كتب بكر المحاسنة:

تعد مصارعة الثيران تقليداً شعبياً ورياضة تراثية قديمة، لدى أهل الفجيرة خاصة، والمناطق المجاورة عامة، حيث ما فتئ المواطنون يقبلون على ممارستها منذ قرون بعيدة، ويعلّّمونها لأولادهم جيلاً بعد جيل، وأصبح يشارك فيها كبار السن، وأبناء الجيل الجديد من مربي الثيران، وذلك للمحافظة على هذه الرياضة التراثية القديمة، التي تتميز بالمتعة والمغامرة والإثارة والتسلية.
وتحظى رياضة مصارعة الثيران، بحضور هائل في إمارة الفجيرة والمناطق المجاورة، حيث تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، ويحرص الأبناء على السير على خُطى الآباء والأجداد، فيما يتعلق بتربية الثيران القوية واقتنائها، لكي تكون جاهزة للمنافسة في حلبة المصارعة، في إحياء للموروث الشعبي، حيث تشارك في المصارعة الثيران القوية التي تربى لهذا الغرض في حلبات خاصة، وفي هذا النوع من النزال، يتصارع الثوران، إلى أن يجبر أحدهما الآخر على الفرار، أو التوقف عن النزال، ومصارعة الثيران بالفجيرة لا تصل إلى الموت، لكنها لا تخلو من الدماء بسبب قرون الثور القوية، ويُجني صاحب الثور الفائز شهرة وسمعة في حال فوز ثوره، إضافة إلى ارتفاع قيمة الثور الفائز والاستمتاع بروح اللعبة والشعور القوي بروح الحماس، والمنافسة مره أخرى مقابل ثيران متعددة.

تقليد أسبوعي

الوالد عبد الله علي الكندي، مسؤول مصارعة الثيران، يقول: «تعتبر مصارعة الثيران التي تقام كل يوم الجمعة بعد صلاة العصر في حلبة مخصصة على كورنيش الفجيرة، من أبرز وأكثر الألعاب التي يمارسها أهل الفجيرة والمناطق المجاورة لها، منذ مئات السنين، وتوارثتها الأجيال المتتالية، لتصبح تقليداً أسبوعياً، يتنافس عليه أصحاب الثيران لتتويج الثور الأقوى».
ويضيف الكندي: «تعتبر مصارعة الثيران لعبة شعبية تحظى بمتابعة الكثير من المواطنين والمقيمين والسياح العرب والأجانب، ولا تقتصر المشاركة فيها على أصحاب الثيران بالفجيرة، بل تشمل المناطق المجاورة للفجيرة، ومن سلطنة عمان الشقيقة، وتخضع جميع الثيران المشاركة خلال المصارعة للعديد من القوانين المنظمة، حيث إن مصارعة الثيران لها لجنة خاصة يرأسها شخص يسمى العقيد، وتضم حاجزين يشكلهما ثمانية أو تسعة أشخاص داخل الحلبة، مهمتهم الفصل بين الثيران، عند انتهاء الوقت المحدد للمصارعة، وإعلان الفائز الذي يقرره العقيد، وتكون مهمة العقيد دعوة مالكي الثيران للمشاركة وتصنيفها واختيار الصالحة للمصارعة، اعتماداً على أسس وقواعد أهمها الحجم، والوزن، والفصيلة. وعلى العقيد مراقبة المصارعة وإنهاؤها، عندما يتضح أن أحد الثورين فاز، أو تعادلا. وتتراوح مدة المصارعة بين خمس، وعشر دقائق، ويشارك فيها من 20 إلى 40 ثوراً، حسب استعداد أصحاب الثيران. وقد تصل بعض المشاركات إلى 50 ثوراً».
ويشير إلى أن المصارعة تبدأ بمهاجمة أحد الثورين للخصم بنطحة، ويجب على الآخر، أن يكون قد استعد لها، ويستمر اللقاء مع صياح الجمهور، وقوة المباراة بين الثورين، حتى هروب أو سقوط أحدهما، أو أن يجبر أحدهما الآخر على التراجع، حيث يركض الثور المهزوم بسرعة جالباً الخيبة لنفسه ولصاحبه. ومع مجريات الصراع بين الثيران، تسمع ضحكات الحضور والتوبيخ، أو التصفيق لنطحة قوية موجعة، وخلال فترة المباراة يحرص التجار على انتقاء وشراء الثيران الفائزة ذات السلالة الجيدة والمشهورة، خاصة الثيران الإماراتية المعروفة باسم الفجيروية.

مسيرة طويلة

حمد ناصر حمد، أحد مربّي الثيران المصارعة يحرص على المشاركة ويقول: «أمتلك العديد من الثيران ورثتها عن والدي، ولها مسيرة طويلة في المشاركة في المصارعة، حيث أحرص أسبوعياً، على المشاركة في المصارعة بالفجيرة، لأنها تمثل تراث وتاريخ الأجداد والآباء، ولابد من المحافظة عليها، كما أنها لعبة تراثية قديمة متوارثة، تصل إلى الأبناء، وعلينا الحرص والمحافظة على هذه اللعبة الشريفة والتراثية، فهي لعبة بسيطة وغير دموية».
ويضيف حمد: «هناك أنواع كثيرة من الثيران التي تشارك في المصارعة، منها ثيران من سلالات هولندية، وتكون بدون سنام، وذات لون أبيض وأسود، وتعيش ما بين 12 إلى 15 سنة تقريباً، ويمتاز الثور الهولندي بأنه شجاع وجريء ومقاتل، وهناك أيضاً الثور المهجّن ما بين الهولندي والباكستاني، والثور الباكستاني الخالص، وهناك أيضاً الثور الباكستاني جرس ومكراني؛ أي الثور المهجن ما بين الباكستاني والإيراني، وأي نوع من الثيران، لا يمكن دخوله إلى ساحة المصارعة بدون القيام بتدريبه بشكل جيد».

مصارعة مبكرة

وعن تدريب الثيران على المصارعة يقول جاسم محمد أحد مربّي الثيران: «يبدأ تدريب الثيران على المصارعة مبكراً، حيث لا يتعدى عمر الواحد منها ستة أشهر، وتدخل الثيران حلبة المصارعة، بمعدل أعمار يتراوح بين عامين وخمسة أعوام، أو أكثر، حسب نوعية الثور وقوة جسمه. وفي العادة يتمّ تدريب الثيران في البحر لشحذ طاقتها وقدرتها على التحمل، حتى لا تكلّ سريعاً، كما أنّ التدريب في الماء يقوي عضلات الصدر والرقبة بشكل كبير، ويجعلها أكثر قدرة على التحمل والدفع».

لعبة تراثية

ويقول عبيد علي سعيد: «هناك الكثير من الشباب من أبناء الجيل الجديد، يحرصون على المشاركة في هذه اللعبة الشعبية؛ لأنها جزء من الموروث الشعبي للإمارات عامة، وإمارة الفجيرة خاصة، حيث ظهرت هذه الرياضة قديماً، وانتشرت كنوع من الترفيه عن النفس، نظراً للحالة الصعبة التي كان الناس يعيشونها قبل الطفرة الحضارية، التي شهدتها الدولة وقيام الاتحاد، وعلى الرغم من التطور والتحضر وظهور العديد من الألعاب والرياضات، إلا أنها ما زالت تحظى باهتمام كبير من مربّي الثيران في إمارة الفجيرة والمناطق المجاورة، وبحضور كبير وقوي، عصر كل يوم جمعة»، مؤكداً أنه على الشباب المحافظة على هذه الهواية، والحرص كل الحرص عليها من الاندثار؛ لأنها تعتبر تاريخاً وتراثاً عريقاً ورثته الأجيال، من الأجداد والآباء، ولأنها لعبة تراثية نادرة وفريدة في الخليج العربي والوطن العربي، تتميز بالإثارة والحماس.

متعة ومغامرة

أما المشارك عبد الله راشد محمد، فيقول: «تعتبر مصارعة الثيران من أشهر الألعاب التراثية، التي اشتهرت بها إمارة الفجيرة ويتجاوز عمرها مئات السنين، ومازالت تحظى باهتمام كبار السن وأبناء الجيل الجديد، حيث يتردّد كبار السن على ساحة مصارعة الثيران، خصوصاً المعمّرين، لأن هذه اللعبة نشأت منذ أن استأنس آباؤهم وأجدادهم الثيران، وسخروها لحراثة حقولهم وريِّ مزروعاتهم»، ويدعو عبد الله أبناء الجيل الجديد إلى المحافظة على هذه اللعبة التراثية التي تجمع المتعة والمغامرة، والتحدي والمنافسة في وقت واحد، وتدخل البهجة إلى قلوب جميع الجماهير، سواء العرب أو الأجانب.
علي بن سالم أحد المشاركين، يقول: «أحرص كل أسبوع على المشاركة في مصارعة الثيران، لأنها من الرياضة القديمة التي يعتبرها الأجداد والآباء ضمن عاداتهم وتقاليدهم، ولابد من المحافظة عليها».