لم ترتبط مدينة في التاريخ بمعلم من المعالم، كما ارتبطت مدينة دمشق بنبع الفيجة، ولا عجب في ذلك، فالنبع يعد المصدر الرئيس لمياه الشرب في المدينة، وليس من المبالغة القول إن النبع كان أحد الأسباب المهمة في وجودها وبقائها حتى اليوم كأقدم مدينة مأهولة باستمرار في العالم.

يقع النبع في بلدة الفيجة التي تقع على بعد 22 كلم من دمشق، وتعتبر بدورها مقصداً سياحياً مميزاً في ريف دمشق، نظراً لطبيعتها الساحرة التي تجمع السهل والجبل والماء والشجر، إضافة إلى مرور نهر بردى بين أحضان واديها، وتوجد في عين الفيجة عدة ينابيع صغيرة تستخدم في غالبها بالري، منها نبع حاروش وعيون الريحان وحرف عين شهدة وعين صنصل وعين إرفتا أما أهم هذه الينابيع الفرعية هو عين الخضرة التي تصب في نهر بردى.

ويبلغ ارتفاع النبع عن سطح البحر (825) م وقد ضرب المثل بنقاء وعذوبة مياهه، وتعود تسميته حسب المصادر التاريخية إلى اليونانية القديمة، وتعني المياه العذبة والنقية، وقد سكن الناس الفيجة منذ آلاف السنين، ويدل على ذلك وجود آثار من العهد اليوناني، إضافة إلى المعبد الروماني عند فوهة نبعها الشهير، وهو بقايا لحصن عزتا الذي يعود إلى تلك الفترة وربما أبعد بكثير، حيث كان الناس يتخذونه مكاناً للعبادة ويقدمون القرابين لآلهة الينبوع في ذلك المكان، كما توجد في البلدة بقايا آثار لنفق منحوت في الصخر كانت الملكة الشهيرة زنوبيا تريد جر المياه عبره إلى تدمر، لكن المشروع لم يكتب له النجاح.

فصلا الشح والفيضان

يتغذى نبع الفيجة، حسب ما يقول الدكتور نادر غازي مدير التوعية والإعلام البيئي في وزارة البيئة السورية، من الأمطار والثلوج التي ترشح داخل الطبقات التورونية التي تفجر منها النبع، وكون حوضه جبلياً لا يمكن السكن به، فهذا الأمر أعطاه خاصية عدم التلوث، ويضيف غازي إن مياه النبع تعتبر من أعذب وأنقى مياه الشرب في العالم، وذلك بشهادة أهم المخابر العالمية، حيث بينت التحاليل المخبرية لمياه النبع أن مواصفاتها مطابقة للمواصفات القياسية لمنظمة الصحة العالمية، وتشتهر كلمة فيجة في كل أنحاء سوريا حيث تعني المياه النقية الصالحة للشرب.

ويضيف الدكتور غازي أن العطاء السنوي لهذا النبع يبلغ 250 مليون م3 وسطياً، وهي كمية وفرت لدمشق على الدوام جميع حاجاتها من مياه الشرب، لكن تصريفه في فصل الشح (يقع بين شهري يونيو/حزيران وفبراير/شباط) ينقص بشكل ملحوظ، بالمقارنة مع تصريفه في فصل الفيضان (يقع بين شهر مارس/آذار ومايو/أيار) حيث يؤمن كامل حاجة مياه الشرب لمدينة دمشق في فصل الفيضان في عام وسطي الرطوبة، ويذهب فائض الإنتاج إلى نهر بردى، ثم يتطلب ردفه بمياه مصادر أخرى ابتداء من شهر حزيران ويبلغ وسطي الهطول فوق حوض الفيجة (514) مم. ويشير الدكتور غازي إلى حالات نقص غزارة النبع خلال السنوات الماضية نتيجة قلة الهاطل المطري والاستجرار الزائد للمياه.

ويعتبر مدير التوعية أن حوض النبع ومجراه مراقبان تماماً، مع إمكانية تطوير إمكانات مصادر لحالات الطوارئ وإمكانية تطوير إمكانات تبادلية بين المصادر، وتطبيق دراسات تقويم الأثر البيئي بشكل مواكب لجميع الدراسات، إضافة لما تقوم به المؤسسة العامة لمياه الشرب من استخدام لتقانات الكشف عن التسرب من خلال أجهزة متطورة.

ويرجع المؤرخون تاريخ انسياب نبع الفيجة لأول مرة إلى دمشق إلى ما قبل 3 آلاف عام، ويقول الباحث غزوان الديري إن الآثار الباقية في محيط نبع الفيجة حتى اليوم تؤكد صحة هذا التاريخ، حيث لا تزال آثار القناة التي تم حفرها في العهد الروماني في سفح الجبل في وادي بردى باقية في قرية بسيمة، ويعتقد أن تلك القناة كانت تصل حتى منطقة الضمير التي تقع شرقي دمشق، وتبعد عنها 24 كلم، ويبين مقطع القناة أنها كانت قادرة على جر (1) متر مكعب في الثانية. وتوجد على النبع مباشرة ثار المعبد الروماني الذي أقيم للحفاظ على مياهه من التلوث، ومعروف باسم (حصن عزتا) ويضم المعبد الغرفة المقدسة، أو ما يمكن تسميته بالمذبح الروماني (مكان تقديم القرابين)، ذلك أن المعابد عند الرومان كانت مقدسة ولا يجوز تدنيسها أو العبث فيها.

طريقة توزيع المياه

أما في العصر الحديث فقد تم جر مياه نبع الفيجة إلى دمشق عام ،1908 وتم توزيعها على 400 سبيل، وكانت المياه آنذاك تتوزع في طوالع، والطالع هو خزان توزيع المياه، إلى أصحابها، وكان في دمشق آلاف الطوالع لتوزيع المياه على البيوت، واستمرت طريقة التوزيع هذه حتى عام 1932 حيث فكرت نخبة من وجهاء دمشق في جر مياه الفيجة عبر نفق بعد أن كانت المياه تصل إلى دمشق عبر أنبوب من الفونت بقطر 250 مم، فأسسوا جمعية تعاونية انبثقت عنها لجنة سميت لجنة مياه الفيجة حيث قررت تنفيذ نفق من البيتون المسلح، وتم تدشينه عام 1932.

وتم جر المياه إلى بيوت دمشق بالإسالة بتصريف أعظمي (5.3) متر مكعب في الثانية، وبلغ عدد المشتركين 4000 مشترك، وقد سمي هذا النفق في ما بعد بالنفق القديم، وبلغت كلفة تنفيذه وقتها (271737) ليرة ذهبية جمعت كلها من الأهالي، وفي عام 1960 أنشئت خزانات جديدة في المدينة، ومدت شبكة قساطل في معظم أنحاء المدينة بطول 600 كلم، وبذلك أُسدل الستار على تزويد المدينة بمياه الأقنية.

ومنذ عام ،1969 وضعت المؤسسة العامة لمياه عين الفيجة خطة بعيدة المدى لتأمين المياه الكافية لسكان دمشق الذين يتزايد عددهم باضطراد، وانتهى تنفيذ المشروع عام ،1980 ويتضمن تحسين استثمار النبع، وإنشاء نفق جر جديد، وإنشاء خزانات سعتها 125 ألف م،3 وتجديد جميع الشبكات الفرعية وزيادتها، وأصبح طولها 850 كلم، كما تم إنشاء محطات ضخ لإيصال المياه إلى المناطق البعيدة.