ستبقى حادثة الإسراء والمعراج مثالاً حياً على اصطفاء الله لنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتقريبه إياه وتفضيله على سائر خلقه بهذه الرحلة المباركة.
في ذكرى الإسراء والمعراج دروس وعبر لأولي النهى والألباب الذين يربطون الماضي بالحاضر، والدنيا بالآخرة، والأرض بالسماء، والمخلوق بالخالق.
دنا النبي صلى الله عليه وسلم من ربه واقترب، ورأى من آيات ربه الكبرى، وقد علم الله حب نبيه لأمته، فأراد ألا يحرم كل مؤمن ومؤمنة من هذا الخير، ففرضت الصلاة وكانت قبلتها الأولى إلى بيت المقدس.. وفي تلك الليلة صلى محمد صلى الله عليه وسلم إماماً للأنبياء والرسل أجمعين، فكانت إشارة لطيفة إلى قيادة الأمة الخاتمة للعالمين.
أصبحت الصلاة بالنسبة للمؤمن معراج روحه إلى رب الأرض والسماء، كما قال سبحانه: (واسجد واقترب) ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد).
وصارت الصلاة منهاج حياة تصنع المسلمين في أحسن صياغة فيبادرون الطفل في أول لحظة من حياته بالأذان والإقامة ريثما يميز فيعلم الصلاة ثم يؤمر بها ثم يكلف بأدائها عند البلوغ وتبقى عبادة يومية خمس مرات، وعشرات المرات لمن تطوع، فهي أول ما يبدأ به يومه في صلاة الفجر المشهودة وآخر ما يختم به يومه في صلاة الوتر المحبوبة، وبينهما صلوات بين الفرض والنافلة، فإذا حزبه أمر صلى وإذا احتار في أمر صلى صلاة الاستخارة، وإذا أذنب صلى ركعتين تغسلان ذنبه وترفعان وزره، وإذا كسفت الشمس أو خسف القمر صلى، وإذا أجدبت السماء صلى، وإذا بشر بالخير سجد شكراً وذكراً لله تعالى، وإذا وافته المنية وقدم على ربه كان آخر عهده بالدنيا صلاة الجنازة، فهي منهج حياة من الميلاد إلى ما بعد الممات وهي النور في القبر والحشر، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة وأول مفاتيح الجنة بعد رحمة الله عز وجل.
دفع السيئة بالحسنة
رحلة الإسراء والمعراج لم تكن نزهة ربانية فحسب بل معجزة إلهية، ولم تكن خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل ترسم منهاج حياة لمن أراد النجاة، ووهب حياته كلها لدعوة الله.
روى البخاري بسنده عن عمرو بن الزبير أن عائشة حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: «لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - قرن المنازل - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ، ثم قال «يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (أي الجبلين) لفعلت» فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئاً.
هكذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة إلى ملك الجبال يستطيع أن يدمر كل شيء في مكة ولا يبقي فيها واحداً من المشركين من دون أن يكلفه شيئاً إلا كلمة واحدة، لكنه أبى لأنه رحمة للعالمين، لأنه ذو قلب ينبض بالحب.. يتمنى لكل الناس أن يهتدوا، أو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله من الأطفال، وهكذا الدعاة يحبون للناس الخير، لا يدفعون السيئة بالسيئة بل يدفعونها بالحسنة وبالتي هي أحسن، يقابلون الشر بالخير، والقطيعة بالوصل، والقتل والاضطهاد بالحب والإرشاد، ولذا كافأه الله بأعظم رحلة في الوجود إلى المسجد الأقصى الشريف وإلى السموات العلا، وقربه إليه ربه وهدى الله به خلقاً كثيراً وحقق أمله فكان من أولاد المشركين خيرة الدعاة والمصلحين منهم: خالد بن الوليد بن المغيرة الذي نزلت فيه آيات سورة المدثر.. وعكرمة بن أبي جهل كبير المشركين.. وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبوها آنئذ كافراً.. وعبد الله بن عباس وقد أسلم مع أمه أم الفضل قبل العباس بن عبد المطلب حين كان كافراً... وهكذا يكون الصبر مع الرحمة بالمدعوين سبباً في هدايتهم أو هداية أولادهم.
سماحة الإسلام
محطة الإسراء النهائية كانت إلى بيت المقدس، وأول المعراج من بيت المقدس وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعاً إماماً كي يشير هذا إلى هذا التوافق بين الأديان السماوية، وتبعية الرسالات السماوية لرسالة واحدة هي رسالة الإسلام، وبخاصة ما جاء به سيدنا عيسى وموسى وغيرهما عليهم الصلاة والسلام، وصار المسجد الأقصى بهذا أولى القبلتين، وميراث المسلمين، وظل سيدنا عمر رضي الله عنه حافظاً لدرس الإسراء والمعراج، وللعهد بالصلاة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً كما جاء في حديث البخاري بسنده عن البراء بن عازب حتى أرسل خالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح وفتحت فلسطين والشام وذهب بنفسه لاستلام مفاتيح القدس، ولم يذهب إلى بلد خارج الجزيرة غيرها، وأعطى من صور السماحة مع الأديان الأخرى ما بقي موضع ذكر من كل منصف، وعاش غير المسلمين في ظل حكم الإسلام يمارسون شعائرهم، وتحترم دور عبادتهم، ويشاركون المسلمين في إدارة البلاد، دون أية حساسية حتى جاء الصليبيون يحملون حقداً وغلاً، وتحركهم أهواء سياسية وشائعات كاذبة بأن المسلمين هدموا قبر المسيح وهي أكذوبة روجها البابا أوربان الثاني والساسة والقساوسة لتحريك الجموع العمياء عن الحقيقة، وقتلوا وسفكوا وهتكوا وخاضوا في الدماء، وأمعنوا في الخراب بحقد لا مثيل له، لكن صلاح الدين لما واجههم لظلمهم، وقاومهم لفسادهم، وقاتلهم لبغيهم كان يطبق عليهم سماحة الإسلام في التعامل مع الأسرى، وندع سنجريد هونكه المؤرخة الألمانية تروي في كتابها: (الله ليس كذلك) (ص: 25) ما قاله أحد الألمان الذين شاركوا في الحروب الصليبية وهو (أوليفروس) عن معاملة صلاح الدين للأسرى الصليبيين:
(منذ تقادم العهود، لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو اللدود، ولما شاء الله أن نكون أسراك، لم نعرفك مستبداً طاغية، ولا سيداً داهية، وإنما عرفناك أباً رحيماً شملنا بالإحسان والطيبات، وعوناً منقذاً في كل النوائب والملمات. ومن ذا الذي يمكن أن يشك لحظة في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة من عند الله.. إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم من العذاب، لما غدونا أسراهم وكدنا نموت جوعاً، راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من خصاصة، وأسدوا إلينا ما استطاعوا من إحسان، بينما كنا تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان).
التمسك بالحق
أبى النبي صلى الله عليه وسلم إلا التمسك بالحق والإصرار على مواصلة الطريق وتعرض له المشركون بالسخرية والسب والضرب رغم وجاهته وشرفه في قومه، فتركهم إلى أرض أخرى لعلها أن تكون أكثر خصباً وقبولاً للدعوة الإسلامية فذهب إلى الطائف فكان قومها أشد بأساً في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاملوه لا كإنسان في الضيافة عند العرب، ولا كرسول له الحق في أن يبلغ كلمة الله ولهم الحق في قبولها أو لا؟
رفضوا السماع، ورفضوا عرض الفكرة بأسلوب سلمي محض، وسلطوا عليه الصغار والكبار من اللئام الذين أخرجوه طريداً، ولا يملك شيئا إلا إيمانه بربه وعزمه على مواصلة دعوته لا يتنازل عن جزئية منها، ولم يستطع أن يدخل مكة بلده الأصلي وموطن أهله وعشيرته فاضطر إلى الدخول في جوار المطعم بن عدي، ثم رفع رأسه إلى السماء ودعا ربه بخير دعاء فقال مبتهلاً متبتلاً خاشعاً متذللاً:
(اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل عليّ غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ).
فكافأه الله تعالى باستجابة عبد يسمى عداس للإسلام بعد رفض الكثير له، وهداية واحد خير من الدنيا وما عليها وساق الله إليه نفرًا من الجن يستمعون القرآن وأحسنوا الاستماع والإنصات ثم فهموا واجبهم فولوا إلى قومه منذرين..
ثم استجابة ستة من أهل يثرب كانوا طلائع الدعوة في المدينة المنورة والتمكين للإسلام في الأرض، هم: أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، هذا بعد أن رفضت كل القبائل الأخرى ومنها بنو كلب وبنو حنيفة، وبنو عامر بن صعصعة وفزارة وغسان دمرة وسليم وعيس وبنو نضر وكندة وعذرة والحضارمة دعوة الإسلام.
كما أسلم عدد من أشراف قبائلهم منهم سويد بن الصامت الشاعر وإياس بن معاذ وأبو ذر الغفاري والطفيل بن عمرو الدوسي سيد قبيلة دوس.
الأقصى الأسير
في عصر الجمل سفينة الصحراء تمت رحلة الإسراء والمعراج في سرعة فائقة حتى إن الحبيب صلى الله عليه وسلم عاد منها قبل أن يبرد فراشه كما روى البخاري بسنده عن أم هانئ رضي الله عنها فقد قطعت المسافة من المدينة إلى المسجد الأقصى في ثوان ومن الأقصى إلى السموات العلا في ثوان، وكانت العودة الحميدة، وإذاعة أنباء الرحلة في الصباح، ولم يكن أحد يصدق إلا من آمن بالمعجزة الإلهية، والوحي الرباني، والقدرة التي لا يعدها شيء..
لقد أراد الله تعالى في ذلك الزمن البدائي أن تكون معجزة النبي صلى الله عليه وسلم أبد الدهر أسبق من كل تكنولوجيا الاتصالات والفضائيات، فسألوه عن صفات المسجد الأقصى وهم يعلمون أنه ما ذهب إليه في تاريخه قبل البعثة، فتجلى الأقصى له شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً على شاشة لا يراها إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبهت الجميع لهذا الوصف الدقيق...
هكذا المؤمن لا يبهر إلا بالحقائق وهي وحدها في مكنون القرآن وصحيح السنن، وصريح العقول الراشدة.. فلنجعل من هذه الذكرى العزيزة علينا جميعا مناسبة تسري فيها قلوبنا خمس مرات في اليوم والليلة بالدعاء الخالص أن يبرم الله للمجاهدين الموعودين بالنصر لا محالة أمر رشد يتخلص فيه الأقصى من أسره وتجود فيه أيدينا كذلك بما تيسر من أموال تضمد جراحات المنكوبين ومناسبة نجدد فيها العهد مع الصلاة معراجنا اليومي إلى الركن الركين والسند السنيد فالصلاة لو فقهنا بحق هي سر نهضتنا وسر تقدمنا.