فرض اللّه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في معراجه إلى السماء، وذلك إعلاء لقدرها وأهميتها في حياة المسلم . فهي عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن هدمها هدم الدين . ولذلك لم يكن في ترك الصلاة رخصة أو عذر، مهما اشتد بالانسان المرض، أو طال به السفر أو شق عليه . إذ باستطاعة المسافر أن يجمع ويقصر ولا يترك . وفي القرآن الكريم: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا (النساء: 103) . وعن علي رضي اللّه عنه قال: هل ترون لم سميت الصلاة صلاة قالوا: لا يا أمير المؤمنين . قال: لأن العبد يصل بها إلى الجنة . وفي صحيح مسلم ما رواه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه يقول: قال اللّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . ولعبدي ما سأل . فإذا قال العبد: الحمد للّه رب العالمين قال اللّه تعالى: حمدني عبدي . وإذا قال: الرحمن الرحيم قال اللّه تعالى: أثنى علي عبدي . وإذا قال: مالك يوم الدين قال مجدني وفوضني عبدي . فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .

التطهر من الخطايا

عندما يدخل المسلم في صلاته يكون موقناً بأنه بين يدي ربه السميع القريب المجيب، فيخشع موقناً بصلاته التي يرى فيها راحة وسكينة له . وفي سنن أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لمؤذنه بلال أحياناً: يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها وفي حديث شريف رواه الترمذي: أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد . أما الإمام البخاري، فيروي عن رسول اللّه قوله لأصحابه: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء . قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللّه بهن الخطايا . ذلك أن من معاني الصلاة: راحة المؤمن ورضا ربه وطهور من خطايا وعثرات . يقول تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (العنكبوت: 45) . ولا بد للدخول في الصلاة من الوضوء . ففي حديث أخرجه البخاري ورواه أبو هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء . فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل . وفي حديث أخرجه مسلم قال رسول اللّه: ألا أدلكم على ما يمحو اللّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه . قال: إسباغ الوضوء على المكاره (شدّة البرد) وكثرة الخطى إلى المساجد . وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط . أما صلاة الجماعة وخصوصاً في المساجد، فمن معانيها الحرص على الأداء في أوقاتها، والتواصل بين المسلمين .

أسرار وحكم

والصلوات الخمس المفروضة، لها أسرارها وحكمها، فبعد نهوض المسلم من نومه يصلي صلاة الفجر، وهو بما يكون عليه بعد انتهاء يومه السابق وتلمس ابتداء يومه الجديد الذي يبتدئه بشكر الله سبحانه وتعالى .

وبعد أن يمضي عليه نصف النهار، يجد نعم اللّه عليه عظيمة المقدار، من إنارة الكون لهدايته إلى سبل معاشه، وإمداده بحواسه التي يميز بها النافع من الضار، وبالقدرة والاستطاعة على مقاصده، وقد فتح له باب الكسب لتأمين حاجته من الغذاء إلى غير ذلك من النعم المستحيلة الحصر، فكان عليه أن يعود إلى أداء بعض الشكر، فيصلي صلاة الظهر .

ثم إن المسلم سرعان ما يجد النهار قد قارب الزوال، وقد تواردت عليه في ضمنه نعم عظيمة المثال . وقد عزم على عودته إلى مسكنه ملآن شبعان ريان، بعد أن كان فارقه خميصاً، فيبادر إلى شكر ربه، ويصلي صلاة العصر .

وعندما يولي النهار ويقبل الليل الصالح لسكونه وراحته، ولم يكن النهار سرمداً، لا يجد فيه إلى السكون والراحة سبيلاً، بل انقضى مملوءاً بالنعم ولطائف الكرم، نراه يعود إلى تلك العبادة/ السعادة، فيصلي صلاة المغرب .

وإذ يحوم الظلام ولم يبق إلا المنام، يجد المسلم أن النعم التي وردت عليه من الصباح إلى وقت المساء، يعجز عن شكرها، وأن جميع ما أداه من العبادة لا يساوي عشرها، فيبادر إلى صلاة العشاء، إيفاءً ببعض الشكر للّه تعالى، على نعمه الكثيرة التي أنعمها على عبده .

وبالإضافة إلى الصلوات المفروضة، فقد سنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلوات السنن، مع كل وقت وذلك تقرباً إلى اللّه تعالى . وجعل لها أجراً كبيراً وثواباً عظيماً . وفي الجمعة ساعة إجابة، إذ روى الترمذي عن النبي قوله: إن في الجمعة ساعة لا يسأل اللّه العبد فيها شيئاً إلا آتاه إياه . قالوا يا رسول اللّه: أي ساعة هي؟ قال: حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها . وكذلك أمر النبي بصلاة الوتر في آخر اليوم .

وروى الترمذي عن رسول اللّه قوله: إن اللّه وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن . كما أنعم اللّه علينا بصلوات كثيرة سوى الفرائض وسننها، مثل صلاة الضحى وصلاة الليل وصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة، وصلاة التسبيح وأذكارها، وصلاة العيدين وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف .

وبعد، يقول ابن قيم الجوزية: الصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس مذهبة للكسل، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة للشيطان، مقربة للرحمن.