خيط رفيع يفصل بين القبح والجمال، حكمة قد لا يختلف عليها اثنان، غير أن الاتفاق عليها لا يعنى بالضرورة قدرتنا جميعا على التقاط ذلك الخيط، فالواقع يؤكد أن عدداً قليل يتمكن من التقاطه والعبور به نحو الجمال.
النحات الشباب مصطفى حسني واحد من هؤلاء القلة الذين أدركوا ما تحويه بقايا الحديد والخردة البالية من جمال، فالنحت بالنسبة له لم يكن مجرد تشكيل لتكوين جمالي، بقدر ما هو استخدام جيد لخامات تبدو غير ذات قيمة، فقد كان على يقين من أن أروع الأعمال الفنية يمكن أن تخرج من بين قطع الحديد الملقاة على قارعة الطريق، إيمانه بتلك القاعدة جعله يفتتح ورشة لإعادة تشكيل المعادن ليخرج من الخردة قطعا فنية نابضة بالحركة والحيوية.
نجح النحات مصطفى حسني في إعادة اكتشاف واستثمار النحاس، الحديد والخردة من جديد، لتصبح قطعا فنية جميلة، سواء كانت وجوها، أو جسما حيوانيا، أو لأحد الطيور الأليفة، فهذه بطة جميلة صنعها من تانك بنزين موتوسيكل ولاكور مواسير مياه متهالك وهذا طاووس يختال بسحره ودلاله وتلك سمكة ساحرة من بقايا الصاج القديم وحدوات الخيول البالية وغيرها وغيرها من القوالب والخامات.
داخل حي فقير بالقاهرة القديمة أقام النحات الشاب ورشته لإعادة تشكيل المعادن، عالم الخردة وبقايا المخلفات القديمة مثلت مصدر إلهامه الأول وموضوعات أعماله وتماثيله الشديدة التلقائية والبساطة.
يقول النحات الشاب مصطفى حسني: أنتقي خامات أعمالي الفنية من البكيا وصناديق القمامة ومخلفات المصانع والسيارات ثم أعيد تقديمها وتحويلها لتماثيل، يستحيل معها اكتشاف جذورها الأصلية، وتضم الورشة عشرات القطع الفنية جميعها من البقايا المتناثرة هنا أو هناك والتي أنهت مهمتها الأصلية التي أنشئت من أجلها حتى أصبحت عبئا لا قيمة له.
ولا يخفي النحات الشاب تأثره برائد فن النحت الفنان محمد رزق حيث يبقى خيط رفيع يربط بين الفنان محمد رزق والفنان الشاب مصطفى حسني هو فن النحت على المعادن.
يتحدث حسني عن تأثره برزق قائلا: طوال الوقت وأنا أضع شخوص الفنان الكبير محمد رزق أمامي وأسعى إلى الاقتراب من مستوى محاكاة أعماله الفنية، فنجوم محمد رزق تتميز بالشموخ والقوة وصلابة البنيان وهي تحاكي العديد من القضايا والموضوعات والبورتريهات، تحمل ملامح الشخصية المصرية الواقعية والأسطورية، وقد عالجها بتقنيات حديثة تثبت موهبة هذا المثال وقدرته على السيطرة على خاماته وتقديمها في قوالب، ثرية لها بريقها ومذاقها الخاص جدا، تتأكد في كل قطعة أو تمثال يمثل دنيا البشر أو عالم الحيوان.
غير أن التأثير الأكبر في حياة النحات الشاب كان للبيئة الشعبية التي تزخر بها أحياء القاهرة القديمة، فالحي الشعبي من وجهة نظر حسني ثري بمناظره الطبيعية وجذوره العريقة، ومن هنا لم ينس تجسيد مجموعة من أولاد البلد من أصحاب المهن اليدوية والباعة البسطاء والجائلين ليعبر عنهم بأسلوب تلقائي بسيط ساعد على تعميق رؤية الفنان الفاهم لطبيعة عملهم وحياتهم.. فبينهم القهوجي، بائع البطاطا، المسحراتي، وغيرهم الكثير.
ويبقى تشكيل الطيور والحيوانات بمثابة العشق الأول للفنان مصطفى حسني، حيث يجد في تجسيدها متعة لا يفوقها سوى العثور على ما يطلبه من مواد خام، يتابع حسني قائلا: تلك تماثيل الطيور والحيوانات عادة ما نستخدم فيها قطع الحديد المحدودة الموحية بالشكل، حيث ألتقط الحديد المهمل وبقايا التسليح وبقايا الصاج ورأس الشاكوش وجنزير الدراجة والكماشة وأجزاء من محرك السيارة لنخرج منها أعمالا إبداعية فنية. وعلى الرغم من قلة المعارض الفنية التي أقامها النحات الشاب إلا أن تأثيرها بقي في ذاكرة المتابعين لأعماله، ولعل أبرز تلك المعارض ذلك الذي أقيم بمتحف بلدية الإسكندرية، إضافة إلى معرض مجمع الفنون، كما شارك حسني في صالون الأعمال الفنية الصغيرة السادس.
عن تلك المشاركات يقول النحات مصطفى حسني: أحرص خلال المعارض على التزاوج بين الحديد والنحاس في صورة رائعة أجمع فيها بين أشرس الخامات وأكثرها صلابة بعد أن نجحت بمرور الوقت في ترويضهما وتحويلهما لخامات طبيعية سهلة التشكيل والتعبير برقة ونعومة عن شخوصي المختلفة، وتقديمهما في ثياب متفردة ترفع شعار الحداثة والعراقة.