الداخل إلى فاس ليس كالخارج منها، تلك هي حقيقة هذه المدينة التي غيرت وجه التاريخ في بلدان المغرب العربي، كانت عاصمة لدولة الأدارسة، أول دولة إسلامية في تاريخ المغرب، ومن هذا المكان ومن جامعتها التي شكلت منارة للعلم والمعرفة، ستعلو راية الإسلام والمسلمين في بلاد الأندلس وما عداها .

مازالت مأثورة بمداد المؤرخين الكلمات والدعوات التي فاه بها المولى إدريس الأول وتحديداً عام 808 للميلاد عندما وضع حجر الأساس لبناء المدينة: اللهم إنك تعلم أني ما أردت ببناء هذه المدينة لا مباهاة ولا مفاخرة ولا رياء ولا سمعة ولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد بها ويتلى بها كتابك وتقام بها حدودك وشرائع دينك وسنة نبيك ما بقيت في الدنيا . اللهم وفق سكانها وقطانها للخير، وأعنهم عليه واكفهم مؤونة أعدائهم، وادرر عليهم الأرزاق، وأغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق إنك على كل شيء قدير .

ومنذ ذلك التاريخ، وهذا الدعاء وفاس مربط كل آمال، وطريق كل قاصد من مغرب الأرض ومشرقها .

هكذا قام إدريس بن عبد الله مؤسس دولة الأدارسة ببناء مدينة على الضفة اليمنى لنهر فاس التي توافد عليها المئات من العائلات العربية من القرويين ليقيموا أول الأحياء في المدينة والذي عرف باسم عدوة القرويين، ليقيم بعدهم الأندلسيون الذين أرغموا على الهجرة من الأندلس حي عدوة الأندلسيين، ثم حي الملاح الخاص باليهود، وهي أحياء عتيقة بنيت على الطريقة المعمارية الأندلسية وظلت مقسمة حسب انتماء سكانها إلى أن دخلها المرابطون الذين وحدوا المدينة وجعلوها قاعدة حربية رئيسة في الشمال المغربي، وقبلة علمية شهيرة ممثلة أساساً في جامعة القرويين المركز الديني والعلمي الذي أسس عام 859 م وصار قبلة للطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي والأوروبي .

كانت فاس إحدى ركائز الصراع بين الأمويين في الأندلس والفاطميين في شمالي إفريقيا، وتمتعت خلال فترة حكم الأمويين بازدهار كبير افتقدته المدينة بعد سيطرة أمراء زناتة الحكام المحليين للمغرب في تلك الفترة، وفي عهد الموحدين أعادوا إلى المدينة عصرها الذهبي، حيث قام أبو يوسف يعقوب المنصور ببناء فاس الجديدة عام 1276م، وحصنها بسور وخصّها بمسجد كبير وبأحياء سكنية وقصور وحدائق .

عام 1554م شكل منعطفاً آخر في تاريخ المدينة بسقوطها في قبضة العثمانيين حتى عام 1649م والذي تحولت فيه مركزاً للدولة العلوية في المغرب وبقيت عاصمة للمملكة حتى عام 1912م فترة الاستعمار الفرنسي الذي استمر حتى عام 1956م ليتم بعد ذلك تحويل العاصمة إلى الرباط وتبقى فاس العاصمة العريقة العلمية للمملكة .

جامع القرويين

تضم فاس أكثر من 785 مسجداً جميعها كانت مدارس على شاكلة مساجد البصرة والكوفة تدرس فيها علوم الدين وعلوم اللغة والتاريخ وغير ذلك من العلوم، وتعد مدرسة السلطان أبو عنان المريني التي أسسها عام 1355م من أكبر مدارس فاس .

وقد عكست المعالم الأثرية الباقية بفاس الحضارة الإسلامية عبر العصور ومن أهم المآثر الصامدة السور المحيط بالمدينة وبواباته الثماني (باب محروق، باب المكينة، باب أبي جنود، باب الفتوح، باب البرجة، باب السمارين، باب جبالة، باب الحديد) بأقواسها البديعة التي لاتزال تحتفظ بطابعها المريني وغيره من العهود الأخرى .

ويعد جامع القرويين من أشهر المساجد وأقدم وأعرق المؤسسات العلمية، حيث ألحق بالجامع مركز للنشاط الفكري والثقافي دام قرابة الألف سنة، وأشرف على زخرفته صناع أندلسيون لاتزال مآثرهم شاهدة على صناعة بديعة، خاصة سقف المصلى بنقوشه وفسيفسائه ونوافذه الزجاجية ونجفته النحاسية والثريات الفخمة ومنبره المصنوع من الخشب المحفور والمطعم .

تراث عالمي

مآثر فاس التي اختارتها منظمة اليونسكو عام 1981 كأحد مواقع الثرات العالمي، تتعدى المساجد إلى معالم أثرية تكشفها الأسواق الرائعة والأزقة الملتوية الضيقة، حيث توجد أكثر من عشرة آلاف بناية من بينها القصور الشامخة والمنازل القديمة المكونة من طابقين والأبواب المزخرفة والحدائق والبساتين وأكثر من أربعة آلاف نافورة وسقاية موزعة على أحياء المدينة القديمة .

مآثر تعكس حقبة ناصعة من تاريخ المغرب عرفت فيها البلاد بفضل قربها من الأندلس إشعاعاً ثقافياً وفكرياً ومعمارياً تعكسه أيضاً المخطوطات الغنية التي تضمها خزانة جامعة القرويين والمتعلقة بالعلوم الدينية والفلسفية والطبيعية والفلكية، وبما جعلها ملاذاً لفلاسفة وعلماء عصور خلت حيث إن البابا سيلفستر قضى بفاس فترة مهمة من شبابه أدخل عقبها الأرقام العربية إلى أوروبا، كما عاش بها الطبيب الفيلسوف اليهودي ابن ميمون الذي درس بجامعة القرويين، في إشارة إلى روح الانسجام الثقافي بين المسلمين واليهود الذي ساد بالأندلس ووجد صداه بفاس .

ويكفي أن يشار إلى الفيلسوف الصوفي محيي الدين بن عربي الذي اختار الإقامة بهذه المدينة المشعّة ثقافياً إلى جانب عالم الاجتماع ابن خلدون وعالم الرياضيات ابن سينا، ليكتشف المرء مدى عراقة هذه المدينة الباذخة بالعلم والإشعاع الثقافي الذي أرخى بظلاله على العصر الراهن، لتصبح المدينة ذاك القطار الذي يركبه كل من يحن إلى أزمنة عربية مشعة ومضيئة .