يحلو للكثيرين أن يختزلوا طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي، وعلى هذا فقد اختلقوا مقولات على لسانه بغرض الإساءة إليه، أدت - ضمن ما أدت - إلى التشكيك في عقيدته، وانتهت إلى سرقة تمثاله المقام في أحد ميادين مسقط رأسه في محافظة المنيا جنوب مصر، ومن المفارقات الدالة هنا أنه رفض ذات يوم أن تقيم جريدة الأهرام له تمثالاً، ففي رأيه أن هناك ما هو أهم .

هؤلاء يتجاهلون أطياف طه حسين: الأكاديمي والصحافي والروائي والدارس الأدبي والوزير، والمدهش أن واقعة في الشعر الجاهلي ظلت تتكرر وإن تغيرت الأسماء، فتارة يكون الهدف د . محمد أحمد خلف الله، ومرة د . نصر حامد أبو زيد، وأخرى حيدر حيدر، والمستهدف في كل الأحوال هو حرية البحث والإبداع، وكأنه مقدر على هذا البلد أن يتقدم إلى الخلف باستمرار .

كانت الفاتحة بكتاب الشيخ علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم، تلاه مباشرة في العام 1926 كتاب في الشعر الجاهلي، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها طه حسين على طلابه، ثم جمعها في كتاب، وحوصر على إثر ذلك في البرلمان والجامعة والأزهر والصحافة والشارع، وتولت النيابة العامة التحقيق، بعد تعدد البلاغات المقدمة ضده: بلاغ من طالب أزهري، وآخر من شيخ الجامع الأزهر يطالب في نهايته باتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجعة ( . . .) وتقديمه للمحاكمة، وثالث من نائب وفدي في البرلمان، وكان لابد للنيابة العامة أن تبدأ التحقيق .

في هذا الوقت كتب البوليس السياسي تقريراً سرياً من نسختين، إحداهما للملك فؤاد والأخرى للمندوب السامي البريطاني، يقول التقرير: إن المنهج الذي اتبعه الشيخ طه حسين قد استعاره من ديكارت الفيلسوف الفرنسي، وهو منهج الشك في كل شيء، والقاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل .

وخرجت المظاهرات من الأزهر تطالب بسقوط طه حسين ومزق المتظاهرون جريدة السياسة وداسوها بأقدامهم، وانتقل الغضب من القاهرة والأزهر إلى الدلتا والصعيد، وتواترت الأزمة في قاعة البرلمان وبين جدران الجامعة وصفحات الجرائد، وأصبح البحث العلمي حديث رجل الشارع العادي، وفي هذا المناخ جرى التحقيق مع طه حسين، مع تغيرات سياسية أخرى نقلت سعد زغلول إلى مقاعد المعارضة، وبالتالي كان له موقف سلبي من الكتاب .

وتبلورت مفارقة أخرى في هذه القضية تجسدت في موقف الطبقة المتوسطة ممثلة في حزب الوفد من الديمقراطية السياسية وتخلفها الفكري المروع، بينما كانت الأرستقراطية المصرية ذات التراث الاجتماعي المثقل بالعداء للشعب هي التي رفعت لواء الحرية الفكرية وتقدم البحث العلمي والنهضة .

وفي كتابه ماذا يبقى من طه حسين؟ يوجز د . غالي شكري الموقف في أن عميد الأدب العربي كان يتوجه إلى ما هو أخطر من النظام السياسي، كان يقتحم النظام الفكري للمجتمع والسلطة على السواء، لذلك فهو بالرغم من أنه لم يتعرض لشخص محدد، كالذات الملكية مثلاً، أو حتى مبدأ سياسي مباشر، إلا أنه طورد ولوحق بصورة غير مسبوقة وانتهى الأمر بحذف طه حسين الصفحات المثيرة من كتابه وإصدار طبعة ثانية منه بعنوان في الأدب الجاهلي .

لم يحاصر كاتب في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، مثلما حوصر وهوجم طه حسين، فقد صودرت أعماله في العهد الملكي، خصوصاً كتابه المعذبون في الأرض، واضطر إلى نشر بعض هذه الكتب في لبنان، كي يفلت من قبضة السلفية الدينية والرجعية السياسية، وهو ما يحدث الآن بعد أربعين عاماً بالتمام والكمال، كما تعرض منذ بداية حياته الفكرية، قبل البعثة إلى فرنسا وفي أثنائها، وبعد عودته، إلى متاعب كثيرة .

وفي رسائله إلى أصدقائه ما يكشف عن هذه الأزمات وغيرها، ففي مارس/آذار 1932 تم فصله من عمادة كلية الآداب، ولم يعد إليها إلا في ديسمبر/كانون الأول ،1934 لأنه عارض رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، ورفض أن تتخلى الجامعة عن استقلالها، وتمنح الدكتوراه الفخرية لعدد من السياسيين .

كان طه حسين يدرك أن اقتحام النظام الفكري للمجتمع والسلطة، ومن ثم تغييره، يبدأ بإشاعة التعليم، ولذا أطلق مقولته الشهيرة: التعليم كالماء والهواء وتكشف رسالته إلى رئيس الوزراء مصطفى النحاس عن الأجواء المسمومة التي كان يتحرك فيها حين تقلد منصب وزير المعارف، كما تكشف رسالته إلى سفير مصر في فرنسا، بتاريخ أغسطس/آب ،1946 بشأن مؤتمر المستشرقين في العاصمة الفرنسية باريس، عن مدى قصور معاهد التعليم في مصر عن ملاحقة مثل هذه المؤتمرات العالمية في تخصصاتها العلمية، لذا كان يدافع عن استقلال الجامعة، ولا يقبل تخفيض ميزانيتها، ويرفض أن تتخلف مصر عن المشاركة في المؤتمرات والأحداث العلمية والأدبية العربية والدولية، وكان هدفه النهوض بالمجتمع عبر الثقافة والتعليم، ولذا اهتم بالمنهج العلمي، حتى في الكتب الأجنبية، ومراجعتها لإصلاح ما بها من أخطاء تتصل بالتاريخ المصري، داعياً في الوقت ذاته إلى كتابة التاريخ بأقلام مصرية .

خلاصة ما يمكن أن يقال عن اهتمام طه حسين بقضية التعليم، إنه خاض الكثير من المعارك، من أجل النهوض به، فقد كان يريد أن يعيد بناء الحياة في بلاده، حتى تتجاوز تخلفها بتغيير وجه التعليم، وتحويله من تعليم ديني قديم، يعتمد على التلقين، وينتمي إلى العصور الوسطى، إلى تعليم مدني حديث يفتح باب العقل، ويتلاءم مع القرن العشرين .

كان طه حسين يقول: ليس ينقصنا العلم وحده، وإنما تنقصنا معه حرية الرأي، وكان يرى أن رسالة الجامعة الأساسية هي تعليم الحرية، ولذا أدرك أن التعليم عن طريق الحفظ ليس إلا شكلاً من أشكال القهر وفقدان الحرية، وعلاج تلك المشكلة سياسي وتربوي .

كانت معارك طه حسين في سبيل الحرية لا تنقطع، وهو ما تجلى في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، ف لم يكتف فيه بأن يكون مثقفاً، بل كان يعنيه أن يكون مصدراً للثقافة، ولم يكتف بأن يكون متحضراً بل أن يكون منمياً للحضارة، وفي هذا ما يعلل اتجاهه إلى الإيمان بتأثر العقل المصري بثقافة البحر الأبيض المتوسط، فهو يرى أن العقل المصري قد اتصل بالعقل اليوناني، اتصال تعاون وتوافق وهو الاتجاه الذي جعله لا يقول بوجود عقل أوروبي يمتاز عن العقل الشرقي الذي يعيش في مصر، وما جاورها من بلاد الشرق القريب، وإنما هو عقل واحد، تختلف عليه الظروف المتباينة المتضادة، فتؤثر فيه آثاراً متباينة متضادة، ولكن جوهره ليس فيه تفاوت ولا اختلاف .

عانى مشروع طه حسين من اختزاله في عدة مغالطات، منها على سبيل المثال رئاسة تحرير مجلة الكاتب، لأن صاحب امتياز إصدارها يهودي، ولم يشفع له اعتزازه بمصريته التي تجلت في بدايات حياته حين كان مبعوثاً في فرنسا، أثناء الحرب العالمية الأولى، حينما لم تعترف الحكومة الفرنسية بهويته المصرية، فقد كانت الشرطة تراقب الأجانب وتستدعيهم وحين سأل المأمور طه حسين عن جنسيته قال: مصري، فرد المأمور: إنما أسألك عن تبعيتك، عندئذ قال العميد: لست أعرف لي تبعية أخرى، ففكر المأمور قليلاً ثم قال: لقد عرفت أنت رعية عثماني وحماية إنجليزي، لذا فرح طه حسين بثورة 1919 حين اشتعلت وهو في باريس، فقد شدّدت على القومية المصرية في إطارها الإيجابي، ولم يكن ليعرف هذا الرجل البصير أن يوماً سيأتي على أحفاده غير البارين، ليقتلعوا تمثالاً له من فوق قاعدته، بعد أن فشل آباؤهم في مواجهته رأساً برأس .