السيارة والرقم والماركة أهم من الشهادة والأخلاق
التباهي مرض شبابي
اختلفت صور تباهي الشباب بين اليوم والأمس. فسابقاً كان الشباب يتباهي بالشهادة العلمية والأخلاق والثقافة. أما اليوم فيحرص الشاب على لفت الانتباه له من خلال سيارته الفارهة وأرقامه المميزة والماركات وحفلات الأعراس والولائم والتدخين وطريقة حديثهم وتخاطبهم مع الآخرين. في محاولة منه ليبدو بصورة جيدة تجلب له التقدير والاحترام .
في هذا التحقيق نتعرف إلى صور وأساليب تباهي الشباب والسبب في تغير نظرة الشباب ومجددات المكانة الاجتماعية من وجهة نظرهم .
أحمد الطنيجي. محرر ومقدم برامج في قناة أبوظبي. أكد أن هناك أولويات في الحياة لابد من الاهتمام بها وأن التباهي يكون بقدر الميزانية الموجودة للأسرة وللشخص نفسه. مشيراً إلى أهمية عمل موازنة بين متطلبات الحياة ورغبات الإنسان. والموازنة بين شكله وجوهره. لأن الاهتمام بالجوهر ضرورة تفوق ضرورة الاهتمام بالشكل . ويقول: حالياً اهتمامي منصب على بناء منزل العمر. وغير مهتم بالشكليات الخادعة. ولكني حريص على الاهتمام بالمظهر الخارجي وأراه مطلباً أساساً .
ويشير إلى أن أغلب الشباب يتباهون بالسيارات. وقد تكون قيمة السيارة أغلى من المنزل الذي يسكنه الشخص. وأيضاً يتفاخرون بالهواتف المتحركة من خلال اقتنائهم لكل جديد. موضحاً أن نظرة الشباب اليوم أصبحت مادية. وتغيرت المفاهيم لديهم. وأصبح المال هو الذي يحدد المكانة الاجتماعية لدى البعض .
عادل علي بالحاي. موظف. أشار إلى أنه لا يسعى للتباهي بالشكليات والمظاهر الخداعة . ويقول: هناك عدد كبير من الشباب الذين يتباهون بالمظهر الخارجي. كالسيارات والماركات والسفر المستمر. وهم لا يملكون ثمن هذا التفاخر. ويضطرون للاستدانة لتدبير شؤونهم اليومية والتي تتمثل بوقود السيارة والطعام . ويرفضون الظهور على حقيقتهم في المجتمع. ويعتقدون أنهم أفضل من الجميع ويملكون ما لا يملكونه .
ويوضح أن نظرة الشباب تغيرت اليوم. وأصبحوا كثيري الاهتمام بالشكليات. وذلك بسبب التطور والانفتاح وزيادة الدخل. مؤكداً أن تأثير ذلك سلبي على الشباب لأنه يهتم بالمظهر ويهمل الجوهر. وأنه من حقّ الإنسان أن يفخر بقدراته ومواهبه وأفكاره وإبداعاته ومساهماته في خدمة المجتمع وليس بالشكليات . ويضيف: سابقاً الشهادة والشخصية كانتا تحددان مكانة الشخص. واليوم نرى أن المال والمركز الذي يشغله الشاب سواء وصله بمجهوده أو بالوساطة هما ما يحددان. متجاهلاً أن الرقي هو تفكير الإنسان وتعامله مع الأشخاص .
وأشارت حصة راشد. موظفة في وزارة التربية والتعليم. إلى أنها حريصة على اتباع الموضة في شراء الملابس والأحذية والساعات ذات الأسعار الغالية. ولا ترضى بأٌقل من ذلك . وتقول: المظاهر والشكليات تكلفني كثيراً. لأن هناك تنافساً كبيراً بين صديقاتي وقريباتي على اقتناء الماركات العالمية. ولا أرضى بأن أبدو أقل منهن من حيث الشكل والمظهر .
وتشير إلى أنه من المتعارف عليه أن النساء أكثر اهتماماً بالمظاهر. ولكن ما تراه اليوم أن الرجال أيضاً أصبحوا ينافسون السيدات على التفاخر. وهم كثيرو الاهتمام بأرقام السيارات والهواتف النقالة. والاهتمام باقتناء الأحذية والساعات الثمينة ويصرفون مبالغ خيالية لاقتناء الأرقام تصل لملايين الدراهم من باب الفشخرة والرقي .
مريم المهيري. موظفة. أنفق زوجها مليون درهم للاستعداد لحفل زفافهما . وعن ذلك تقول: رغبتي في أن يكون الحفل مميزاً جعلني أنفق مبالغ كبيرة للاستعداد لهذه الليلة. وأرى أن المجتمع يفرض علينا هذا البذخ والتفاخر في حفلات الأعراس. لأن هناك منافسة كبيرة في الحفلات والعروض التي تقدمها المحال الخاصة بالتجهيز للأعراس. وأصبحت حفلات الأعراس استعراضاً ومباهاة بفستان العروس والقاعة والتوزيعات والطعام والكوشة والمهر. وهذا الأمر يتطلب صرف مبالغ مرتفعة .
وتشير إلى أن جيل الشباب حريص على الاهتمام بمظهره ويوليه عناية فائقة من باب لفت الأنظار وصورة من التفاخر والتباهي على الأصدقاء والأقران. مؤكدة أن الدنيا مظاهر .
وأشارت فاطمة الفلاسي. ربة بيت. إلى أن السيدات في السابق كان اهتمامهن منصباً على الزوج والأبناء والمنزل. أما اليوم فاختلفت أشكال التباهي لدى السيدات. وأصبحن كثيرات الاهتمام بالمظهر والموضة والفشخرة. وذلك من خلال اهتمامهن بالحفلات والولائم والماركات العالمية .
وتقول: أغلب السيدات أصبحن يرغبن باقتناء الأغلى وأن يكن من الطبقة الغنية. رغم أن إمكاناتهن بسيطة جداً. ولكن يحرصن على تقليد الأشخاص المقتدرين مادياً. وأغلب الفتيات تدور أحاديثهن حول الماركات والمباهاة ويتفاخرن فيما بينهن .
ويرى سعيد الملا. جامعة الشارقة. أن الاهتمام بالتفاخر يصيب الشباب والفتيات على حد سواء. وتختلف طرق وصور المباهاة من شخص إلى آخر .
ويقول: الأمر المزعج في مسألة الفشخرة هو تباهي الشباب بعلاقاتهم العاطفية. حيث أصبح الشاب ينتقل من علاقة إلى أخرى ويتباهى بها أمام زملائه. والأمر الآخر معظم الشباب يعتبرون التدخين جزءاً من الفشخرة والرقي. ويعتقدون أن هذا الأمر يعطيهم مكانة في المجتمع. وأيضاً هناك فئة من الشباب يتباهون بالتفحيط. ويختارون ألقاباً لهم ويتفاخرون بها أمام زملائهم . والبعض منهم وهم الأكثرية في الجامعة يتباهون بمعرفة اللغة الإنجليزية. ويستخدمونها في حواراتهم العادية متجاهلين اللغة العربية. وتوضح أن الفشخرة أصبحت من الأسياسيات عند الشباب. وأن التعامل الآن مبني على المظهر الخارجي للشخص بغض النظر عن الجوهر .
د . أحمد العموش. عميد كلية الآداب و العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة. يقول: المجتمع العربي. يشهد تغيرات متسارعة. أدت إلى ظهور كثير من الظواهر السلبية خاصة فيما يتعلق بجيل الشباب. وأصبحت ظاهرة التباهي نمط حياة مرتكزة على التقليد والمحاكاة .
وحول صور ووسائل التباهي لدى الشباب سابقاً واليوم. يقول: سابقاً الشاب كان يتباهى بأخلاقه وشخصيته وثقافته وشهادته. واليوم هناك فئة من الشباب يتباهون بالشكليات والمظاهر. كالمبالغة في الملابس. والتفاخر في أثمانها. والسيارات فنجد الشاب يشتري أفخم أنواع السيارات. والتباهي في الكماليات المنزلية والأدوات المدرسية والماركات والتدخين والإكسسوارات وحفلات الأعراس والولائم. معتبرين المظاهر نوعاً من أنواع الرقي .
وحول الأسباب. يقول: المتباهي يسعى إلى أن يجلب لنفسه مكانة اجتماعية مرموقة تجلب له الاحترام والتقدير. وغياب الأسوة الحسنة والقدوة السليمة أساس العديد من المشكلات الاجتماعية كالتباهي. وهذا السلوك له انعكاسات سلبية على المنظومة في المجتمع. ويؤدي إلى التفكك. ويعرض هؤلاء الشباب إلى الضياع . ويؤكد أن الدرجة العلمية والأخلاق والسلوك الصحيح هي التي تعطي الشاب المكانة الاجتماعية. ولكن للأسف الكثير من الشباب يعتقدون أن الجانب المادي هو ما يحدد مكانته الاجتماعية. موضحاً أن طبيعة الأشخاص الذين يتباهون بالشكليات تتصف باللامبالاة. ومنسحبة من المجتمع. ولها ثقافة خاصة .
ويضيف: نحن بحاجة إلى تثقيف الذات. فالشاب كلما كان أوسع اطلاعاً وأكثر ثقافة. كانت رؤيته صحيحة لمسألة التباهي. وبذلك لن يهتم بالشكليات أكثر من الجوهر. ولن ينبهر بالأشخاص المتباهين .
* * *
التنشئة السليمة تضبط المفاهيم
أثرياء يرضون بالقليل
الشباب متهم بالاهتمام بالشكليات والمظاهر الخداعة بشكل كبير كجزء من لفت الأنظار. ونوع من الفشخرة والتفاخر على الأصدقاء والأقارب. ولكن رغم ذلك نرى فئة من الشباب رغم قدراتهم المادية المرتفعة بسطاء في طريقة تعاطيهم مع المظاهر الخداعة ولا يهتمون بالشكليات .
أشارت ندى الكعبي. جامعة الشارقة. إلى أن مجتمعنا لديه ثقافة سلبية وهي التقليد الأعمى لكل ظاهرة سلبية. فالانبهار بشخصية معينة تجعل كثيرين يقلدون الشخصية في المظهر الخارجي من دون أن يفكر في مساره. معتقدين أن التقليد هي الوسيلة للنجاح ولفت الأنظار .
وتقول: الإنسان بفطرته سريع التأثر بالمحيط الاجتماعي. فنراه يتأثر بالأشخاص المحيطين به. خاصة إذا أعجب بهم. وبذلك يحرص على تقليدهم في اللبس والمظهر الخارجي. وهذا ما أراه حولي في الجامعة. إذ إن أغلب الطالبات أصبحن يتباهين بالعبايات والحقيبة والساعة الماركة. رغم أن قدراتهن المادية بسيطة. ويعتقدن أن تقليد الصديقات نوع من الولاء لهن بحيث يتفقن معهن في المظهر والفشخرة الكذابة. ولكن رغم ما أراه حولي من فشخرة. إلا أن هذا الأمر لم يؤثر فيّ. لأني ضد هذا السلوك. والأصل هو الاهتمام في المظهر العام ولكن من دون المبالغة .
علي إبراهيم. موظف في الشرطة. يقول: لدي القدرة المالية لشراء أفخم أنواع السيارات وأفضل الماركات العالمية. ولكن رغم ذلك لا تهمني الشكليات والمظاهر. ولا يهمني تعليقات الأصدقاء والأقارب بكوني لا أهتم بشراء الأغلى في كل شيء. ويشير إلى أن الاهتمام بالمظهر العام مطلب أساسي وضروري. ولكن من دون المبالغة. فالمظهر الحسن والجميل يضيف إلى حسن الإنسان حسناً آخر. لكن الأهم من ذلك الجوهر والمضمون .
ويضيف: هناك مجموعة من الشباب غير مؤيدين لفكرة الفشخرة. ولكن خوفهم من الخروج عن مسار الخط الجماعي الذي يسير به من حولهم يجعلهم يتشبهون بالآخرين ويتباهون ويهتمون بالشكليات بشكل كبير جداً. ويتخلصون من قيود الأهل عن طريق الاهتمام بالمظهر المكلف .
جاسم المرزوقي. موظف في وزارة الداخلية. أشار إلى أن الاهتمام بالشكليات والمظاهر آخر اهتمامه رغم أن لديه القدرة المادية. لكنه في الوقت نفسه حريص على أن يكون مظهره جيداً وحسناً من دون التكلف .
ويقول: أغلب الأشخاص المتباهين يعملون ساعات طوالاً ويقبلون بأي عمل فقط من أجل تسديد الديون التي تراكمت عليهم بسبب حرصهم على الفشخرة المزيفة. والمشكلة عندما يفتخر بملابسه الباهظة الثمن والسيارة الفارهة والماركات. رغبة منه في لفت الأنظار وإعطاء الآخرين انطباعاً بأن لديه مكانة اجتماعية مهمة. وهو في الحقيقة لا يملك ثمنها. بل استدان من أجل الفشخرة. ويتباهى بالشيء الذي يملكه بطريقة مزعجة. وذلك من خلال عرضه على كل من يعرفه. والحديث عنه في كل تجمع. متجاهلاً أن الانطباع الجيد يتركه المرء من خلال تصرفاته وطريقة تعامله مع الآخرين وشهادته. وليس من خلال التمثيل ولبس قناع مزيف .
وترى هدى الزرعوني. جامعة زايد. أن المجتمع الخليجي يعشق المظاهر والوجاهة. ويحب الظهور بمظهر أنيق ومبالغ فيه من خلال صرف مبالغ كبيرة من أجل تحقيق هذا الأمر .
وتقول: أغلب النساء يفضلن العيش بطريقة بسيطة في المنزل. ولكن عند الخروج للمجتمع يفضلن أن يبدين بكامل أناقتهن. ويلبسن أغلى الماركات وأفضل الإكسسوارات والزي. وذلك فقط من أجل الفشخرة والتباهي أمام الصديقات والقريبات. ولكن رغم ما أراه حولي من مظاهر الفشخرة. إلا أني لا أؤمن بالمبالغة في المظهر الخارجي رغم أن أخواتي من النوع المتباهي. إلا أني أختلف عنهن. ودائماً ألقى كلمات العتاب من والدتي. وتسألني: لماذا لا ترتدين مثل أخواتك؟ وفي الوسط الجامعي أيضاً ألقى انتقادات من زميلاتي. لعدم اهتمامي بالمبالغة في المظهر وبساطة ما ارتديه. وتشير إلى أن الاعتدال في اقتناء الأشياء هو الأفضل. بغض النظر عن قدرة الإنسان على شراء العديد من الكماليات. وترى أن الفشخرة ليس لها علاقة بالقدرة المادية للأشخاص. فأغلب المتباهين لا يملكون ثمن فشخرتهم. والديون قد أثقلت كاهلهم. وذلك بسبب التقليد الأعمى للأشخاص المحيطين .
د . صلاح عبدالحي. أستاذ علم النفس في جامعة عجمان. أكد أن الذي يعتمد أسلوب المباهاة يعوض جانباً من النقص في حياته. وينم عن حالة ثقافية واجتماعية تولي العناية بالمظهر اهتمامها الأول بحيث يصبح مظهر الإنسان لا جوهره هو القيمة .
ويقول: في مرحلة المراهقة عملية المباهاة تكون طبيعية. كون المراهق يعاني بعض العيوب الناتجة من النمو السريع. فيخفي هذا العيب من خلال الاهتمام بالشكليات والتفاخر. فهو سلوك تعويضي. يرغب من خلاله في أن يحتل مكانة بين أقرانه. ويكتسب ثقة الآخرين .
وحول الشباب المقتدرين والذين يرفضون المباهاة. يقول: قضية التباهي تعود إلى أسلوب التربية والتنشئة في المنزل. فالذين لديهم الإمكانات المادية ويرفضون الفشخرة تكون عملية التربية سليمة في الأسرة. وكل منهم استكمل كل متطلبات الحياة. بالتالي لا يكون بحاجة إلى هذه الأساليب .
ويوضح أنه إذا حرص الآباء على تربية أبنائهم على القناعة منذ الطفولة. ولم يلبوا لهم جميع متطلباتهم الترفيهية وعلموهم كيفية الادخار ووضع كل درهم في مكانه الصحيح فسيتعلم الأبناء كيفية التصرف بالمحافظة على المال من الإهدار في الفشخرة .
* * *
الآثار السلبية مدمرة أحياناً
المراهقة مرحلة التفاخر
أصبح مجتمعنا في تنافس. فكل شخص يسابق الآخر من سيظهر بحلة أفخر. رغم أن البعض منهم لا تتوافر لديه المادة. بل يستدين من أجل المظاهر المزيفة. ولكن في الحقيقة الاستمرار في التباهي لا يعكس الواقع الاجتماعي والمادي الحقيقي. بل يتحول الى مشكلة كبيرة ومكلفة. خاصة بين الشباب. الآن هناك مراحلة عمرية يزيد فيها التباهي نعرفها فيما يلي:
د . أحمد الشيبة مستشار ومختص في علم النفس التربوي. ورئيس مركز الخليج العربي للاستشارات التربوية يقول: بطبيعة الإنسان يرغب في أن يكون حسن المظهر. ولكن قد يبالغ ويفكر بالمنافسة. وأن يكون الأفضل ظاهرياً. والمشكلة تكمن في الشاب الذي يكون فارغاً من الداخل واهتمامه يقتصر على الشكليات. وكلما زادت الرفاهية زادت مسألة التباهي. وهو نوع من الكذب على النفس .
وحول المرحلة العمرية التي يزيد فيها التباهي. يقول: ينتبه الإنسان إلى شكله ومظهره الخارجي عندما يبدأ النمو يتسارع في مرحلة المراهقة. وهذا أمر طبيعي. ولكن بشكل عام عملية التباهي مرتبطة بالبيئة أكثر من المرحلة العمرية وجنس الإنسان. ونحن كبيئة خليجية مشجعة على مسألة التباهي. فالنظام المالي والاقتصادي له دور كبير. فكلما زاد دخل الفرد تعددت أوجه الإنفاق. والتسهيلات التي تقدمها البنوك تشجع الشباب على عملية التباهي. بالإضافة إلى دور التربية الأسرية. إذ لابد أن تهتم الأسرة بتعليم أبنائها الأولويات .
وحول تأثير التباهي في جيل الشباب. يقول: هذا الأمر ينشىء جيلاً منافقاً. يخادع نفسه والآخرين وسطحياً. أولوياته غير مستقرة. ويهمل الأمور الأساسية في الحياة. وأيضاً حياة البذخ التي يحدث في المجتمع. تؤدي إلى طمع التجار والسعي لزيادة الأسعار. وخسارات فادحة في العمل والمنزل وحتى على نطاق العلاقات والصداقات . ويشير إلى أن الشاب الواعي يقدر الأمور. ويعتدل في مسألة التباهي وتصنيف الأمور إلى أساسيات وكماليات. وذلك حتى لا يقع في مشكلات الدين والأعباء المالية الثقيلة .
د . عبدالله المنيزل أستاذ في علم النفس التربوي وعميد شؤون الطلاب في جامعة الشارقة. أشار إلى أن التباهي انتشر كثيراً بين الرجال والنساء. رغبة منهم في ظهور ذواتهم بمظهر لائق في نفوس الآخرين. ومحاولة لفت الأنظار إليهم. مؤكداً أنه في مرحلة المراهقة تزيد مسألة التباهي. لأن المراهق يعاني أزمة هوية ويريد أن يثبت ذاته. وأن عملية إثبات الوجود تجعله في صراع مع الأهل وينصب تركيزه على الاهتمام بالشكليات والمظاهر وكل جديد في عالم الموضة . ويقول: هذه الظاهرة مرجعها غالباً ما يشعر به البعض من القصور في أنفسهم فيعوض ذلك بمحاولة إخفاء عيوبه تحت ستار شكله الزائف. ويجعل صاحبه يتباهى بالشكليات. والغيرة من الأصدقاء تجعله يبدو على خلاف الحقيقة ويتعالى على زملائه. والتربية لها دور أساسي في هذا الموضوع فلابد من توجيه وإرشاد الشباب . ويؤكد أنه كلما زاد عمر الشاب زاد نضجاً. وتقل مسألة المباهاة ويكون أكثر واقعية وتفكيراً بالأمور المهمة. أما المراحل الأدنى فتكون مسألة التباهي أكبر. موضحاً أنه عند الجنسين توجد عملية التباهي والتفاخر .
ويشير إلى أن التباهي يؤثر في سلوك الشاب بشكل سلبي. لأنه لن يكون منطقياً وواقعياً في التعامل مع واقعه. وإذا سيطرت مسألة التباهي على تفكيره سوف يؤثر في أدائه في مجالات الحياة المختلفة. وفي سلوكه الاستهلاكي ويستدين ويسرق من أجل التباهي. خاصة إذا لم في تكن لديه الموارد المالية التي تشبع رغباته. ولن يحقق هذا الشخص الرضا المطلوب لأن سعادته مؤقتة وسيعيش حالة من التوتر والاضطراب لأنه يعيش حالة خداع مع النفس قبل خداع الآخرين .
د . فاطمة الزهراء ساعي أستاذة علم النفس المعرفي في جامعة الإمارات. تقول: التباهي يعني أنّ الشخص يعتقد أنه يستطيع أن يفعل أكثر ممّا يستطيعه فعلاً. وفي وقتنا الحالي أصبحنا نعيش في عالم مادي. الأمر الذي أثر بشكل كبير في المجتمع. وأدى إلى استحداث ظواهر دخيلة عليه كالمباهاة. وبالتالي زادت الضغوط الاجتماعية .
وتؤكد أن التباهي يزيد في سن المراهقة. وأنه سابقاً كانت عملية التباهي واضحة على الفتيات. أما اليوم فالأمر أصبح متساوياً بين الجنسين لأن هناك فئة كبيرة من الشباب يتباهون .
وتقول: التباهي ليس مرضاً. بل فعل وسلوك يمارسه بعض الأشخاص من أجل لفت الأنظار وتعويض نقص ما. فيلجأ إلى الظهور بطريقة لا تعكس واقعه الحقيقي. بل صورة مغايرة عن شخصيته. ولكن في المقابل قد يتعرض الإنسان إلى بعض المعوقات التي تقف نحو إشباع رغباته لعوامل عديدة منها الشخصية أو المادية أو الاجتماعية. وهنا لابد أن يتمكن الإنسان من التكيف مع ظروفه وحالته بحسب قدراته. ولا يلجأ للمباهاة على حساب الأمور الضرورية في الحياة .
مريم عيسى مديرة مركز مطمئنة للاستشارات والتدريب تقول: أسباب التباهي تتمثل في مسايرة الأقران. والتقليد الأعمى بتأثير من وسائل الإعلام خاصة التلفزيون والإنترنت. إذ أصبحت تتدخل في عمليات التنشئة. الأمر الذي أدى إلى الجرأة والانفتاح. وظهور إفرازات غريبة كالتباهي. وقد يكون أسلوب التعامل مع الأبناء العطاء بلا حدود. فلا يشعر الشاب بقيمة الصرف. وقد يكون هناك نقص في البيت أو مظهر من مظاهر الحياة فيعوضه من خلال المظهر الخارجي من خلال السيارات والماركات والشكليات الأخرى . وتضيف: القرآن الكريم وصف الدنيا بأنّها دار لهو وغرور وزينة وتفاخر وتكاثر. لكنّه أراد بهذا الوصف أن يذمّ هذا الوجه منها. لأنه سلوك خاطىء. وله نتائج عكسية على الشخص الذي يمارسه. فلابد من توعية النشء بقيم ديننا الذي حثنا على التوسط. فإذا تم غرس قيم إيجابية في نفوسهم سوف نحصد نتائج إيجابية. والأهم هو توعية الشباب من خلال المحاضرات والأنشطة والندوات .
* * *
البنوك تيسر ثم تعسّر
فاتورة المظاهر ديون لا تنتهي
يحرص الأشخاص المدعون والعاشقون للمظاهر على اقتناص جميع الفرص والمناسبات التي تمكنهم من الفشخرة. وفي وقتنا الحالي أصبحت البنوك تسهل لهم عملية اقتناء كل ما يخطر في بالهم والتباهي وذلك من خلال التقسيط المريح. ولكن رغبتهم في تسلق السلم الاجتماعي بسرعة هائلة جعلهم غير قادرين على توفير أبسط المتطلبات اليومية رغم مظهرهم الذي يوحي بأنهم أصحاب ملايين .
منى المنصوري خريجة جامعة زايد أشارت إلى أن الشباب يتباهون بالماركات والهواتف والسيارات .
وتقول: لا أهتم بالشكليات والمظاهر الخداعة. ولكن بشكل عام أحرص على الاهتمام بمظهري. ولكن من دون اتباع أسلوب المباهاة والادعاء بأني أمتلك كل شيء . والأشخاص المدعون يتبعون هذا الأسلوب لإرضاء غرور فيهم. وربما يكون تفكيرهم سطحياً .
وتضيف: الشباب الذين يستدينون من أجل التباهي لا يفكرون بطريقة صحيحة. لأن التباهي لن يوصلهم إلى المكانة التي يرغبون بها. ولكن من خلال وعي الشخص وثقافته وشخصيته المرنة والاهتمام بمظهره يستطيع أن ينال الاحترام والتقدير من الأشخاص. فالمال ليس وسيلة لتحديد مكانته الاجتماعية . والفقر الحقيقي هو نقص الثقافة والأخلاق وسوء التصرّف. أما المظهر فهو زائل .
عبدالرحمن الحوسني موظف في شرطة أبوظبي أكد على أنه لم يستدن من أجل التباهي .
ويقول: أعرف مجموعة من الأشخاص همهم الرئيسي التباهي. وهم بالحقيقة أشخاص ليست لديهم القدرة المالية على هذا النوع من التباهي. فيلجأ كل منهم إلى تأجير أفخم أنواع السيارات لمدة يومين بمبلغ كبير. ويشتري الماركات بدافع التباهي. ويضطر في الأخير إلى أن يستدين من أصدقائه لتدبير الأمور الضرورية. وأعتقد أن هؤلاء الأشخاص يلجؤون لهذا الأسلوب لأنهم محرومون .
ويؤكد أن التباهي المبالغ فيه يدخل صاحبه في دوامة الديون. موضحاً أن الاهتمام بالمظهر والصرف المبالغ على الملابس والإكسسوارات والسيارات ليسا بمعيار لتحديد مكانة الإنسان. فالأهم من كل ذلك القناعة بما يملكه الإنسان والسعي لتطوير نفسه وتحقيق النجاح. ويرى الشهادة والأخلاق تحدد مكانة الشخص وليس ما يلبسه من ماركات وما يبتكره من ادعاء وأكاذيب من خلال اقتناء ما يفوق قدراته المادية .
أشار محمد العوضي جامعة العين. موظف إلى أن الفشخرة أدت إلى تراكم الديون عليه. وعجزه عن تسديد الفواتير .
وعن ذلك يقول: من أجل الفشخرة حرصت على شراء سيارة فارهة وارتداء أفضل الماركات العالمية. والسفر المستمر والاهتمام بالعزائم. ولكن هذه المظاهر كلفتني الكثير. وأصبحت أعيش في دوامة واستدين من الأصدقاء والأقارب والبنوك. وقد الجأ لبيع بعض حاجاتي كالهاتف في آخر الشهر من أجل توفير المتطلبات اليومية . ويشير إلى أن الاهتمام بالصورة الاجتماعية أهم من الواقع ومن توفير المال وادخاره في نظره. مؤكداً أن الفشخرة أدخلته في دوامة ومشكلات متعددة منها القروض البنكية. والضغوط الاجتماعية بسبب عدم قدرته على توفير متطلبات الزوجة والأبناء .
ويوضح أن الفشخرة ناجمة عن مجاراة بعض أصدقائه الذين يملكون سيارات فارهة ويتفاخرون دائماً بارتداء أفخم الماركات .
إيمان راشد موظفة في بنك تجد متعة كبيرة في الشراء ومتابعة أحدث الموديلات. والحرص على اقتنائها رغم أسعارها الغالية. وكل ذلك من أجل التباهي أمام زميلاتها وقريباتها .
وتقول: أحرص على الذهاب للمحلات الراقية بشكل مستمر والحصول على الجديد ولو لم أكن أملك ثمن البضاعة. فألجأ للاستدانة من أجل الحصول على ما أريد. حيث إني اهتم بشكل كبير بالمظاهر والشكليات. وأرى أن المظهر يعطي انطباعاً جيداً للآخرين .
وتؤكد أن شراءها للبضائع الغالية الثمن الماركات لأنها تعودت على ذلك ولا ترغب بشراء بضائع رخيصة تتعرض للتلف. موضحاً أن الماركات تمنحها شعوراً بالرقي والراحة .
وترى عائشة الزعابي موظفة في البلدية أن العوامل التي تدفع الشباب ل الفشخرة عديدة. بداية من التسهيلات التي تقدمها البنوك لهم. ونظرة المجتمع للإنسان صاحب السيارة الفارهة والرقم المميز والمرتدي الماركات العالمية .
وتقول: أغلب زميلاتي مهتمات بالمظهر الخارجي. وهذا الأمر جعلني أحرص على منافستهن. رغم أن طريقتي في الشراء والبذخ لا تتناسب مع دخلي. فمتطلبات ذلك تفوق دخلي وتجعلني مدينة. وتشير إلى أن السيارة التي اشترتها بنظام الأقساط والتي فاقت تكلفتها ال 100 ألف درهم كانت من أجل التباهي. ومنافسة زميلاتها في العمل .
وأشار فيصل الحمادي موظف في وزارة الداخلية إلى أنه من أجل إرضاء زوجته التي تهتم بشكل كبير بالمظاهر أصبح أسيراً للديون .
ويقول: زوجتي كثيرة الاهتمام بالشكليات. وترغب أن تنافس زميلاتها وقريباتها من حيث المظهر. وذلك من خلال شراء الماركات. واقتناء الأثاث الراقي. واختيار أغلى أنواع الديكور للمنزل. والعزائم المستمرة والإسراف في الضيافة. والسفر كل عام إلى وجهة جديدة أغلى من سابقاتها. وشراء هدايا بأسعار خيالية في كل مناسبة. وكل ذلك عن طريق الديون. إذ لا تتوفر لدي المادة لتوفير جميع متطلباتها الظاهرية وغير الأساسية .
د . عبدالعزيز أحمد أستاذ مساعد في قسم علم النفس والإرشاد في جامعة الإمارات. يقول: شباب اليوم يريد أن يثبت وجوده بأي شكل. والبنوك تقدم تسهيلات عديدة. لذا إذا رغب الشاب بالتباهي وجد أن الأمر بسيط في البداية. ولكن بعد ذلك يتعرض لضغوط كبيرة .
ويضيف: هناك فئة كبيرة من الشباب يتأثرون بما حولهم من مظاهر وتفاخر وفشخرة. ويسعون للتشبه بالغير. وهذا الأمر ربما يوصل الشباب نحو أمور لا يؤمن بها ولكن من باب التقليد يواكب ما يراه حوله .