لمدينة العرائش أهمية خاصة في التاريخ المغربي، فقد تعاقبت عليها حضارات فينيقية وقرطاجية ورومانية، كما أنها كمدينة بحرية تطل على المحيط الأطلسي وقريبة من البحر الأبيض المتوسط، ووجودها ضمن سهل ليكسوس الفسيح، حرك الأطماع الاستعمارية منذ القدم لاحتلالها .

في العشرية ما قبل الماضية، ارتبطت العرائش بقبر الكاتب الفرنسي جون جينيه، الذي دفن بمقربتها البحرية طبقاً لوصيته، هذا الكاتب المعروف بمناصرته للقضايا العربية والفلسطينية، وهو صاحب كتاب أربع ساعات في شاتيلا، التحقيق المرعب الذي أجج اللوبي الصهيوني عليه حتى آخر حياته .

بدأ اهتمام الأوروبيين يتزايد بالمدينة منذ القرنين 13 و14 الميلادي، نتيجة وجودها على المحيط الأطلسي واحتوائها على ميناء هام، وعندما احتلت البرتغال مدينة أصيلة المجاورة بادر السلطان المريني محمد الشيخ المنصور إلى تحصين مدينة العرائش، وذلك بإحاطتها بسور من الجهة العليا المحاذية للقصبة التي أضحت أول مدار حضري للمدينة .

حملات استعمارية

واستمرت الحملات الاستعمارية ذات الطابع التوسعي العسكري، حيث حاول البرتغاليون استعمارها سنة 1489م ثم حاولوا مرة ثانية، ولكن تم دحرهم منها إثر هزيمة كبيرة على يد السلطان أحمد المنصور الذهبي في معركة وادي المخازن سنة 1578م (والتي تسمى بمعركة الملوك الثلاثة) على ضفة نهر اللوكوس . وعلى إثر ذلك، أمر السلطان أحمد المنصور ببناء حصنين جديدين هما: حصن النصر القبيبات وحصن الفتح المعروف حاليا ببرج اللقلاق، وذلك لحماية المدينة من الغزوات البرية .

كما تعرضت مدينة العرائش إلى أطماع استعمارية من طرف الإسبان، وفي العام 1610م تنازل السلطان محمد الشيخ عن المدينة للملك الإسباني فيليب الثالث بموجب اتفاقية ثنائية تساهم في تعمير المدينة وتحصينها وبناء مقر القيادة العسكرية بها، بين القصبة وباب المدينة (كوماندانسيا)، وربط مراكزها العسكرية بمنطقة باب البحر والميناء لتسهيل الإمدادات لهم .

غير أنه جرى استرجاع مدينة العرائش سنة 1689م من طرف السلطان المولى إسماعيل، أقوى السلاطين العلويين، حيث قام بإعمار المدينة من جديد بصورة طبيعية بأفراد جلبوا من المناطق المجاورة . وقد تميزت تلك الفترة بإضافة أماكن جديدة إلى المدينة، كحي الغريسة وحي باب البحر والمناطق المجاورة لشارع 2 مارس الحالي .

وخلال فترة حكم السلطان محمد بن عبد الله الممتدة من سنة 1757 إلى 1790م جرى توسيع المدينة عمرانياً، حيث تم إنشاء أهم معالم المدينة، كالسوق الصغير والجامع الكبير ذي الطابع المغربي الإسلامي، كما تم تجديد مرافق عدة، من أسوار ومخازن ودور صناعة بحي الميناء، وإضافة حي الرماة واستكمال حي باب البحر، وأنشئت عدة مقرات للقنصليات الأجنبية بالمدينة . وعرفت المدينة خلال هذه الفترة نوعاً من الاستقرار والتوسع، وبروز أنماط معمارية متمثلة في خلق شوارع وأزقة وبنايات على جنبات الطرق الممتدة من باب المدينة في اتجاه المنطقة المحيطة بها وأخرى داخل المنطقة المينائية .

لكن المدينة تعرضت لاستعمار ثان في القرن العشرين من طرف الإسبان سنة 1911 بحجة الحماية . وقد شهدت المدينة خلال هذه المرحلة تطوراً عمرانياً امتد خارج الأسوار . ويتضح ذلك جلياً من خلال تصميم شارع محمد الخامس وشارع محمد الزرقطوني الحاليين، وكحلقة ربط بين المدينة القديمة والحديثة تم بناء ساحة إسبانيا ساحة التحرير حاليا كمحور ربط مجالي ووظيفي . وخارج النطاق الحضري تم إنشاء الثكنات العسكرية . وقد انتهت الفترة الاستعمارية سنة 1956 بحصول المغرب على الاستقلال، حيث تمت إضافة مرافق عديدة وجديدة حيوية .

تتميز المدينة القديمة بالطراز المغربي القديم، المتكون من أزقة ضيقة، متصلة ببعضها بعضاً وأبنية متلاصقة ومتجانسة من خلال لونيها الأبيض والأزرق، وتمتاز بيوتها من الداخل بالطابع العربي الأندلسي المتكون من وسط البيت وغرف عالية السقف ومنقوشة بأشكال هندسية إسلامية بديعة، وتتخلل أزقتها الضيقة بوابات مشهورة مثل باب القصبة، باب البحر، باب القبيبات، باب المدينة ومساجد عتيقة كالجامع الكبير المبني في القرن 13 الميلادي، وهي محاطة بسور من كل الجهات، ومتلاصق مع الحصون التي كانت تحيط بها وتحميها من الغزاة الأجانب الوافدين عن طريق البحر من برتغاليين وإسبان .

ثراء آثاري

وتتميز العرائش بوفردة معالمها الأثرية ومنها الكوماندانسيا التي تعتبر من أهم معالم العرائش، وهي معروفة بصومعتها التي كانت تتوسطها ساعة، تمكن رؤيتها من عدة أماكن بالعرائش . وتم تشييد هذه المنشأة من طرف مولاي إسماعيل خلال زيارته للمدينة، بعد استرجاعها من الإسبان خلال حملتهم الأولى على المدينة، واتخذها قصراً له .

ومن الآثار المهمة أيضاً حصن القبيبات الذي يقع فوق مقر الحراسة القديم المشرف على المحيط الأطلسي ومدخل نهر اللوكوس، وحصن الفتح الذي يعرف حالياً ببرج اللقلاق، وتم بناؤه بعد النصر الذي أحرزه السلطان أحمد المنصور الذهبي على البرتغاليين، خلال القرن السادس عشر الميلادي، ويقع الآن وسط المدينة محاطاً بالحديقة العامة على جنبات شارع محمد الخامس، ومتحف المدينة الأثري، وهو عبارة عن قلعة بناها السلطان يوسف بن عبد الحق المريني، حاكم الدولة المرينية، سنة 1279 ميلادية، ثم استعمله الإسبان عند استعمارهم للمدينة كمخزن للأسلحة ومكان للقضاء .

وتبين المجموعات المتحفية المتنوعة المعروضة في المتحف، نمط الحياة التي عرفها المغرب خلال عهود الفنيقيين والقرطاجيين ثم الرومانيين، وذلك من خلال القطع النقدية والحلي وأوان فخارية وآلات حربية معروضة من خلال واجهات زجاجية حسب تسلسل الحضارات .

والسوق العتيق الذي يعتبر من أقدم الأماكن المعروفة بالمدينة، نظراً لأهميته ولمكانه المتميز وسط المدينة . ويرجع تاريخه إلى السلطان محمد بن عبد الله الذي أمر ببنائه ووقفه على المسجد الأعظم الموجود فيه .