لابد أن يكون واضحاً وضوح الشمس في رائعة النهار، وضوحاً لا لبس فيه، ولا غيم يعتريه، أن الإنسان كائن له إرادة حرة هي مناط تكليفه، بل وهي مناط تكريمه أيضاً عن بقية المخلوقات، وقد دار البحث حول الحرية من قبل علماء العقيدة (علماء الكلام) والفلاسفة والمفكرين الإسلاميين، وغير الإسلاميين، وانتهى البحث فيها إلى مذاهب وآراء شتى .

وقد رأينا أن الإنسان وفق الرؤية القرآنية ومنطق العقل الإسلامي، يجب أن يكون مختاراً وحراً، ليكون مسؤولاً، وليجري عالم الإنسان وفق عدل الله تعالى، فلا مسؤولية بلا حرية، بل إن الحرية فيما ذهبنا إليه هي العبودية لله عز وجل وهي عبودية تخرج الإنسان من كل عبودية غير مستحقة إلى العبودية التي تعطي الإنسان حريته الكاملة .

ولابد أن نؤكد أنه لا محاجة في أن مشيئة الله فوق كل مشيئة، وتسبق كل مشيئة، وتستغرق كل مشيئة، ذلك أن مشيئة الله، هي مشيئة القدرة المطلقة، وهي مشيئة العلم المطلق، وهي مشيئة الحكمة المطلقة، فهي مشيئة مطلقة، إذا أراد الله شيئا كان،(إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) .

مقارنة مرفوضة

ولا مقارنة تجوز بين مشيئة الله، وأي مشيئة أخرى، فمشيئة الإنسان محدودة، لأنها لمخلوق محدود، محدود علمه (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، ومحدودة قدرته فإذا أراد الإنسان شيئا فقد يكون، وقد لا يكون حسب قدرته، وقدر طاقته، تلك القدرة المحدودة، وتلك الطاقة المحدودة .

ولا نشك في ارتباط قضية الحرية بالعلاقة الأساسية بين الله والإنسان ولا نقول - كالقائلين - بالعلاقة بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية .

لأننا لا نعدل بالإرادة الإلهية أية إرادة، ونمتنع- عقلاً وشرعاً - عن أي نوع من الاقتران بين مطلق الإرادة وأي إرادة أخرى مهما كانت فتظل نسبية ومحدودة .

ذلك أن الإرادة الإلهية مجالها مطلق وعملها مطلق، وقدرتها مطلقة وحكمتها مطلقة، فلا مجال والأمر كذلك لحديث عن أي إرادة أخرى مقارنة أو اقترانا بين إرادة بهذه الأوصاف وأكثر، وبين إرادة أخرى هي بطبيعتها لا يمكنها الخروج على الإرادة المطلقة .

ولا يعني حديثنا عن أن الإرادة الإنسانية ناشئة عن الإرادة الإلهية أي فهم ينفي مسؤولية العباد عن أفعالهم، فذلك أبعد ما يكون عن تصورنا، ذلك أن الله هو الذي أثبت الإرادة للإنسان، قال عز من قائل:(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ )(هود15)، وهنا ذكر إرادة الحياة الدنيا وفيها توفي لهم أعمالهم، وقال:(مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء134)، وهنا يلفت نظر الذي يريد ثواب الدنيا إلى أن الله هو الذي عنده ثواب الدنيا وثواب الآخرة .

وقال عز وجل: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً)(الإسراء 18)، وفيها إلماح إلى أن المريد للدنيا لا يأخذ منها إلا ما يشاء الله أن يعطيه منها، وقال: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ)(الشورى20)، وهنا ذكر إرادة الحياتين الدنيا والآخرة، وانفردت هذه الآية بتقديم الآخرة على الدنيا وأوضحت الزيادة في حرث من عمل للآخرة . .

في المواضع كلها ذكر الله سبحانه وتعالى لفظة واحدة يريد، وهي لفظة تدل دلالة واضحة على إسناد فعل الإرادة إلى الإنسان المكلف، الإنسان حامل الأمانة، الإنسان الحر المختار، والقاعدة التي ترسيها الآيات أن من أراد يوف الله إليه مما يريد، وميثاق الله فيها واحد: والقاعدة واحدة بلا أدنى تغيير، ولكن كل آية ذكرت تفصيلة مضافة إلى الأخريين فآية هود أضافت: (وهم فيها لا يبخسون) وآية الإسراء أضافت: (ما نشاء لمن نريد)، وآية الشورى أضافت تعبير (الحرث)، وهو شق الأرض وزرع الحب وغرس الشجر وما إلى ذلك من فعل الإنسان وهذا تمثيل للإقبال على كسب ما يعده الكاسب نفعاً له يرجو منه فائدة وافرة، والحرث يطلق على الأرض التي بها زرع وشجر وقد يعني الحرث: الفائدة المرجوة والهدف المبتغي والنتيجة المرجوة والمنشودة، فعلى الأول ممن كان يريد حرث الآخرة أي يبتغي عملاً من أجل الآخرة أن يحرث لها حرثها، ويسعى لها سعيها، وعلى المعنى الثاني فإن مقدمات النتائج المرجوة لابد أن تتفق مع تحقيق الهدف المتبقي، وعلى كل من كان هدفه الآخرة أن يسعى لها سعيها ويحرث لها حرثها .

ذلك هو إثبات لإرادة الإنسان، وقد جاءت الإرادة مرتبطة بكل فعل وعمل وكسب يدل على إرادة الإنسان للحياة الآخرة، وكذلك كل فعل وعمل وكسب يظهر إرادة الإنسان للحياة الدنيا، والقانون في الحالتين واحد، أقله: نؤته منها، وأعلاه: نزد له فيها، والإنسان بين أقله وأعلاه مخير .

أسئلة عبثية

ومن موارد العبث، ومن الانشغال بما هو عقيم قول المرء: هل عملت السوء بمشيئة الله أم لا؟، أو: هل كنت أستطيع ألا أعمله؟ وهل خلقت أنا عملي؟

وأمثال هذه الأمور تفرقت عندها الفرق، وانشغلت بها الأمة، فكان انشغالاً بغير ذي جدوى ولا نفع، لأن الخالق لا يقاس على المخلوقين، والله لا يُسأل عما يفعل، وهم يسألون، والله عادل لاشك في عدله، وكان حرياً بمن يسأل مثل هذه الأسئلة أن ينشغل بما هو أجدى وأنفع له وللمسلمين .

وبدلاً من أن يسأل عن مشيئة الله، وهو غير مدركها، كان حرياً به أن يسأل عن مشيئته التي وهبها له ربه وهو مدركها .

وبدلاً من أن تسأل: هل عملت السوء بمشيئة الله أم لا؟ اسأل نفسك: لماذا عملت السوء؟ ولا تسأل: هل كنت تستطيع أن تعمل السوء، واسأل نفسك: كيف أتجنب عمل السوء .

ولا تقل: هل خلقت أنا عملي؟ بل قل: ما هذا الذي عملته، هل هو في ميزان حسناتي أم في ميزان سيئاتي يوم يقوم الحساب؟

فمثل هذه الأسئلة أجدى لك وأنفع، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، بقلب أسلم لله وأقر بالتسليم له سبحانه وعمل بمقتضى العبودية لله، ومثل هذه الأسئلة خير لنا، والأسئلة الأخرى شر علينا، لم يشغل السلف الصالح أنفسهم بها، وانشغلنا بها، فشغلتنا عن ديننا الحق وعن دنيانا، وكادت تضيع علينا أخرانا والعياذ بالله .

والعصاة بالذات لا يجوز لهم الاعتذار بالقدر، فلا قدر مع المعصية .

يقول لك الزاني: زنيت بقدر الله، وهل اطلع على الغيب؟ وهل بسط له اللوح المحفوظ فرأى فيه أن الزنى عليه مكتوب، فما كان منه إلا أن زنى تنفيذاً لقدر مقدور؟، أم انه زنى اتباعاً لشهواته؟

والحق أن إلصاق أفعال السوء بالقدر هو أسوأ من الأفعال السيئة نفسها، وقد احتج المشركون بمثل ذلك في ما حكى لنا ربنا عز وجل: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا أن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ )(الأنعام148)، قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، وكان رده سبحانه وتعالى على مثل هؤلاء: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، فمن أين عرفتم أن الشرك مقدر عليكم؟، وهل جربتم الإيمان فاستعصى عليكم أم كنتم قوماً تخرصون؟

وقد احتج سارق على عمر رضي الله عنه بأنه سرق بقضاء الله وقدره، فما كان من الفاروق إلا أن قال له: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره .