لم تكن المشاريع التي تتبناها الهيئة العامة لترميم مدينة زبيد التاريخية إلا محاولة لإعادة الحياة لهذه المدينة الإسلامية التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم شاهدة على مراحل تاريخية عدة للحضارة العربية الإسلامية التي مرت من هنا، حيث تصنف زبيد التي تقع في سهل تهامة الغربي الساحلي وتبعد عن البحر الأحمر حوالي 25 كيلو متراً، كأول مدينة إسلامية في اليمن ويعود تأسيسها إلى أوائل القرن الثالث الهجري، وقد أخضعها الأمير محمد بن زياد مؤسس الدولة الزيادية عسكرياً لتكون عاصمة سياسية لأول دولة إسلامية شقت عصا الطاعة عن بغداد عاصمة الخلافة العباسية .

في الأزمنة اللاحقة كانت زبيد عاصمة لأكثر من دولة إسلامية وظلت لقرون مركزاً لحكم الدويلات المتعاقبة حتى آخر هذه الدويلات وهي الدولة المهدية، ونظراً لموروثها الحضاري والعلمي فقد حولها الأيوبيون إلى عاصمة ثقافية بالاستفادة من موروثها الثقافي والديني الزاخر والذي بلغ أوجه في عهد الدولة الرسولية ثم الدولة الطاهرية وأخيراً في عهد المماليك .

في العام 1993 أقرت منظمة اليونسكو اعتبار مدينة زبيد معلماً حضارياص وتاريخياً ضمن معالم التراث الإنساني العالمي وصنفت في العام 1998 ضمن المدن التاريخية العالمية الجديرة بالرعاية .

يحيط بمدينة زبيد القديمة سور تاريخي من الطين واللبن يعود تاريخ تشييده إلى القرن الثالث الهجري وشهد مراحل في التجديد والإضافات سطرها حكام الدويلات المتعاقبة .

وتشير المصادر التاريخية إلى الحسين بن سلامة كأول حاكم يحيط مدينة زبيد بسور طيني في القرن الرابع الهجري، ثم جددت عمارته للمرة الثانية في القرن السادس الهجري عن طريق طغتكين بن أيوب، وفي مطلع القرن التاسع الهجري جدد للمرة الثالثة على يد الملك الأشرف إسماعيل الرسولي، ثم جدد للمرة الرابعة في القرن الثالث عشر الهجري .

بعد هدم السور من قبل العثمانيين في منتصف القرن الحادي عشر الهجري أعيد بناؤه على يد القاضي الحسن بن عقيل الحازمي قاضي زبيد ليحيط بالمدينة ويزود بأبواب عدة مبنية من الآجر، وهي الباب الشمالي ويسمى باب سهام نسبة إلى وادي سهام ويعتقد أنه الباب الرئيسي لمدينة زبيد، والباب الشرقي ويسمى باب الشبارق، والباب الجنوبي ويسمى باب القٌرتب نسبة إلى قرية القرتب بوادي زبيد، وباب عدن، والباب الغربي ويسمى باب النخل نسبة إلى حدائق النخيل وكان يسمى باب غليفقة .

دور ريادي

أدت مدينة زبيد دوراً ريادياً في التاريخ الإسلامي وظلت على مدى قرون مركز إشعاع حضاري وعلمي وثقافي تجاوز تأثيره اليمن إلى المحيط الإسلامي، ويذكرها المؤرخون بأنها مدينة عزٍ وجاه وخير واجتماع وتقديم العلم ونشره مع تقديم الأمن والحكم الذي يقيم العدل .

كما تشير المصادر التاريخية إلى أن مدينة زبيد شدت إليها الرحال عبر قرون عديدة من الطلاب والعلماء على حد سواء، حيث عرفت المدينة حوالي 53 مدرسةً علمية إسلامية، وتقول مصادر أخرى إنها 80 مدرسة وجميعها نشطت في مختلف فنون العلم والمعرفة واحتوت جميع المذاهب الإسلامية ومثلت المدارس العلمية والفكرية والدينية كافة ما جعل من مدينة زبيد من أشهر المراكز العلمية في العالم الإسلامي قديماً .

من أهم مدارسها التاريخية مدارس الإسكندرية، المنصورية، التاجية، الدعاسية، العفيفية، الجبرتية، الصلاحية، الفاتنية، المزجاجية، الفرحانية، المحالبية، الكمالية وكذا مدرسة جمال الدين الريمي، والمدرسة العصامية التي تعود إلى العهد النجاحي، والدحمانية والهكارية الميلين، وجميعها تعود إلى العهد الأيوبي، ثم المدرستان المنصوريتان اللتان تعودان إلى الملك المنصور عمر بن علي بن رسول أحد أمراء الدولة الرسولية .

أنجبت زبيد في تاريخها عدداً كبيراً من علماء الدين الذين بلغت شهرتهم الأصقاع، ومن بينهم العالم الجهبذ الزبيدي وهو واحد من رواة الحديث المشهورين في تاريخ زبيد، إسماعيل بن أبي بكر المقري الشاعر والفقيه، المرتضى الزبيدي صاحب مختصر البخاري، والفيروز أبادي صاحب القاموس المحيط، وعالم الرياضيات والجبر أحمد بن موسى الجلاد، وعرفت زبيد بسببه باسم مدينة الجبر، وكذلك أسماء بنت عبدالله الناشري الفقيهة والحافظة، ومريم بنت العفيف زوجة الملك المظفر الرسولي التي ينسب إليها بناء العديد من المساجد والمدارس .

وأدى هذا النشاط العلمي للمدينة إلى ازدهار المؤلفات والمصنفات فيها، وهي حالياً تضم أكثر من ستين مكتبة خاصة تحتوي مئات المخطوطات العلمية التي لا تقدر بثمن، وما تزال الكثير من الأسر العريقة بالمدينة تحافظ عليها وتحتفظ بها، وهي متاحة للاطلاع عليها من قبل الباحثين والمهتمين الأمر الذي دعا العديد من الجامعات الأروبية إلى الاهتمام في وقت مبكر بمؤلفات علماء زبيد في الطب والزراعة والرياضيات وغيرها من العلوم .

ثروة معمارية

تنتشر في أرجاء زبيد ثروة معمارية إسلامية متنوعة بطابعها الفريد والذي يتميز عن سائر عمارة المدن الإسلامية باعتماده على الياجور، وهو عبارة عن قوالب طينية محروقة تطعم بالألوان والزخارف من الداخل والخارج وبخاصة في الأسقف .

وتضم المدينة اليوم عدداً كبيراً من المباني الأثرية والقلاع والمساجد القديمة ويعد الجامع الكبير من أهم معالمها وهو أكبر وأقدم المساجد في اليمن بعد الجامع الكبير بمدينة صنعاء، وقد أسسه محمد عبد الله بن زياد في القرن الثالث الهجري ثم تولى تجديده وتوسعته الحسين بن سلامة وأعاد بناءه مجدداً المبارك بن كامل بن علي في القرن السادس الهجري ثم طغتكين بن أيوب ثم قام بتوسعة بعض أجزائه السلطان الأشرف إسماعيل بن يحيى ثم هدمه وأعاد بناءه السلطان عامر بن عبد الوهاب وفرغ من بنائه في مطلع القرن العاشر الهجري .

وهناك أيضاً مسجد أويس القرني الذي يقع في قرية الحمى على بعد ثمانية كيلومترات شرق مدينة زبيد وهو مزار للطائفة الإسماعيلية .

ويضاف إلى هذه المعالم التاريخية قلعة زبيد التي تعود إلى القرن التاسع الهجري وكانت تحوي قصور الحكام الزياديين والنجاحيين وقصر الأعز الصليحي وعمر سنة 822ه على يد الملك الناصر أحمد الرسولي، كما تحوي عدة بساتين مثل بستان الراحة وبستان برقوق .

وكانت المدينة سابقاً تتميز بوجود ميناء عرف باسم الفازة نسبة إلى شاطئ الفازة الذي كان سابقاً يستخدم كمتنفس لسلاطين الدولة الرسولية .

وكان السوق القديم في مدينة زبيد من أشهر مراكز الصناعات الحرفية والنسيجية واشتهر بالحياكة بأنواعها المختلفة (الحرير والديباج والقطن ) فضلاً عن دباغة الجلود وصناعة السكر والصابون والصناعات الفضية والخزفية والحصير والمصابغ التي وصل عددها إلى حوالي 155 مصبغة .

ويحتوي سوق زبيد على العديد من الورش المتخصصة بالصناعات الحرفية التقليدية التي تحظى باهتمام السياح ما شجع منظمة اليونسكو ومشروع جي . تي . زد الألماني على إعادة بناء السوق سعياً إلى إعادة الحياة الاقتصادية للمدينة بعد توقف الحركة التجارية بسبب إغلاق السوق القديم .

وإلى ذلك فقد تميزت زبيد بامتلاك كم هائل من الفنون الفلكلورية الشعبية والغنائية والرقصات التراثية التي بلغت شهرتها معظم مناطق اليمن .