يجدر بمن كان الموت مصرعه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، ألا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تعريج إلا عليه، ولا اهتمام إلا به، ولا حول إلا حوله، ولا انتظار ولا تربص إلا له، وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى، ويراها في أصحاب القبور، وهكذا كان حال الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، بعد أن أصيب هو وابنه عبدالرحمن وزوجاته بمرض الطاعون، وظل قلبه متعلقاً بربه سبحانه وتعالى يتفكر في الموت وسكراته والقبر وضماته حتى أتاه اليقين من ربه سبحانه وتعالى وهو يردد: (اخنق خنقك، فوعزتك إني أحبك).
يؤكد الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، أن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه كان دائماً متنبهاً ومتيقظاً ومتفكراً في الموت، حيث يقول: «ما أصبحت صباحاً قط، إلا ظننت أنى لا أمسي.. ولا أمسيت مساءً إلا ظننت أنى لا أصبح. ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها غيرها.. وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها.. وكأني أرى أهل الجنة في الجنة ينعمون.. وأهل النار في النار يعذبون».
معاذ وابنه
وعن الحارث بن عميرة «أنه قدم مع معاذ من اليمن، فمكث معه في داره، فأصابهم الطاعون، فطعن معاذ وأبوعبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وأبومالك، رضي الله عنهم في يوم واحد، وكان عمرو بن العاص، حين خبر بالطاعون، فرق فرقاً شديداً، وقال: يا أيها الناس تفرقوا في هذه الشعاب، فقد نزل بكم أمر لا أراه إلا رجزاً (أو طاعوناً)، فقال له شرحبيل بن حسنة: كذبت، قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أضل من حمار أهلك. فقال عمرو: صدقت».
وقال معاذ بن جبل لعمرو بن العاص: كذبت، ليس بالطاعون ولا الرجز ولكنها رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، اللّهم فآت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة. قال: فما أمسى حتى طعن ابنه عبدالرحمن وأحب الناس إليه الذي كان يكنى به. فرجع معاذ من المسجد، فوجده مكروباً، فقال: يا عبدالرحمن، كيف أنت؟ فقال عبدالرحمن: يا أبت: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)، (سورة البقرة الآية: 147). فقال معاذ رضي الله عنه: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين)، (سورة الصافات الآية: 102). فمات من ليلته ودفن من الغد.. ثم إن معاذاً رضي الله عنه اشتد به نزع الموت، فكان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه فقال: «اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أني أحبك».
وعند ابن سعد في الطبقات: «ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه، فجعل يمسها بفيه ويقول: اللهم إنها صغيرة، فبارك فيها. فإنك تبارك في الصغير حتى هلك».
وعن عبدالله بن رافع عن أم سلمة أن أباعبيدة لما أصيب، استخلف معاذ بن جبل في طاعون عمواس، واشتد الوجع، فصرخ الناس إلى معاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز، قال: إنه ليس برجز ولكن دعوة نبيكم، عليه الصلاة والسلام، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم. أيها الناس: أربع خلال من استطاع ألا تدركه. قالوا: ما هي؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويأتي زمان يقول الرجل: والله ما أدرى ما أنا، لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة. (أخرجه ابن سعد في طبقاته).
مرحباً بالموت
وعن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فقيل: لم نصبح، حتى أتي فقيل له: قد أصبحت. قال: «أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار. مرحباً بالموت. مرحباً، زائر مغب (أي قليل الزيارة)، حبيب جاء على فاقة. اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك.. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار (أي: حفرها)، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات (أي صيام نهار الصيف، وقيام ليل الشتاء)، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر».. من أجل هذا يعيش مقدام العلماء، وعلى الشوق والحب لله يموت.
وأشار أبوبكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، إلى أن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، كان عند موته شديد الجزع مخافة سوء المرد، فقد حدثنا محمد بن عبدالله أرزي، عن البراء بن عبدالله قال: «إن معاذ بن جبل لما احتضر دخل عليه وهو يبكي، فقيل: ما يبكيك، فقد صحبت محمداً صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت إن حل بي، ولا على دنيا أتركها بعدي، ولكن بكائي أن الله قبض قبضتين، فجعل واحدة في النار، وواحدة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أكون؟».
رحمة الله وعذابه
وعن يحيى بن إسحاق قال: حدثنا ضمام بن إسماعيل المعافري قال: «سمعت موسى بن وردان يحدث: أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لا أبكي جزعاً من الموت، ولكني أبكي على الجهاد في سبيل الله، وعلى فراق الأحبة. قال: ويغشاه الكرب، فجعل يقول: اخنق خنقك، فوعزتك إني أحبك». ويروي يحيى بن أبي كثير عن معاذ بن جبل قال: وقد اشتد عليه يعني الموت اخنق خنقك، إن قلبي ليحبك.
ويذكر الحافظ أبوسليمان محمد بن عبدالله في كتاب «وصايا العلماء عند حضور الموت»، عن عبدالرحمن بن عبدالله عن القاسم قال: «لما حضرت معاذاً الوفاة ركبه الناس فقال: أيها الناس لا تركبوني، واسمعوا مني، فإنكم لو تعلمون قدر رحمة الله عز وجل لاتكلتم، ولو تعلمون قدر عذابه لرأيتم أنه لن ينفعكم معه شيء، وما من أحد يؤمن بثلاث قبل الموت إلا دخل الجنة. يؤمن بالله عز وجل ويعلم أنه الحق من نفسه، ويؤمن بالبعث، ويؤمن بما جاءت به الرسل».
وعن سعيد بن المسيب قال قبض معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين أو أربع وثلاثين سنة. ومات في طاعون عمواس بناحية الأردن من الشام.