الفودو كلمة تعني العبادة الروحية وهي مشتقة من كلمة (Vodum) التي تعني الروح وهي عقيدة ظهرت حسب المؤرخين في إفريقيا منذ بداية التاريخ الإنساني، بل يقول البعض إن هذا المذهب يعود إلى 10 آلاف عام.
وحين احتل الأوروبيون إفريقيا وبدأت تجارة العبيد أخذ المحتل يفكر بتمزيق معتقدات الأفارقة الدينية كوسيلة ناجحة لتحويلهم من جماعات إلى أفراد تسهل السيطرة عليهم، وكان خوف هؤلاء الأفارقة على ديانتهم عميقاً إلى درجة أنهم اجتمعوا مراراً ليقوموا بتعديل وتطوير شعائرهم الدينية ومزج هذه الشعائر رغم اختلاف الطوائف حتى خرج مذهب الفودو في نهاية المطاف بصورته النهائية.
وتعتبر دولة بنين الصغيرة التي تقع بين توجو ونيجيريا موطن ديانة الفودو التي نقلها في وقت لاحق العبيد إلى الأمريكيتين حيث بقيت في أشكال مختلفة في دول مثل البرازيل وهاييتي وكوبا، لكن بعض العلماء يقولون إن هذه العقيدة بدأت في جزر الكاريبي وانتشرت سريعاً حتى شملت كثيراً من الدول والمقاطعات الإفريقية مما أسهم في نجاح وبقاء هذا المذهب الجديد.
وعندما وصل هذا المذهب إلى هاييتي واستقر بها اكتسب شهرة خاصة باعتباره طقساً من طقوس السحر الأسود القادر على الإيذاء. وعلى الرغم من أن الفودو قد استقر في هايتي وبعض جزر الكاريبي فإنه بدأ يختفي ويتلاشى من إفريقيا ذاتها أو هذا ما يظنه البعض.
جزء من الكون
وأساس عقيدة الفودو التي يؤمن بها سكان بنين وهاييتي وغيرها من جزر الكاريبي، يقول إن كل شيء في الكون ينتمي إلى الآخر فلا يوجد أنا وأنت، بل (نحن) الاثنين جزء من واحد كبير هو الكون ذاته. ومعنى هذا أن التأثير في جزء سيؤدي بالضرورة إلى التأثير فيك وبالتالي في الكون الواحد الكبير. وهذه النظرية وإن بدت غريبة للبعض، فإنها ذات أساس علمي بحت، فقد أثبت كثير من العلماء أن كل شيء في هذا العالم له علاقة بكل شيء آخر حوله وأننا كلنا أجزاء من كل واحد، لكن الاختلاف في عقيدة شعب الفودو أنهم لا يرهقون أنفسهم بالمعادلات العلمية، بل يكتفون بالتفسيرات الروحانية لكل شيء. فالإله في ديانتهم يتمثل في صور أرواح الأجداد والآباء الذين ماتوا. وهذه الأرواح ترعاهم وقادرة على مساعدتهم أو معاقبتهم حسب ما يتصرفون وبالتالي فهم يعتقدون أن هناك دائرة مقدسة تربط بين الأحياء والموتى وكل طقوسهم التي يمارسونها تعتمد في الأساس على إرضاء أرواح الموتى لنيل رضاهم.
وكثيراً مما تتمثل صورة الإله في ديانة الفودو في هيئة أفعوان ضخم حتى إن البعض ترجم كلمة فودو على أنها الأفعى التي تجمع كل من لديهم الإيمان. وكأي ديانة أخرى سنجد أن هناك الكهنة ذوي المراتب العليا الذين يطلقون عليهم ألقاب الأب والأم. وهؤلاء الكهنة هم في الواقع خدم الإله أو الأفعوان الكبير كما أنهم يعاقبون باسمه ويكافئون باسمه.
وبينما يطلقون على الإله الأكبر اسم (بون ديو) وهي ترجمة فرنسية لأن لغتهم هي الفرنسية، نجد أن لديهم آلاف الأرواح التي تجوب الأرض من حولهم ويطلقون عليها اسم (لوا) وهي تتمثل في أشكال عدة منها ال (موبالا) و(أجوا) و(أجو) و(ليجبا) وغيرها الكثير... ولكن ما دور هذه ال (لوا) بالتحديد؟
احتفالات وطقوس
خلال الاحتفالات والطقوس التي يؤديها شعب الفودو قد تتجسد هذه ال (لوا) في أجساد بعض من يؤدون هذه الطقوس وفي هذا دلالة أكيدة على أنهم من المؤمنين المخلصين وبالتالي يتحول هؤلاء الأشخاص في حد ذاتهم إلى (لوا) يعملون على النصح والتحذير مما هو آت.
وبما أن عقيدة الفودو روحانية بالدرجة الأولى، فإن أتباعها يفسرون الظواهر الطبيعية كافة على أنها أفعال ال (لوا) فالإعصار على سبيل المثال هو تجسيد لل (لوا أجوا).
وتعتبر الموسيقا والرقص أساس احتفالات الفودو وهما الطريقة المثلى للاتصال بالأرواح وهذا ينفي الاعتقاد السائد بأن هذه الرقصات ما هي إلا وسيلة لزيادة الإخصاب عند من يرقصون فهذه الرقصات هي وسيلتهم للوصول إلى الحالة الروحانية الحقيقية التي تؤهلهم للتحدث مع الموتى، وحسب اعتقاد الفودو فإن وضع مشابك الغسيل في الآذان والشفاه يبعد الشياطين.
عقيدة اجتماعية
وطبقاً للتفاصيل المذكورة آنفاً، نجد أن عقيدة الفودو اجتماعية جداً، وهي لا تؤثر في الفرد كفرد بل في العائلة في المجمل، فكل فرد يؤدي الطقوس المطلوبة منه، وأرواح آبائه وأجداده ترعاه طيلة الوقت، ولذا فهو يطلب منهم النصح والإرشاد والمساعدة، وفي الوقت ذاته قد يلعب كاهن الفودو دور الحاكم أو الطبيب للجماعة حيث يداوي أمراضهم باستخدام الأعشاب أو الأدوية التي يصنعها بنفسه على أساس أن خبراته الطبية هذه ورثها من الآلهة والأرواح. ولأن التفاصيل الروحية تمتد إلى كل شيء، نجد أن هؤلاء القوم يؤمنون إيماناً مطلقاً بالتعاويذ وتأثيرها في البشر.. فهناك تعاويذ للحب وللشفاء وللإصابة بالمرض وللإنجاب وهكذا... لكن هذه التعاويذ لا يقدر على استخدامها إلا من كان إيمانه بالفودو مطلقاً.
حرب ضد الفودو
تعرض مذهب الفودو وأتباعه لتشويه كبير، فثمة من اتهم هذه العقيدة بأنها بربرية تحض على العنف والقتل وممارسة الجنس المحرم والسحر الأسود، وأغلب الظن أنها شائعات جاءت من المستعمرين الذين وجدوا في الفودو رابطاً قوياً يربط بين الأفارقة الذين ينتزعون من بلادهم ليحولوهم إلى عبيد ويفرضوا عليهم اعتناق ديانتهم (المسيحية) وتعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية وهو ما يحدث في هاييتي، وثمة من قال إنها مذهب يدعو إلى السلم وإن العنف فيها هو رد فعل للدفاع عن النفس، لكن المستعمرين اشتهروا بإصدار القوانين التي تمنع معتنق الفودو من ممارسة شعائره وكانوا يسجنونه ويجلدونه بل كانت عقوبة من يمارس الفودو تصل إلى حد الإعدام شنقاً.
وهكذا كان على أتباع هذا المذهب أن يجدوا حلاً يتمثل في تغيير اللغة لترديد الطقوس الإفريقية بها ولجأ البعض إلى المزج بين طقوس الفودو والطقوس التي تطبق في المسيحية ليتمكن من ممارسة شعائره سراً ومن دون التعرض لأي عقاب.
ومن الغريب أن المستعمر الذي عمل على منع الفودو أدى لها خدمة جليلة، فقد زاد انتشار هذه العقيدة في أنحاء أوروبا والأمريكيتين إلى أن صدرت قوانين ترخص ممارسة طقوس الفودو كما في البرازيل لكن تحت اسم مغاير هو (كاندومبل) وفي جزر الكاريبي الناطقة بالإنجليزية نجد الفودو تحت اسم (أوبيه).
وأعلنت هايتي أنها تعترف بالفودو كدين مثل باقي الأديان، ومن حق أتباعه أن يمارسوا طقوسه علانية من دون أي خطر.
وتعتبر الدمى أساس اعتقاد الأغلبية بأن الفودو ما هو إلا طقس من طقوس ممارسة السحر الأسود. ويمكن لأي إنسان أن يصنع أي شكل يرغبه كدمية ويمزج بها أي شيء من أثر الشخص (شعر نقطة دم ظفر..) ثم يقرأ عليها من أناشيد وطقوس الفودو التي يجب أن يؤمن بها إيماناً مطلقاً كي يمارس لعبة السحر الأسود ضد أي شخص يريده.
وفي ما يتعلق بالتدخين، فالتدخين هنا ليس مجرد سيجارة، بل هو نوع من الأعشاب يصاحبه رقص وترتيل كلمات مفهومة وغير مفهومة، وذلك من أجل غاية واحدة ألا وهي لقاء الرب كما يزعمون.