جاء إلى أبوظبي في الآونة الأخيرة وفد من (بابس) BABS، وهي هيئة هندية كبيرة تُعنى بنشر الفكر الهندوسي القائم على التسامح ووحدة العالم الإنساني، وكان الغرض من هذه الزيارة وضع حجر الأساس لإقامة معبد أو (مندير) كما يسمى في اللغة السنسكريتية الهندية الآرية.. وهو مكان للعبادة لدى القوم في الهند، كما هو حال المسجد لدى المسلمين، والكنيسة أو الدير لدى المسيحيين، وسنقوق (Synagogue) لدى اليهود، و«أَتش كده» أو موقد النار لدى المجوس.
ووجود الهندوس الذين كان الأهالي يسمونهم بالبانيان أو القور في شرق الخليج على الضفاف العربية منه يعود إلى عهود قديمة قد ترجع إلى ما قبل الإسلام في هذه المنطقة، وأكثر التسميات التي كانت شائعة حتى عهود قريبة هو اسم القور، الذي كان يشمل خليطاً من مجوس الفرس، وهي الديانة التي كانت سائدة في بلاد فارس أو إيران قبل دخول الإسلام في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام 13 هجرية (634 ميلادي)، ومن المجوس الفرس من هاجروا بأعداد كبيرة إلى الهند، حيث تجمع هؤلاء بالهنود ثقافة متقاربة في المفاهيم الدينية، بالإضافة إلى ما هو بين الهند وفارس من وحدة الأصل؛ إذ إن الفرس شعب آري ينحدر من الجنس الهندي الآري (أندو آريان)، كما يقول علماء الأجناس.. وجاء ذكر البانيان والقور في كتب كتبها العُمانيون والرحالون الأجانب الذين وفدوا إلى عُمان والساحل الخليجي المحاذي لعُمان في الثلاثمئة سنة الأخيرة، وكانت مسقط عاصمة سلطنة عُمان مركزاً من مراكز تجمع الشعوب المختلفة الأجناس والديانات، وكذلك مدينة صحار وضواحيها في تلك الحقبة من الزمان.
وفي الإمارات، أو ساحل عُمان أو الإمارات المتصالحة كما تداولتها الأسماء، جاء أول ذكر للقور، وهي كلمة فارسية مأخوذة من كلمة (كَبر) على لسان الشاعر الشعبي المعروف ابن ظاهر الماجدي الذي عاصر عهد اليعاربة، زمن السلطان اليعربي في عُمان سلطان بن سيف اليعربي (1649 1680) ولم أقف على ذكر البانيان أو القور قبل ابن ظاهر؛ إذ يتحدث الشاعر في إحدى قصائده عن أن طوفاناً عظيماً اجتاح سواحل رأس الخيمة (المعيريض)، وحصد أرواح أعداد كبيرة من الناس بين مسلمين وقور.
تسعين ألفاً من المعيريض برهدوا (1)
مشروكة ما بين مسلم وقورها
وقد شك عدد من الباحثين في رقم تسعين ألفاً وهم على صواب؛ إذ إن المنطقة بأكملها لم يكن فيها نصف هذا الرقم في ذلك الوقت، وقالوا إن الألف هي (إلف) أي جماعة من الناس متآلفة.. والمهم أن ذكر القور كان معروفاً في منطقتنا التي نعيش فيها وهي الإمارات منذ ثلاثمئة وخمسين عاماً..
والحقيقة أن وجود غير المسلمين في تلك الأزمان البعيدة يعيشون بين الأهالي يدل دلالة كبيرة على أن التسامح وتقبل الغير متأصل الجذور في الإمارات، وما هم عليه هذه الأيام ليس إلا امتداداً لأولئك الأولين من أهل الإمارات ذوي العيش والتقاليد المدنية.
ويخبرنا التاريخ أن أوّل معبد عرف بالموقع والمكان هو معبد البانيان في بر دبي، سوق البانيان في دبي، وأعتقد أن هذا المعبد أقيم في مستهل القرن العشرين أو حوالي العام 1902 في عهد الشيخ مكتوم بن حشر عندما جاءت أعداد من التجار من لنجة من عرب وعجم وبانيان مهاجرين، وبُنيت لهم الأسواق وأهمها سوق البانيان في بر دبي الذي يُعتبر تراثاً تاريخياً، والذي دل على وجود معبد هناك أن القس الأمريكي زويمر المعروف بنشاطه التبشيري في هذه المنطقة في تلك السنين، رأى هذا المعبد عندما زار دبي للمرة الثانية عام 1917، ومازال هذا المعبد موجوداً ولا أدري إذا كانت هناك معابد أخرى في دبي أقامها البانيان في السنين التي تلت بدايات القرن العشرين في دبي.
والحقيقة أن قيام معبد رئيس بالشكل المعماري التقليدي لمعابد الهندوس في أبوظبي هو تجسيد للسياسة التسامحية التي تنتهجها الإمارات وتسير عليها.
(1) برهدوا أي هلكوا