ارتفعت معدلات الطلاق في كل الدول العربية والإسلامية من دون استثناء وأكدت التقارير الاجتماعية فشل كل جهود التوعية الاجتماعية والإعلامية لمحاصرة أبغض الحلال عند الله، وأمام هذا الكابوس الذي يهدد العديد من الأسر تعالت أصوات الباحثين والمحللين الاجتماعيين والنفسيين مطالبة بالعودة إلى خطوط الدفاع الإسلامية، فهي وحدها القادرة على صد هذا الشبح والتعامل مع هذا الكابوس المزعج.

عرضنا المشكلة على عدد من أبرز علماء الإسلام لتوضيح الإجراءات التي اتخذها الإسلام لحماية المجتمع الإسلامي من حالات الطلاق الطائش التي تهدد استقراره وتضاعف من مشكلاته وأزماته.

في البداية يؤكد الدكتور محمد عبدالغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر حرص الإسلام على استقرار الحياة الزوجية واستمرارها فيقول: يحرص الإسلام حرصا شديدا على استقرار الحياة الزوجية، إذ نجد في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يدعو الزوجين إلى العمل على استمرار حياتهما على نحو تكون فيه سعادتهما.

الميثاق الغليظ

ويضيف الدكتور شامة: إن الصلة بين الزوجين من أقدس الصلات وأوثقها، والدليل على ذلك أن الله سمى العهد الذي بين الزوجين بالميثاق الغليظ فقال تعالى: وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً فإذا كانت العلاقة بينهما على هذا النحو من التوثيق المؤكد الذي ينبغي أن يقوم على أساس التعاطف والود والرحمة، واستقرار الحياة بين الزوجين، فإنه لا ينبغي الإخلال بهذا كله، أو التهوين من شأن كل ما يعمل على تقوية الروابط الزوجية.

فكل شيء يفسد هذه الصلة أو يضعفها، أو يبدد السكينة والمودة والرحمة التي ينبغي أن تكون بين الزوجين، بغيض إلى الإسلام لأنه يهدد كيان الأسرة، ويقضي على مصالح أفرادها، فيقذف بهم في مهب الريح أو يرمي بهم إلى قاع سحيق لا يعرفون له قرارا، ولا يدركون فيه للحياة معنى، ولهذا جاءت الأحاديث والتوجيهات النبوية الكريمة مبينة أن الطلاق من أبغض الحلال إلى الله، وعليه فإن أي إنسان يحاول أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة المحبة والمودة والرحمة فهو في نظر الإسلام خارج عنه، وليس له شرف الانتساب إليه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ليس منا من خبب (أي أفسد) امرأة على زوجها.

كذلك ينهى الإسلام المرأة عن محاولة إفساد ما بين الزوجين بغية التأثير في الرجل ليتزوجها بعد أن يطلق امرأته، كما يحرم الإسلام الجنة على الزوجة التي تطلب الطلاق من غير سبب ولا مقتضى، حيث يقول صلوات الله وسلامه عليه: أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة.

حسن الاختيار

الداعية والمفكر د.أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية والرئيس السابق لجامعة الأزهر ورئيس لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان المصري يتحدث عن أول خطوط الدفاع التي وضعها الإسلام للحيلولة دون وقوع الطلاق وهي حسن اختيار كل من الزوجين للآخر حيث جاء الإسلام بتوجيهات لو تم الالتزام بها لوضعنا أولى لبنات الزواج الناجح، فالمطلوب من الزوج أن يلتزم بمعايير دينية وتربوية وأخلاقية عند اختيار شريكة حياته، وقد لخصها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في توجيهه الكريم عندما قال: تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ومن هذا التوجيه الكريم يتضح أن الدين وما يوجه إليه من خلق حسن يعتبر أول معيار وأهم أساس من أسس اختيار كل من الزوجين للآخر، فمراعاة الرجل للمرأة التي تكون ذات دين وخلق أمر ضروري، لأن ذات الدين والخلق هي التي تعين زوجها على دينه ودنياه وآخرته وتصون شرفها وعفافها وتحفظ على زوجها كرامته فيأمن معها ويسكن إليها، وتشرق بينهما المودة والرحمة.

وكما أن معيار الدين مطلوب في اختيار الرجل لزوجته، فإنه مطلوب أيضا في اختيار المرأة للرجل، ولذلك وجه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كل أولياء أمور الفتيات بقوله الكريم: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

وإلى جانب الدين فينبغي أن تكون الزوجة من أصل طيب ومن أسرة ترعى حقوق الله وتحافظ على ثوابت الدين وتلتزم بأخلاقياته، حيث أمرنا الإسلام بأن نتخير لنطفنا.

الالتزام بالواجبات الزوجية

ويذكر د.أحمد عمر هاشم كل زوجين بحائط صد قوي ضد كل بواعث الطلاق، وهو التزام كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية بأداء ما عليه من واجبات قبل أن يطالب بحقوقه، وأن يتحمل كل منهما مسؤوليته بصدق وشرف وأمانة، ويؤكد أن الإهمال المتبادل للواجبات بين الزوجين هو الذي يؤدي إلى الخلاف والنفور والتمرد والعصيان الذي ينتهي عادة بالطلاق.

يوضح د.هاشم هذه النقطة فيقول: لقد أوجبت شريعة الإسلام للزوج حقوقا على زوجته، كما أوجبت للزوجة حقوقا على زوجها.. ومن حقوق الزوج على زوجته أن تطيعه في غير معصية الله تعالى، وأن تحفظه في نفسها فلا تتطلع إلى غيره، وأن تصونه في شرفه وفي ماله وفي كرامته.. ومن حقوق الزوجة على زوجها أن يعاشرها بالمعروف وأن يعاملها معاملة حسنة، وأن يحترم كرامتها، لأن كرامة الرجل من كرامة المرأة وكرامة المرأة من كرامة الرجل.

وعن الخلافات الزوجية المتصاعدة حول راتب الزوجة ومحاولة كثير من الأزواج السيطرة عليه، يوضح د.هاشم أن فقهاء الإسلام اتفقوا على أن نفقة بيت الزوجية واجبة على الزوج، فإذا عاونت الزوجة زوجها من مالها الخاص باختيارها ورضاها، فهذا كرم ومروءة نبيلة منها، ولو أدرك كل زوج هذه الحقيقة لما فكر في أن يتشاجر مع زوجته من أجل راتبها.

تضييق حالات الطلاق

وبجانب التنفير من الطلاق والتحذير منه والتأكيد على حسن الاختيار من البداية تؤكد د.سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية والداعية الشهيرة أن حائط الصد الثالث الذي جاءت به شريعة الإسلام لمواجهة مشكلة تفاقم الطلاق هو تضييق الحالات التي يقع فيها الطلاق وتحديد من يقع منه الطلاق من الرجال، ومن يقع عليها من النساء.

فقد اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع إلا من الزوج المسلم العاقل البالغ المختار غير المكره، ففي الحديث الشريف: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق. كما اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع من الشخص المكره من غيره على إيقاعه، ولا من الشخص السكران، ولا من الشخص الغضبان غضبا أخرجه عن وعيه. كما اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا يقع على المرأة إلا إذا كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها على سبيل الحقيقة، أو كانت في عدتها من طلاق رجعي أو بائن بينونة صغرى، بل إن بعض الفقهاء يرى أن الطلاق لا يقع على المرأة في حالة حيضها أو نفاسها.

الإصلاح بين الزوجين

حائط الصد أو الدفاع الرابع الذي وضعته شريعة الإسلام في وجه الطلاق يحدثنا عنه الداعية والفقيه د.نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق ويتمثل في حرص الأهل والأقارب وأهل الخير وجهات الاختصاص على الإصلاح بين الزوجين عندما يحدث خلاف بينهما.. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً. ويقول سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً. فهاتان الآيتان الكريمتان، دعت الآية الأولى منهما الزوجين إلى إصلاح ما بينهما من خلاف ودعت الآية الثانية منهما أقارب الزوجين ومن لهم صلة بالزوجين إلى أن يبادروا إلى الإصلاح بين الزوجين، إذا ما بلغهم أن خلافا قد حدث بينهما.

إلى جانب كل ما تقدم يؤكد د.واصل أن خطوط الدفاع الإسلامية ضد الطلاق تتعدد وتتنوع ما بين توجيهات ونصائح للزوجين وما بين إجراءات وقيود عليهما، وجهود يقوم بها كل المحيطين بهما والمعنيين بأمرهما، والإسلام يدعو الزوجين في كل الأحوال إلى التحلي بفضيلة الصبر، وإلى أن يكون كل واحد منهما حسن الظن بالآخر، ومقدرا لظروف الآخر.