محمد كبير

خلق الله الناس وأوجد المجتمعات المختلفة وجعل لكل منها مزية وصفة، فجبل بعضها على خلقة وفطرة، والبعض الآخر على طبيعة وسجية؛ وهكذا يتفاوت بنو الإنسان في أخلاقهم وثقافاتهم بقدر ما وهبهم الله من تلك الصفات وأتاهم من الشيم والخصوصيات، فمن الواجب لمن اتصف بتلك المحامد والمكارم وصارت له مظهرا وشعارا ودثارا أن يُعرِّف بها ويشهِّرها إشعاراً بتميزه بها وكمال حاله؛ وهذا ما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المروي عن:أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا، الإْيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» (1) لأن هذه الصفات الحسنة كما أنها محببة عند الخلق فهي محبوبة عند رب الخلق ووازنة في ميزانه (إِنَ فِيكَ خَصْلَتَينِ يُحِبهُمَاَ اللهُ ورسوله: الحِلمُ وَالأنَاةُ) (2) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس في وفادة قومه على النبي صلى الله عليه وسلم.

ولأن خلق التسامح من أعظم مكارم الأخلاق التي تعظم وتزداد أهميتها كلما كانت صفة جماعية وسجية إنسانية عامة، وذلك لأن السماحة قد تكون خلقاً فردياً؛ كما ورد في الحديث «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمَحًا إِذَا اشْتَرَى..» (3) إلا أن فاعلية خلق التسامح تكمن في كونها صفة جماعية وتميز قوم بعينهم بها، هنا تستحق التنويه والتبجيل وصيانتها كرصيد لذلك الشعب يفخر بها ويوَرِّثُها أجياله ويشد عليها بالنواجذ حتى لا يفقد هذه القيمة الراسخة.

زايد الرمز
والحديث عن مظاهر التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة التي أصبح اسمها ووسمها علامة على التسامح؛ ما ذُكِرَت في مجلس ولا رُئِيَ قادم منها إلا كان ظل التسامح وارفاً، فلا يحلو الحديث عن هذه القيمة من دون النهل من منبع التسامح وغارس جذورها في هذا البلد؛ فالمظهر التسامحي الأبرز في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة ورمز التسامح والحكمة فيها هو مؤسسها وقائدها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله تعالى.
هذه الشخصية التسامحية البارزة الذي يرمز لتاريخ التسامح في ثقافة الإمارات ويحمل طاقة تسامحية لا حدود لها؛ ومِنْ تشبعه بهذه الثقافة يتدفق خيراً وعطاءً ونماء أينما حل، وهذه الشخصية الفذة تبقى موئلاً للدارسين ومنبعاً للنظريات والرؤى لمن يريد الاقتباس والإضاءة في دروب التسامح، وإرثه التسامحي معين لا ينضب، ولا شك أنه بتلك الرؤى استضاءت دولة الإمارات لتصل إلى بر الأمان في تناغم بين شتى المكونات والطوائف والأديان؛ تضيء بأنوارها العوالم وتقود بحكمة حكيمها وعزيمة شعبها مسيرة تسامحية منقطعة النظير وعديمة المثيل؛ فأينعت ثمار هذه الثقافة التي غُرست في الشعب وتربت عليها الأجيال وتشربها الأطفال والولدان، فكانت لها مظاهر كثيرة وتجليات عديدة:
فمن مظاهر ثقافة التسامح في المجتمع الإماراتي: تشبث أهلها بتقاليدهم وأعرافهم وثقافتهم التي من أهم مكوناتها حبهم لدينهم وارتباطهم به ارتباطا ينأون فيه عن الغلو والتطرف ويحرصون فيه على الوسطية والاعتدال والمرونة والرفق والرحمة، وهذا الاختيار الإماراتي في التدين أحد تجليات التسامح؛ جعلوا الدين دافعا للبناء والجمال والسعادة والحياة الطيبة؛ كما أراد الله لدينه أن يكون {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(4) ولم يكن الدين في أرض التسامح دولة الإمارات معولَ هدم وأداةً لأغراض دنيئة وأهداف بئيسة؛ فالمساجد ودور العبادة والخطاب الديني المتنوع كلها تعمل لترسيخ القيم الحضارية والحفاظ على الأخلاق الإنسانية والأخوة الإسلامية والذوق السليم؛ فأضحى المسجد يؤدي دوراً حيوياً وأميناً يُسعد المجتمعَ ويرشده لما فيه مصلحتُه الدينية والدنيوية.
قبول الآخر
والإيمان بالاختلاف والتنوع الجغرافي والثقافي والديني مبدأ من مبادئ التسامح تنشأ عنه إحدى المظاهر المهمة للتسامح وهي قبول الآخر واحترام اختياره الفكري والديني والثقافي، والتعاون معه في بناء الوطن وصيانة ثوابته ومكتسباته، فبذلك يكون التسامح عامل بناء وتنمية المجتمعات شرط البعد عن الإقصاء، فالرقيب على العباد هو خالقهم وهو العليم ببواطنهم وما يكنون ويُسِرون، وعاقبة الجميع عند الله؛ كما قال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا}(5)
ولا تتحقق مظهرية التسامح إذا لم يكن صفة ثابتة وخلقاً متأصلاً؛ لأن التسامح لا يجتمع مع ما يضاده من الأدواء والأوبئة؛ فهو خلق سليم لا يكون إلا في مجتمع سليم خالٍ من تلك الأمراض المعضلة، فعلى هذا فلا يوجد على ساحة التسامح الإماراتية ولا في قواميسها كل ما يؤدي أو يَخْلُق الكراهية والطائفية والمذهبية المقيتة والتعصب المذموم؛ لأن هذه الأوبئة لا تجتمع مع قيمة التسامح وتُضادها.
فنتج عن ذلك مظهر آخر من مظاهر التسامح وهو التعايش والتعاون والبناء وخدمة الأوطان؛ ففي مجتمع الإمارات تبرز للمتأمل جنسيات مختلفة وألوان متعددة ومذاهب وطوائف وأديان متراحمة متعايشة؛ جميعها تعمل في خدمة الوطن وتحقيق الإنتاج.. يعيشون في وئام وسلام، ويمارسون حياتهم وعيشهم بكل حرية واحترام، لا فضل لأحد على أحد إلا بنفع الناس والمبادرة في التميز وبناء الذات؛ انطلاقاً من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير}(6).
النموذج الحضاري الإسلامي

ولم تكن دولة الإمارات العربية في رحلة التسامح التي تقودها عن جدارة نائيةً بنفسها عن الحضارة الإسلامية، بل هي في قيادتها لهذا النموذج تحيي النموذج الحضاري الإسلامي يوم أن كانت الكنائس تجاور المساجد، ويقيم جميع الناس شعائر دينهم في الأماكن المخصصة لها بحرية تامة، ويفرحون بأعيادهم ومناسباتهم وسط المسلمين حيث تكفل لهم الدولة ذلك؛ فعاشت المجتمعات في سِلْم تصنع الحضارة التي ما زال العالم ينهل منها اليوم، وذلك النموذج التاريخي قد تكفلت دولة الإمارات بإقامته على أرضها وإعادته بهويته العربية وأصالته الإسلامية.
وكلما قوي التسامح واشتد عوده كان من مظاهره حب الوطن والانتماء له والولاء لقيادته، والتضحية في سبيله والدفاع عن مكتسباته؛ لأن المواطنة تقتضي قوة الرابطة بين أبناء الوطن الواحد الذين ينظمهم عقد المواطنة، وأن يعملوا جميعا في خدمة الوطن كالجسد الواحد، ولا يتحقق ذلك إلا بقيمة التسامح التي تتولد منها صفات الخير والإيثار والمحبة؛ وقد مدح الله تعالى في القرآن الكريم مجتمع المدينة المنورة يوم حقق هذه الصفات في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(7) وعلى ذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في قوله: «لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه»(8) والمتأمل في دولة الإمارات يرى الكثير من الحب والوله بالوطن سواء من قبل أبنائه أو المقيمين على أرض الوطن وتلك ثمرة ثقافة التسامح.
في مقدمة ركب الخير
وتجربة دولة الإمارات في مجال التسامح كَقِيمةٍ كونية حضارية وإسلامية فتحت المجال أمام غير المسلمين من الطوائف والديانات الأخرى المقيمين والزائرين للاطلاع على تعاليم دين الإسلام، وزيارة المعالم الدينية والتعرف على الثقافة الإسلامية والتقاليد والأعراف المكونة لها، فكان منهم من اقتنع بهذا الدين ودخل فيه إعجابا بالنموذج الإماراتي الحضاري المتسامح المنفتح على الآخر والذي يمثل في جوهره تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف؛ والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث بالحنيفية السمحة(9). وهذا منهج رباني ومظهر حضاري يدل على أنه ما كان التسامح في أمر إلا نجح وأفلح.
وكثيرة هي مظاهر التسامح وتجلياته الإماراتية إلا أنه لا يخفى المظهر الإنساني لقيمة التسامح وإشعاع هذا المظهر على جميع دول العالم؛ فالإمارات بجهودها الإنسانية التي لا تفرق بين بني الإنسان ولا تنظر لخلفياتهم الثقافية والدينة والفكرية، تعطي بسخاء وكرم، وتتواجد دوما في مقدمة الركب فإذا كان الأمر متعلقاً بالخير والعطاء، تتسابق وتبادر لإعانة المحتاجين والمبتلين ومساعدة المنكوبين والمكروبين، فهو عطاء للإنسانية وتلك ساحة التسامح وكلما كان التسامح مقتصرا على فئة لم يعد له قيمة ولا حقيقة، إنها فلسفة القائد في العطاء ما زالت تؤتي ثمارها وتنمو يوما بعد يوم، ربَّى شعبه على الخير فسعى في الخير فاستحق لذلك الخيرية؛ كما أخبرنا بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» (10).
قيمتان لا تنفصلان
وتلك رؤية أصيلة نابعة من قيم وثقافة هذا البلد فقد كان الشيخ زايد، رحمه الله، يرى بتجربته الفذة وحكمته الثاقبة وثقافته الأصيلة أن التسامح والتضامن لا ينفصلان فقال كلمته الشهيرة «لا يمكن أن يوجد تضامنٌ مُتكاملٌ إلا بالتسامح» فالتضامن كقيمة أساسية مجتمعية في دولة الإمارات العربية ومع الشعوب الأخرى المحتاجة من أهم مظاهر التسامح في هذه الدولة.
وهذه المظاهر التسامحية لا بد لها من رعاية وحياطة ومراقبة ومتابعة فكان «قانون مكافحة الكراهية والتمييز» الذي تتميز دولة الإمارات بإصداره وسيلة قانونية فعالة للحفاظ على التسامح والشعور بالمسؤولية وتحملها، فالتسامح أمانة ومسؤوليةُ كلِّ فرد، والمسؤولية التسامحية مظهر من تلك المظاهر التي أبدعتها هذه الدولة في رعاية التسامح.
وهكذا أينما وليت وجهك على أرض الإمارات تجد بصمة التسامح فتراها على وجه ذلك الصبي الذي يلقاك بابتسامة بريئة وذلك الموظف والموظفة اللذين يلاطفانك بمنتهى أدب الحوار والتخاطب، وذلك العجوز الذي لا يبخل عليك بتوجيه وحكمة، وتلك المعالم والجمادات التي تنطق جمالا وحياة كنُصُب دالة على التسامح داعية له، فاستطاعت مسيرة التسامح المتمثلة في تلك المظاهر وغيرها أن تنجح وتتجاوز كل المعوقات، فقد كانت وراءها رؤية قائد حكيم وثقافة شعب عظيم، فأصبحت اليوم كتاباً مفتوحاً للعالم ينهل من هذه التجربة الثرية التي تنمو يوماً بعد يوم بفضل المبادرات الجادة، والحمد لله على توفيقه ومِنَنِه.
هوامش:
1- الحديث متفق عليه
2- الحديث أخرجه الإمام مسلم في الصحيح
3- الحديث أخرجه البخاري في الصحيح
4- سورة النحل: الآية 97
5- سورة الإسراء: الآية 84
6- سورة الحجرات: الآية 13
7- سورة الحشر: الآية 9
8- الحديث أخرجه البخاري ومسلم
9- من حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند وحسّنه العجلوني
10- الحديث أخرجه الطبراني في الوسط وصححه غير واحد من أهل العلم
* المفتي في المركز الرسمي للإفتاء بأبوظبي