يقدم معرض بلاد الشام الذي يفتتح بعد غد في متحف الشارقة للفنون برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مخيلة توثيقية للمنطقة من خلال لوحات أبدعها مستشرقون واقتناها سموه، وتعرض للمرة الأولى أمام الجمهور يستمر المعرض حتى 25 أكتوبر/ تشرين الأول .
يتضمن المعرض مجموعة آسرة من الأعمال الفنية الخاصة من مقتنيات صاحب السمو حاكم الشارقة، مؤلفة من 171 لوحة بأحجام مختلفة من الليثوغراف الحفر الحجري التاريخية عن بلاد الشام على مر العصور، وتعتبر من الكنوز البصرية النادرة لفنانين من المستشرقين المتخصصين في فن الجرافيك والطباعة الحجرية، زاروا سوريا وفلسطين ولبنان والأردن، في منتصف القرن التاسع عشر لأسباب وغايات مختلفة، اللوحات المعالم التاريخية والتراثية والجغرافية للمنطقة وأبرزها لوحات المدن، والقرى، والميادين، والجسور، مع التركيز على الأماكن الدينية والعادات والتقاليد والأزياء وأهم المعالم الجغرافية من أنهار ووديان وجبال وبساتين وصحراء، وغيرها من الموضوعات المعمارية الجديرة بالتوثيق لما تتضمنه من تفاصيل وعناصر متنوعة تعد مرجعاً أساسياً للمؤرخين والمشتغلين بالفنون الحضارية، منهم: ديفيد روبرتس، وفيندن، مولر، وج . جاكوتيه، وأوجين سيسيري، ولورين، ديروي، ول . ساباتييه، وتيري، وه . ماك فارلان، داناس، ه . بارتليت، وس . ستاتفيلد، وفيتزموريس، ويلي، ج . وليامز، س . براوت، وأ . كالكوت، وس . بنتلي، وإ . بنيامين، وويمبر، وو . تيرنر، وب . ميرر، وهارلي، وباشييه، ودانيود، وديشاييه، ور . ميدر، وت . ألوم، وس . فيشر .
ويقول عبدالله محمد العويس رئيس دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة: المعرض بمثابة تأكيد على سعي إمارة الشارقة على ترسيخ قيم المحبة والتعاون والسلام الانساني، وتعزيز مكانتها كواحة ثقافية وفكرية لها دور مؤثر في دعم ورقي الانتاج الإنساني، وتعزيز حضورها في حياة الشعوب عن طريق الفن والثقافة كجزء من القيم النبيلة . فتوجيه الأنظار نحو فكر وثقافات الشعوب يتيح الإفادة في بناء صرح فني وفكري وثقافي دائم في الدولة .
هشام المظلوم مدير إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، قال يحمل المعرض في جنباته أهمية كبيرة لمحاور عدة، أولاً لأهمية المقتنيات النفيسة ذات الصيغة الفنية النادرة من خلال الانتاج والأسلوب القديم (الطباعة الحجرية) التي تعرض للمرة الأولى علناً، الأهمية الثانية، كون هذه الأعمال عن منطقة بلاد الشام ومنها فلسطين التي خصص لها الجناح الأكبر في المعرض تقدم دلالات واضحة عن العمارة وشكل الحياة الاجتماعية في تلك الحقبة، وبالتالي تقدم تأكيد على عروبة وإسلامية المنطقة منذ الأزل، وخصوصاً أنها وثائق فنية جاءت من مستشرقين . الأهمية الأخرى أن الأعمال الفنية في المعرض تعتبر مرجعاً تاريخياً للباحثين في العالم من حيث اسلوب الانتاج الفني القديم (الألوان، الطباعة، والورق، والحجر) وأيضاً مرجع علمي ومعرفي من حيث دراسة نظريات العمارة الحضارية والأزياء الشعبية لأهل المنطقة، إلى جانب كونها مرجعاً اجتماعياً يوثق الحياة الاجتماعية في بلاد الشام .
د . عبدالكريم السيد، باحث في الفنون الاستشراقية، وعضو في اللجنة المشرفة على المعرض يقول: بدأت مرحلة فن المستشرقين في فرنسا، مع الحملة العسكرية لنابليون بونابرت واحتلاله مصر بين 1798 و،1801 حيث لفتت الأنظار للمنطقة وبدأت تستقطب الزوار بما فيهم الفنانون، الذين أنتجوا أعمالاً فنية متعددة سواء في مجال الرسم أو الطباعة . من أشهر الفنانين في هذا المجال البارون أنطونيو جيان جروس الذي أنتج لوحتين من أشهر الأعمال الفنية عن الحملة، وهما نابليون يزور ضحايا الطاعون في يافا ومعركة أبو قير . في انجلترا كان الهدف من فن المستشرقين دينياً في معظمه، حيث كان الفنان السير ديفيد ويلكي في الخامسة والخمسين من عمره عندما زار المنطقة على أمل أن يستمد منها مواضيع توراتية من منابعها الأصلية .
ويوضح محمد مهدي حميدة باحث في الفنون البصرية وتاريخ الفن، والمسؤول عن الجانب الفكري: المعرض يضم مجموعة منتخبة من لوحات عن فلسطين توثق لشواهد شهيرة وعمائر مازالت شاخصة إلى وقتنا الحالي مع تداعي أقسام منها وتجديد أقسام أخرى، مثل: محراب المسجد العمري، أسوار عكا الشهيرة، ومدينة القدس، ومكان (ضريح السيدة العذراء)، كنيسة المهد في بيت لحم، إلى جانب لوحات بانورامية لمدينة الخليل، ومدن عسقلان، غزة، يافا، عكا، بيت لحم، وكذلك كنائس المهد، القيامة، القديس سابا، القديس جورج، القديس جيمس . بينما تتضمن لوحات سوريا مشاهد لقلعة شما، مغارة بانياس، جبل حرمون، نهر بردى، طرطوس، مشارف أنطاكية من حلب، دمشق، سهل اللاذقية . وفي لبنان توثق اللوحات الآثار قرب صور، نهر سينيق، قلعة تبنين، بعلبك، شلال جزين، قاموع الهرمل، المعبد الكبير في بعلبك، دير القمر وقصور بيت الدين، طرابلس، ميناء بيروت، قلعة صيدا، معبد بعلبك الأصغر . في حين تتضمن لوحات الأردن مشاهد رائعة للبتراء، مخاضات نهر الأردن، سهل الأردن، البحر الميت، مضار الخيام، ضريح النبي هارون، حفريات وادي البتراء، حصن العقبة .
توضح د . مهى عزيزة سلطان أستاذة جامعية وناقدة تشكيلية، انه مهما أثير ويثار من جدل حول لوحات المستشرقين، فإن أهميتها بالنسبة إلينا نحن العرب، تظل في كونها وثائق مهمة شاهدة على روعة الحضارة العربية بمقدساتها ومعالمها الأثرية ومظاهرها الجمالية التي تعتبر مرجعاً تاريخياً لماضٍ عريق كاد أن يندثر .
وتشير عائشة ديماس مديرة الشؤون التنفيذية في إدارة متاحف الشارقة، إلى أنه إضافة للمعارض السابقة تكون الخريطة البانورامية الخاصة بمقتنيات سمو حاكم الشارقة والمتعلقة بمصر وبلاد فارس، قد اتاحت للجمهور في دولة الإمارات والمنطقة الاطلاع على كنوز من الثقافة البصرية النادرة التي تغني المتلقي وتزيد من ذائقته الجمالية .