معلمة الروضة هي أول من يستقبل الطفل، وتمهد له نفسياً لقبول مجتمع جديد عليه هو المدرسة، وهي أول من تعلمه كيفية إمساك القلم والمشاركة مع زملائه في الأنشطة . وتأثيرها الإيجابي على الطفل في مراحله الأولى، يجعل أولياء الأمور يشعرون بالارتياح لوجود بيئة تخاف على الطفل وتحتضنه في أولى خطواته خارج البيت منفصلا عنهم، ولكن دائما ما يقابلنا قلة من المعلمين يغردون خارج السرب، عندما نستمع لشكاوى أولياء الأمور لا نتوقع أبدا أن تصدر منهم بعض التصرفات التي ربما تعقد الطفل وتترك عليه بعض الآثار السيئة وتجعله يصحو يومياً غاضباً ومعلناً رفضه الذهاب إلى الروضة .
مي الشربيني، ربة منزل تحكي، عن تجربتها السيئة عند التحاق ابنتها بروضة تابعة لإحدى المدارس الخاصة وتقول: استغرقت ابنتي حوالي ثلاثة شهور حتى اعتادت على الروضة، وفي بداية التحاقها كانت دائما لا تتقبل فكرة ذهابها إليها وانفصالها عني على الرغم من أن أختها معها في نفس المدرسة وتركب معها الحافلة المدرسية . وكانت تبكي وتصيح بصفة مستمرة خلال وجودها في الروضة حتى إنني كنت أفاجأ عندما تتصل بي المعلمة وتطلب مني أن أحضر لاصطحابها لأن صراخها المستمر يؤثر في باقي الأطفال . وكنت أتعجب من أن المعلمة لا تستطيع جذبها لمجتمع الروضة ولا تريد أن تبذل معها أي مجهود، فهي تعتقد أن الطفل الذي ينفصل عن أبويه لأول مرة يجب أن يذهب وهو مبتسم لهذا المجتمع الجديد . وبعد فترة اكتشفت أن حفيدي مدير المدرسة موجودان معها في نفس الصف ولذلك كان يجب إسكاتها بأي طريقة حتى لا يؤثر بكاؤها عليهما .
تضيف: بعد ثلاثة شهور اعتادت ابنتي على الروضة وتوقف بكاؤها . ومع ذلك أجد المعلمة تتصل بي وتشتكي من أن ابنتي تأخذ أغراض زملائها معها في حقيبتها، فلماذا لا توجهها حين تجدها تفعل ذلك؟ لماذا لا تحاورها وتوضح لها السلوك الصحيح من الخاطئ؟ هل تتهم طفلة في الرابعة من عمرها بأنها تسرق أغراض زملائها . وقد تعودنا كثيراً من خلال تجربتي مع أختها أن تحضر بعض الأدوات من المدرسة وعندما أسالها عنها تجيبني أن المعلمة كافأت المتفوقات أو أن هناك حفل عيد ميلاد وتم توزيع بعض الهدايا عليهم وهو ما يحدث بالفعل . وترى أن المعلمة عليها دور كبير في مراقبة الأبناء وتوجيههم الاتجاه السليم . وتتهم معلمة ابنتها بأنها لا تعرف كيفية التعامل مع الأطفال في مرحلة الروضة ولا تريد أن تبذل معهم أي مجهود .
ترصد مريم سيف، أخصائية تخاطب - ووالدة طفلة في الروضة - ما حدث لابن صديقتها عندما قبلته إحدى الروضات للدخول مباشرة إلى الصف الثاني بها، وكان الطفل لديه تأخر في النطق ولكن مستوى ذكائه طبيعي وانعكس ذلك سلبياً على سلوكه وأصبح لا يعرف التعبير لغوياً . وأخبرت معلمة الروضة إدارة المدرسة ووالديه بأنه غير طبيعي ويجب إخراجه من المدرسة وإلحاقه بمركز لذوي الاحتياجات الخاصة، وأدى ذلك إلى انهيار الأسرة ورفض أخته التي كانت معه الذهاب إلى المدرسة عندما رأت ما يحدث لأخيها . وتوجهت به الأم إلى المراكز الطبية وأكدوا لها أن ابنها سليم ومستوى ذكائه عال والتحق بعد ذلك بمدرسة أخرى عادية .
تقول: في الوقت الذي تسعى فيه مؤسسات الدولة إلى دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية نجد بعض المدارس تلفظ أبناءها بسبب غلطة معلمة وعدم إدراكها التعامل مع طفل لديه مشكلة تأخر في النطق، وعدم قدرتها على توفير مساحة من وقتها للتعامل معه وكأن المفروض أن يذهب الطفل إلى الروضة وهو يقرأ ويكتب دون تدريب وصبر عليه .
تضيف: من خلال عملي وخبرتي أجد أن مرحلة رياض الأطفال من أخطر المراحل التربوية واللغوية، ومن الضروري أن يتفاعل المعلم مع الطفل ويمنحه الثقة للحكي والتعبير عن نفسه ويطور له الحديث بعد ذلك لكي يستطيع أن يكتشف إذا كان الطفل لديه مشكلة أم لا . وأغلب المشاكل التي تكون عند الأطفال في مرحلة الروضة هي التأخر في النطق والتأتأة والتأخر النمائي، وينبغي تقدير دور معلمة الروضة وترك مساحة كافية لها للتعامل مع الطلاب الذين لديهم أي من هذه المشكلات حتى تستطيع أن تفرق بين الطفل الطبيعي وغيره .
أولياء الأمور يرصدون في هذه المرحلة الهامة في حياة أبنائهم كل السلبيات التي من المكن تجاوزها في أي مرحلة بعد ذلك لأنها مرحلة بناء علاقة بين الطفل ومجتمع جديد عليه . هذا ما تراه فاطمة درويش، ربة منزل وتقول: ألحقت ابني بروضة حكومية ولكن كثرة غياب معلمة الصف جعلته لا يندمج مع زملائه، وعلى الرغم من إحضار معلمة بديلة خلال فترة غيابها إلا أنها لم تستطع أن تجذب الأطفال إليها . وبالتالي لم يحب ابني الروضة أو يقبل عليها بنفس درجة إقبال أخوته، وأدى ذلك إلى معاناته من صعوبة في نطق بعض الحروف . ألحقت أخته بروضة حكومية أخرى ولكنها متجاوبة في الصف وتذهب إليها وهي سعيدة وذلك كله يعود إلى المعلمة التي أحسنت استقبالها ودمجها في أنشطة وفعاليات متنوعة وقامت بتعليق صورتها وزملائها في الصف، وتقوم بتوزيع هدايا عليهم باستمرار .
وتعترف ولية أمر أخرى بأنها تلحق أبناءها في هذه المرحلة بروضات تابعة لمدارس خاصة بينما تنقلهم بعد ذلك إلى مدارس حكومية، وتقول سميرة جمعة السالم: هناك اهتمام كبير من جانب معلمات الروضات الخاصة بالأطفال وذلك عن تجربة مع أبنائي، وربما يرجع ذلك إلى أن معلمة الروضة الخاصة تشعر أن عليها أن تجذب الطفل لبيئة المدرسة وتبدع في عمل عديد من الأنشطة المتنوعة والمختلفة بحيث يصبح في حالة شوق دائم للمدرسة وبالتالي تضمن استمرار عملها، أما الروضات الحكومية فالمعلمات تعينهن الوزارة ولا سبيل لإنهاء خدمات من تقصر في عملها لذلك يكون الاهتمام بالطفل أقل .
تضيف: استفاد أبنائي كثيراً من التحاقهم بروضة خاصة عن أخوتهم الذين التحقوا بأخرى حكومية، فمعلمات الروضات الخاصة ينوعن في الأنشطة التي يقدمنها للطفل مثل الألعاب المختلفة ومسرح العرائس وتقليد الحيوانات بجانب تعليمه بعض السلوكيات والأخلاق الحميدة مثل تعامله مع زملائه ومعلميه وأسرته .
كلمات التشجيع مهمة جداً للطفل وهي التي تحفزه إلى التفوق والنجاح، هذا ما خلصت إليه فوزية الحمادي، ربة منزل، من تجربة ابنها، وهو في الصف الثاني في الروضة تقول: ابني إذا لم يحصل على كلمات تشجيع من معلمته يصاب بالإحباط، وكيف لمعلمة من متابعة أطفال في الروضة والصف به 36 طالباً، كان يأتي متأثرا من أن المعلمة لم تقل له إنه متفوق على الرغم من المجهود الذي بذله في عمل الواجب المدرسي .
تضيف: كلمات التشجيع لا يحتاجها طلاب الروضة فقط فكل الأطفال في المرحلة الابتدائية يحتاجون لها إذا أحسنوا، ويجب على المعلم أيضا ألا يتحدث عن تلميذ بشكل غير لائق أمامه، فابني في الصف الثاني الابتدائي وطلبت منه المعلمة إحضار بعض الأشياء لتزيين الصف أمام معلمة أخرى قالت: لا تطلبي منه فلن يحضر شيئاً وهو ما أثر سلباً على نفسية الطفل .
أمل البلوشي، مديرة روضة الشروق الحكومية في دبي، تقول: يجري تدريب معلمات الروضة المعنيات من وزارة التربية والتعليم لمدة شهرين قبل بدء عملهن الفعلي . ويتم تهيئتهن وتعريفهن بكيفية استقبال الطفل خاصة في مرحلة الروضة الأولى التي ينفصل فيها لأول مرة عن والديه ويندمج في مجتمع جديد وغريب عليه .
تضيف: هناك أطفال يتقبلون الوضع ويندمجون في الروضة بشكل سهل وآخرون يرفضون الابتعاد عن ذويهم لذلك نحرص على بقاء الأم بجانب ابنها في أول أيامه في الروضة . ونبدأ بالتدريج عملية فصلهم وتختلف المدة الزمنية التي تبقي فيها الأم بجانب طفلها على حسب درجة ارتباطهما، وأحيانا تكون عملية الانفصال هذه صعبة على الأم نفسها لأنها تكون قلقة على ابنها لذلك نتركها معه في نفس الصف لفترة معينة حتى تتأكد من مستوى الرعاية والتعامل المقدم لابنها .
وترى أن الطفل الذي يبكي ويصيح عندما تتركه والدته أمره سهل، فهو بالتدريج يعتاد على المدرسة، أما أصعب حالة فهي التزام الطفل الصمت وعدم الاندماج في الأنشطة مع زملائه . وتقول عن علاج هذه الحالة: نتفهم أسلوبه ونتركه وحده كما يريد ونقدم له كل الأنشطة مثله مثل باقي زملائه وبعد فترة نجده بدأ يترك مكانه ويندمج .
وعن السلبيات التي ترصدها معلمة الروضة وتحاول تغييرها في الطفل تقول: أكثر ما يزعجني عندما أجد طفلاً يتعامل مع زملائه بالضرب ويكون من الصعب أن تقنعه أن هذا الأسلوب مرفوض . كما أنه لا يستجيب لتوجيهات المعلمة بتعبيرات وجهها فلا يتأثر عندما تعلن غضبها منه . لأنه تعود على أنه عندما يخطئ يعاقبه والده بالضرب وهذا الطفل يكون من الصعب تعويده ويأخذ وقتاً وجهداً من المعلمة حتى يعتاد على الأسلوب الصحيح في التعامل .
ويعتبر اليوم الأول للدراسة الفرصة الوحيدة لجذب الأطفال للمجتمع الجديد، فتحية الملا، مشرفة الروضة في مدرسة خاصة، تقول: في اليوم الأول نقيم بعض الأنشطة الترفيهية للأطفال، وتقدم الهدايا لهم لجذبهم إلى بيئة المدرسة ونستمر كذلك لمدة أسبوعين حتى نرسخ في ذهنهم شكل هذا المجتمع الجديد عليهم من خلال أفضل الأشياء التي يحبونها في هذه المرحلة العمرية، وهي اللعب ثم نأخذهم تدريجياً إلى بيئة الصف ونبدأ في وضع القواعد والقوانين التي يمشون عليها .
تضيف: من أغرب الحالات التي واجهتنا وتمكنا من التعامل معها طفل ظل لمدة شهر يبكي ولا يتقبل بيئة المدرسة على الرغم من وجود أخ له بالمدرسة وبالتدريج وباستخدام المعلمة بعض أساليب الترغيب ومعاملتها له كأنها أمه بدأ يحب الروضة ويقبل عليها فرحاً، ومن الطبيعي أن تستخدم المعلمة أساليب متنوعة في التعامل مع أطفال الروضة مثل الشد والجذب معهم لأن هناك بعض الأطفال الذين يرفضون الكتابة وعندما تخبرهم المعلمة أننا سنبدأ في كتابة حرف أو كلمة نجدهم يجيبون بكلمة: لا أريد .
وتؤكد معلمة الروضة تبذل جهداً كبيراً مع الأطفال بخلاف باقي المعلمات لأنها تساعد على تعليمهم القراءة والكتابة والنطق السليم، وهذه المرحلة من أصعب المراحل عليهم فإذا تأسسوا فيها بشكل صحيح ينطلقوا بعد ذلك في كل المراحل التعليمية بسهولة ويسر .
ولضبط صف الروضة ومنع حدوث الفوضى داخله حتى لا يؤثر سلبا على المعلمة والأطفال . تقول آمنة علي عبد الله الحمادي، موجهة رياض أطفال في منطقة عجمان التعليمية: تلعب معلمة الروضة دوراً مهماً في التعامل مع المشكلات السلوكية للأطفال وتساعدهم على التغلب عليها، وهي تقوم بأدوار كثيرة لتطويع سلوكياتهم في الصف، وهم يكونون أكثر استعداداً للقيام بسلوكيات مقبولة إذا أعطتهم المعلمة مجموعة من القوانين الخاصة بالسلوك بوضوح وبطريقة مفهومة ومقبولة، وهذه العملية تتطلب بعض الصبر لأن درجة الاستيعاب تختلف من واحد لآخر، ويجب أن تستمر في إعطائهم هذه القوانين حتى يستوعبها الجميع، وتجعل الأطفال يشاركونها في عملية وضع اللوائح السلوكية لكي تكون نابعة ذاتياً منهم وحتى يشعروا بأهميتها، كأن تخبرهم مثلاً عندما نبدأ في قراءة القصة يمنع الكلام وعندما أسأل يرفع يده من يعرف الإجابة، ويجب أن تكون هذه القوانين مكتوبة أو في شكل رموز حتى ترفعها لهم ليروها عندما يخطئ أحدهم وبذلك يعرف الخطأ الذي وقع فيه . بعد ذلك يكون تركيزها على الأداء المطلوب منهم داخل غرفة النشاط بدلا من تركيزها على كيفية ضبط سلوكهم .
وتوضح أن الطفل عندما يعرف القوانين الملزم بها والعمل المطلوب منه يبدأ في إنجازه من دون إحداث مشكلات في الصف، كأن تعطيه المعلمة سمكة ليلونها وتخبره ألا يخرج عن الإطار الخارجي لها، وتشعره أن العمل الذي يقوم به له معنى وأهمية كأن تأخذ لوحاته وتعلقها في الصف وهو ما يعطي له شعورا بأنه أنجز شيئاً مهماً، وتهيئة الصف الدراسي نفسياً ومادياً من خلال وضع رسومات وألوان جميلة وإضاءة وتهوية جيدة، فكل ذلك يحفز الطفل ويحببه في المكان الموجود فيه .
تضيف: من الضروري أيضاً التخطيط للأنشطة بشكل مدروس وتلبية احتياجات الأطفال وميولهم وقدراتهم ومراعاة الطفل بطيء التعلم والتنبيه على باقي الأطفال ألا يتحدث أي منهم أثناء تحدث زميله حتى يأخذ فرصته كاملة في التعبير عن رأيه، وإيجاد بعض الأنشطة الإضافية للأطفال الذين ينجزون المطلوب منهم بشكل سريع، لأن الطفل يصبح أكثر استعداداً للقيام بسلوكيات شغب إذا وجد نفسه من دون عمل .
وتؤكد الحمادي أن معلمة الروضة يجب أن تحدد السلوكيات المقبولة من الطفل لتكون حافزاً له للقيام بها واستعمال اللغة الإيجابية، وأنه إذا اضطرت لاستعمال اللغة السلبية فلابد أن يلحق بها لغة إيجابية فورا كأن تحدد له السلوك البديل الذي ينبغي القيام به، مع مراعاة المحافظة على نظام الأطفال عند تقديم النشاط، ومراقبتهم مدة النشاط ودون أن يشعروا بذلك وتوجيه الأسئلة باستمرار لهم والتنوع في تقديم النشاط كأن تبدأ بقصة ثم يليها لغز أو التمثيل الصامت أو الألعاب أو الدمى أو صندوق اللمس .