كان لي في العام 2001 لقاء مع المرحوم الشيخ مصبح بن علي الكندي بوملحة المرر أحد المصادر الرئيسة للحياة في محاضر ليوا خاصة والحياة الدينية في الإمارات قديماً، كما كان رحمه الله نسابة وضليعاً في أنساب الأسر والقبائل، وقد رحل عنا إلى جوار ربه عن عمر ناهز المئة والعشرين عاماً، ومنذ أكثر من عشر سنوات أجريت عدة حوارات مع الشيخ مصبح وولديه الكندي وعلي رحمهم الله جميعاً، وكانوا كنوزا للعلم توارثوها من بيت العلم الذي ينتمون إليه، وأحببنا أن نخصص صفحتنا هذا اليوم لهذه الشخصية والأسرة العلمية الكبيرة التي ينتمي إليها الفقيد .
في قلب صحراء الظفرة توجد واحة الجواء الشهيرة في تاريخ الجزيرة العربية منذ عصور الجاهلية وما بعدها من عصور وعهود، وتسمى في يومنا الحاضر حاضر ليوا وتتكون من أكثر من محضر منها محضر شاه وعتّاب ومزيرعة ومارية وطفير وقرمدا وصريدا وسبخة والنشاش وأم جرين وملقطة والخريمة وأكثر من خمسين محضراً تنتشر متقاربة في وسط الظفرة والجواء فيما تعرف كل واحدة من هذه المحاضر ب اليو وجمعها اليوا وهي الجو وجمعها الجواء .
وكانت لي زيارة إلى هذه المنطقة التي تحولت بفضل من الله ونعمة وجهود حثيثة ورعاية خاصة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الى جنة خضراء بعد أن كان اللون الأخضر ينتشر كبقع صغيرة تنتشر في رقعة بسيطة من هذه الصحراء والتي لا يوجد فيها سوى أشجار النخيل، والآن تحولت إلى جنة خضراء فيها أشجار النخيل والفاكهة وغيرها من أشجار الزينة والظل والزهور وتتربى في أرجائها العديد من حيوانات البيئة الأصلية كالجمال والظباء والغزلان والأرانب وغيرها من حيوانات وطيور بيئية وأخرى جلبت وأطلقت في هذه المناطق لتنعم بدفء الصحراء وظلال الأشجار الوارفة والمياه المتوفرة في أرجاء الصحراء لتطفئ عطش ساكنيها من الإنس والحيوان والنبات .
ومن سكان هذه المنطقة أسرة الكندي وهي إحدى الأسر العريقة التي تنتمي إلى عشيرة المرر إحدى فروع قبيلة بني ياس، والتي أنجبت الكثير من الفرسان والشجعان وكذلك أنجبت العديد من العلماء والمشايخ الدين الذين أصبح بعضهم فريد عصره، وشغل العديد منهم سدة القضاء في إمارة أبوظبي والظفرة، أمثال جدهم الأكبر علي بوملحة وكذلك الشيخ محمد الظاهر .
والشيخ مصبح بن الكندي بن علي بوملحة المرر الياسي آخر القضاة من هذه الأسرة والذي شغل سدة القضاء في أبوظبي مدة من الزمن ومن ثم أصبح قاضي المنطقة الغربية لأبوظبي ومركزها وعاصمتها الإدارية منطقة ليوا، وفي هذه الحلقة نحن ضيوفه وضيوف ولديه الأديبين والشاعرين الكندي وعلي اللذين لا يقلان عن والدهما علما وفهما وأدبا وتواضعا فهما شبلان من ذاك الأسد .
الجواء التاريخية
يقول الشيخ مصبح الكندي عن منطقته التي يعيش فيها وهي محاضر ليوا موطن قبيلة بني ياس منذ أكثر من سبعة قرون على أقل تقدير يقدره العارفون من أبناء القبيلة بتاريخ المنطقة وتاريخ أجدادهم وقبائلهم وعشائرهم التي ينتمون إليها وكان موطنهم يمتد شمالاً من الجواء إلى ساحل البحر المعروف بخيران وجزر بني ياس التي كانت لهم فيها منازل ومواطن منذ مئات السنين وتمتد جنوباً إلى الربع الخالي وغرباً إلى حدود عمان وغرباً إلى حدود الأحساء، حيث تقع مدينة هجر التاريخية، ويقول إنها هي ذاتها منطقة الجواء أو الجو التاريخية التي جاء ذكرها في تاريخ العرب والتي تعرض لذكرها شعراء الجزيرة والتي شهدت على مر العصور أحداثا تاريخية متتابعة، وكانت المنطقة من المناطق الصحراوية الغنية بالثروات الطبيعية المعروفة آنذاك وهي أشجار النخيل ومحاصيلها من الرطب والتمور والإبل والماشية التي يمتلكها أهل المنطقة، وكانت المناطق المحيطة بالجواء شهيرة بالمرابع التي ترتادها القبائل لرعي إبلها وماشيتها في مواسم الربيع، ويقول إن الأبناء والأحفاد كثيرا ما يحضرون إليه بعض الكتب والمؤلفات، التي يأتي فيها ذكر منطقة الجواء وبعض أسماء محاضرها والمواضع المعروفة فيها، وعن المحضر الذي ينسب إلى أسرتهم وهو محضر عتاب الذي عاشت فيه عشرتهم المرر وأسرتها أكثر من أربعة قرون على أقل تقدير وصل إليه بقناعة من خلال أقوال وأخبار من سبقه من الآباء والأجداد فإنه يجده كثيراً ما يرد في كتب الأدب والشعر وكتب المعاجم الجغرافية كاسم لموضع صحراوي في قلب الجزيرة العربية ويختلف نسبته إلى قبائل العرب في كل عصر وفترة زمنية إلى قبيل أربعة أو ثلاثة قرون حيث سكنته عشيرة المرر وأسرته التي تنتمي إلى هذه المنطقة .
مواضع قديمة
يقول الشيخ الكندي إن معظم أسماء المواضع المعروفة في هذه المنطقة وغيرها من مناطق الدولة الداخلية والساحلية تعود لعصور سحيقة وبعضها يصل إلى عصر ما قبل الإسلام، ولعل موضع بينونة الواقع على سواحل الدولة الغربية قرب حدودنا مع دولتي قطر والسعودية الشقيقتين أكبر دليل حيث ذكره أكثر من شاعر جاهلي وكذلك شعراء عصر الإسلام الأول وهذا دليل على قِدم هذا الاسم وتوارثه عبر العصور، والأمثلة كثيرة لمثل هذه المواضع ومسمياتها، ولعله يوجد في الجزيرة أكثر من موضع يحمل التسمية نفسها مثل الجواء التي يوجد لها أخت توأمة في منطقة القصيم في المملكة العربية السعودية، والتي تميز في كتب الأدب والمصادر الجغرافية باسم جواء القصيم حيث تنسب إلى القصيم لتميزها عن جواء أخرى في الجزيرة ألا وهي منطقتنا هذه التي حُرّفت تسميتها حسب اللهجة الدارجة عند أهل المنطقة، فبنو ياس ينطقونها ليوا بحذف ألف التعريف وقلب الجيم ياءً، أما أخوتنا المناصير فينطقونها اليواء بقلب الجيم ياءً فقط، وبعض القبائل كالعوامر ينطقونها اللوا، وأصل التسمية هي الجواء وهي جمع جو والتي تنطق حاليا يو بقلب الجيم ياءً كعادة أهل المنطقة وغيرها من مناطق الجزيرة العربية الذين يقلبون بعض الحروف كعادة العرب منذ القِدم وهذا مشهور عند علماء اللغة واللهجات .
وعن أسرته يقول إنها تعرف بأسرة بوملحة نسبة إلى جدهم علي المعروف بلقب بوملحة وكذلك تعرف أسرته باسم الكندي أو بالكندي، وهي من الأسر العريقة التي تنتمي إلى عشيرة المرر إحدى فروع قبيلة بني ياس، وأصل التسمية الكندي جاءت نسبة الكثير من مشايخ بني ياس الذين يسمون الكندي وقيل إنها نسبة إلى قبيلة كندة التي ينسب إليها السودان شيوخ بني ياس قديما، ويقال إنها نسبة إلى الشيخ محمد الكندي اليماني الذي حضر من اليمن واستقر مدة من الزمن في دبي، ومنها رحل إلى أبوظبي وفتح بمساعدة الوجيه خلف بن عبدالله العتيبة مدرسة ابن عتيبة في أبوظبي وتتلمذ على يديه العديد من أبناء أبوظبي ولعل القول الأول أصح لأن التسمية قديمة وكانت موجودة قبل تاريخ وصول الشيخ محمد الكندي اليماني، والبعض من المتأخرين سمى ولده الكندي إعجابا بهذا الشيخ الجليل ولشهرته التي فاقت الأمصار سمى بعض أهل العلم من أهل أبوظبي أبناءهم باسم محمد الكندي و أحمد الكندي المركب أو الكندي تيمنا بهذا الشيخ جليل القدر وواسع العلم والإيمان وتمنيهم بأن يصبح أبناؤهم مثله، ومن هؤلاء الشيخ علي بو ملحة الذي سمى أحد أبنائه الكندي، وكذلك الشيخ مجرن بن سلطان بن مجرن المرر الذي سمى ابنه محمد الكندي وهو اسم مركب للشيخ محمد الكندي ولقبه وقبيلته والشيخ محمد الكندي المرر هو والد المرحوم الشيخ مجرن الكندي الذي فارقنا منذ سنوات قليلة مضت رحمه الله تعالى .
سدة متوارثة
أنجبت هذه الأسرة الكثير من الفرسان والشجعان وكذلك أنجبت العديد من العلماء ومشايخ الدين الذين أصبح بعضهم فريد عصره، وشغل العديد منهم سدة القضاء في إمارة أبوظبي والظفرة أمثال جدهم الأكبر علي بوملحة وأخيه الشيخ محمد الطاهر اللذين كانا قاضيي عصرهما وأوانهما، وتوارثت هذه الأسرة منصة القضاء في هذه المنطقة إلى أن وصلت إلى الشيخ مصبح بن الكندي بن علي بوملحة المرر الياسي آخر القضاة من هذه الأسرة والذي شغل سدة القضاء في أبوظبي مدة من الزمن ومن ثم أصبح قاضي المنطقة الغربية لأبوظبي ومركزها وعاصمتها الإدارية مدينة زايد .
وكان جدنا الشيخ علي بوملحة المرر قاضي الظفرة كلها، وكان من أصحاب ولزماء الشيخ زايد بن خليفة بن شخبوط حاكم أبوظبي (1855-1909) وأمير بني ياس والظفرة قاطبة وجد صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ورعاه، وكان الشيخ بوملحة ذراعه اليمنى يصاحبه في حله وترحاله، وكان يرافقه حتى في حروبه وغزواته، وكان له نِعْم الصاحب والناصح، ويروى أن أحد الأشخاص جاء ليشي بأشخاص كانوا معتدين على غيرهم من القبائل فنصح الشيخ علي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حينها بالروية وبيان من المعتدي من المعتدى عليه، وبعدها يقوم بمهاجمة المعتدين، وألا يسمع قول هذا الواشي، وأنشد أبياته المشهورة التي تناقلتها الألسن والتي يقول فيها:
يا شيخنا لا تسمع قول عدوان
ناسٍ تحط الْسمْ داخل عسلها
يروّونك الأشيا كما خط عنوان
ومن داخل البقشه خبيثٍ عملها
دعنا نصبحهم على نسل زبدان
تصبحه ذرايرهم تسحب أشْمَلها
وكانت منطقة ليوا تتعرض بين الحين والآخر إلى غزوات تشنها بعض القبائل الطامعة فيها وفي خيراتها من النخيل والإبل والماشية، ومن هذه الأحداث كانت وقعة تسمى حرب بوريال والتي وقعت في موقع يحمل هذا الاسم، ووقعت بين إحدى القبائل من جهة وقبيلة بني ياس والمناصير من جهة أخرى وكان ذلك في زمن الشيخ زايد بن خليفة المسمى زايد الكبير أو زايد الأول .
حل بسيط
يقول الكندي بن الشيخ مصبح الكندي محدثا عن والده وعن القضاء: إن الحكمة مطلب ضروري ومهم في القضاء . ويذكر واقعة حدثت لوالده استخدم فيها هذه الصفة، ويقول: إنه حدث أن وقع خصام بين شخصين على قعدان اثنين ولدي ناقة فكان كل منهما يدعي أن الدابتين صغيرا ناقته، ولما اشتد النزاع لجأوا إلى الشرطة التي لم تستطع حل القضية والنزاع، فتدخلت، فتدخلت أنا شخصياً لحل هذه القضية وفض النزاع فلم أستطع، وعندها قال الرجلان سنقصد والدك الشيخ مصبح الكندي ليحل القضية وما نظن أنه ما عنده حل لها، وبالفعل حضرنا جميعا عند والدي وأخبره الرجلان بقضيتهما، فقال والدي للرجل الأول: طلبتك، فقال الرجل: لو تطلب واحد من أولادي عطيتك، وقال والدي للرجل الآخر: طلبتك، فرد عليه بمثل رد صاحبه الأول، وهنا قال والدي الشيخ مصبح: طلبتكما القعدان الثنتين أي الاثنتين، فرد الرجلان بصوت واحد: القعدان الثنتين لك، فقال الشيخ مصبح لهما: وأنا أعطي لك أنت قعوداً واحداً وأنت لك القعود الثاني، فرد عليه الرجلان: عطيتك يا شيخ مقبولة، وبهذه الحكمة وهذا الحل البسيط حل قضية عجزت الشرطة وعجزت عن حلها وذلك بحكمته وسعة صدره وسرعة بديهته وقدره ومكانته عند الناس وثقتهم بحكمه ونزاهته، وما هذا إلا شيء بسيط مما سمعت وحضرت له في حل القضايا والمشاكل بين الناس .
أما الابن الثاني للشيخ مصبح فهو المرحوم علي وهو شاعر وأديب ومرجع من مراجع التاريخ في الدولة والمنطقة كأخيه ووالده رحمهم الله، وقد أخذنا من اليسير حيث قال : إن الظفرة وهي الاسم القديم لإمارة بني ياس وأبوظبي، وإنها كانت قبل رسم الحدود وظهور ما يعرف بإمارة أبوظبي والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، كانت تمتد سواحلها في المنطقة الساحلية الممتدة بين قطر والشارقة، وتمتد وتتغلغل في المناطق الداخلية للجزيرة العربية وصولا إلى منطقة الربع الخالي، وكان أهالي المنطقة من أجدادنا، يقسمون الظفرة إلى أقسام عديدة معتمدين على شكل وأجزاء جسم الناقة، وكانت هناك منطقة تعرف ب السنام وأخرى ب القرافيص وأخرى ب الرقبة وبقية أجزاء جسم الناقة، وذلك للتعريف بالمنطقة الواسعة التي يرتادونها ويعيشون فيها وينتقلون بين أطرافها العديدة والواسعة، وتسهيل عملية ارتيادها بين الحين والآخر ، ومعرفة طرقها ومواطنها المختلفة والخاصة بالسكن والرعي والصيد وهكذا، ولا نزال إلى عصرنا الحاضر نستخدم هذه المسميات ونسير في تلك الطرق والتنقل بين أجزائها المختلفة اعتمادا على المسميات القديمة التي استخدمها آباؤنا وأجدادنا الأوائل .