ عالية. للمودة والإحسان والجود كان في دياره عنواناً، وما خاب محتاج ولا سائل قصده. كما درس أنجاله تعاليم ديننا الحنيف، ليسيروا على نهجها.