قبل ثلاثين سنة تأسس سوق الميناء جنوب غرب العاصمة نواكشوط، ولم يكن أحد ليتصور آنذاك أن السوق الذي نشأ وسط حي شعبي يتألف من بيوت الصفيح، وفي وسط اجتماعي هو الأفقر في موريتانيا، سيصبح أحد أكبر الأسواق الموريتانية وأهمها، بل تحول هذا السوق إلى تحفة تجارية وأكاديمية راقية لتعلم التجارة وتخريج آلاف التجاريين الصغار والكبار .
يشغل سوق الميناء حيزاً كبيراً من الشارع الرئيسي في مقاطعة الميناء، ويتكون من عدة بنايات من طابقين كما تتبعه مجموعة كبيرة من المخازن، ومحلات الخياطة والصباغة .
واشتهر هذا السوق بكونه أساساً سوقاً للملابس يلبي حاجيات أغلب سكان العاصمة نواكشوط والمدن الداخلية الموريتانية من الملابس الرجالية والنسائية وملابس الأطفال، والأحذية، والعطور .
وخلال سنوات الثمانيات اشتهر السوق بأنه الوجهة الأولى لتجار الأقمشة والملابس، وكان اسم هذا السوق (سوق الميناء) على كل لسان في داخل البلاد باعتباره مصدر الكساء الأول للمواطنين الموريتانيين .
منعطف كبير
لكن الخطوة التي أقدمت عليها تاجرات سوق الميناء في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات حولته إلى سوق إقليمي للملاحف النسائية الموريتانية الشهيرة في المنطقة .
فقد عمدت تاجرات سوق الميناء إلى إدخال الخياطة والصباغة على الأقمشة النسائية المستوردة، ما شكّل منعطفاً كبيراً في حياة العاملين في هذا السوق . إذ سحرت تلك التطريزات والتنميقات التي تخلفها عملية الصباغة، آلاف النساء الموريتانيات والمغربيات في إقليم الصحراء الغربية، ثم امتد هذا التأثير إلى النساء الإفريقيات في السنغال وغامبيا وعدة دول أخرى، ممن رأين في الملحفة الموريتانية الجديدة، بتزويقاتها التشكيلية الفريدة وفي ألوانها وتصاميمها، تعبيرا أخاذا ولمسة أنثوية فريدة .
وهكذا، بين ليلة وضحاها، أمّ سوق الميناء عشرات التجار القادمون من الخارج والذين يشترون الملاحف الموريتانية بكميات كبيرة ويقومون بتصديرها إلى الأسواق الشمالية والجنوبية .
ثم دخل على الخط التجار المتنقلون الذين ينقلون هذه الملاحف للبيع في الأقطار التي توجد فيها جاليات موريتانية معتبرة .
وسرعان ما دخل الرجال على حرفة النساء، فأصبح هناك رجال متخصصون في تجارة الملاحف النسائية، وإن كان دور هؤلاء يقتصر على عمليات الشراء والبيع بكميات كبيرة، إذ يبقى تفصيل الملحفة وخياطتها وصباغتها مهنة نسائية بامتياز .
ومن السوق نفسه انطلقت الموضات الجديدة ل الدراعة (زي الرجل الموريتاني)، فعرفت أنواع لامعة من الدراعة تبلغ أسعارها أحياناً أكثر من 60 ألف أوقية للدراعة الواحدة .
وما يميز سوق الميناء عن غيره هو أنه السوق الأرخص ثمنا على الإطلاق من بين كل أسواق البلاد، وكذلك قدرته الكبيرة على توفير كميات الطلب مهما كانت كبيرة، يضاف إلى ذلك اللمسة الصناعية للعاملين في السوق، والذين باتوا يقرنون كل موضة بالعامل الزمني الذي تولد فيه .
ويعتبر سوق الميناء في رمضان، وفي عيدي الفطر والأضحى بالخصوص، المكان الأكثر ازدحاما في البلاد، حيث تتوجه إليه العائلات مصحوبة بأطفالها لشراء الملابس .
ورغم أنه شائع كأهم أسواق الملابس في موريتانيا، والمكان الأول لهواة الأزياء، فإن سوق الميناء أبى إلا أن يكون سيد تجارة الكماليات كلها من حلي وحقائب وأحذية وعطور، قبل أن تزحف جميع أصناف البضائع الأخرى لتكون مفردات متحركة في قاموس هذا السوق .
ففي جنباته ينتشر باعة السمك والخضروات واللحوم والحبوب والألبان والزيوت، والصمغ العربي الشائع الاستعمال في الأوساط الموريتانية، وحتى الأعشاب الطبية، والصناعات التقليدية، وكل ما يخطر أو لا يخطر على بال .
ثم أصبح السوق مجالا لرجال أعمال موريتانيين كبار يستوردون الأقمشة من جميع أنحاء العالم وخاصة من الأسواق الآسيوية والأوروبية .
ثقافة لونية رفيعة
يقول أحد رجال الأعمال ل الخليج، في ما يشبه الحكمة إن الرزق الذي يخرج من عين الإبرة كثير .
ويقدر أحد العاملين بسوق الميناء أن السوق يستقبل يوميا قرابة مائة ألف بائع ومتسوق، ومن بينهم نسبة مهمة من الأجانب الذين يجلبون بضائعهم من دول غرب إفريقيا مستفيدين من استهلاك الموريتانيين لتلك البضائع وكذلك الجاليات الإفريقية الكبيرة المقيمة في مقاطعتي الميناء والسبخة .
ويشير إلى أن من يعرفون بالتيفاية، وهم تجار يشترون بضاعة محدودة من السوق ليبيعوها بشكل فوري في جانب آخر من السوق نفسه، يكسبون يومياً مبالغ لا بأس بها تمكنهم من إعالة أسرهم .
وإذا كانت الأرباح الكبيرة في هذا السوق هي من نصيب التجار والتاجرات من أصحاب رؤوس الأموال أو التجار الوسطاء، فإن هناك العشرات الآخرين الذين يستفيدون من حركة السوق، حمالين، وعمالاً يدويين، وباعة أكلات جاهزة وباعة الشاي، وغيرهم، وهذا ما جعل هذا السوق أحد الأماكن التي تعمل بشكل واضح على محاربة الفقر .
يعد سوق الميناء بنواكشوط أحد الأماكن الضرورية في العاصمة، والتي لا تكتمل رحلة السائح أو المتسوق، من دون المرور بها، إذ تترجم ثقافة هذا السوق الكثير من عادات وتقاليد الموريتانيين، فضلاً عما تثيره مشاهدة الأجنحة النسائية في هذا السوق من متعة، إذ تشكل الملاحف الموريتانية المنتجة في سوق الميناء لوحات تشكيلية بالغة الجمال والروعة . وقد استرعت انتباه العديد من الفنانين التشكيليين الأوروبيين الذين زاروا هذا السوق، وفوجئوا ب نساء صحراويات مثقفات لونيا إلى هذا الحد كما يقول أحد السياح .
ويضيف ما يدهشني أنني سألت إحداهن عن شهادتها فقالت إنها لم تدخل المدرسة إطلاقا، وإنها قرأت القرآن وأحكام العبادات الإسلامية . من دون أن يخفي استغرابه من مستوى اللمسة الفنية التي تبدعها هؤلاء النساء المحافظات .
يبقى القول الشائع هنا في أجنحة سوق الميناء هو من يريد تعلم التجارة فليبدأ من هنا . وهي عبارة تترجم، ربما، نجاح آلاف النساء والرجال الذين جعلوا من هذا السوق حنفية مال.