لعل وجهات نظر المؤلفين العرب مختلفة حول معنى كلمتي الحسبة أو الاحتساب اللتين عرفتا كاسمين لمنصب مهم في الدولة العربية الإسلامية. فالحسبة، كما يرى فريد وجدي في دائرة المعارف في القرن العشرين، هي الأجر والثواب. فأنت تقول مثلاً: فعلت هذا الشيء حسبة لوجه الله، أي تطوعاً، لا تطلب عليه أجراً. ومن هنا، كما يقول أحد الباحثين، فإن الدعوى الحسبية يقيمها صاحبها لمنفعة الناس لا للمنفعة الذاتية. ولهذا فقد سموا صاحب هذا المنصب والي الحسبة أو محتسباً، لأنه يتطوع في خدمة المنفعة العامة. وفي لسان العرب: الاحتساب في الأعمال الصالحات وعند المكروهات، هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها، وفي حديث عمر رضي الله عنه: يا أيها الناس احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله، كتب له أجر عمله وأجر حسبته. أي له حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به.
مراقبة التجار
ومن الباحثين من يرى أن لقب المحتسب بمعنى اكفف، لأنه يمنع الناس من الغش وارتكاب المحظورات، وفي تاج العروس يقال: احتسب فلان عليه: أنكر عليه قبيح عمله. ومنه المحتسب، فيقال: هو محتسب البلد. فالإنكار هو الصفة البارزة في عمل المحتسب لأنه ينكر وقوع الغش في مختلف الصناعات والأعمال، ولهذا يقوم المحتسب بمراقبة الحرفيين والتجار في الأسواق من أجل تنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والحسبة أو الاحتساب في تاريخ العرب الحضاري والمدني، كانا بمنزلة مراقبة التجار وأرباب الحرف لمنعهم من الغش في تجارتهم وعملهم ومصنوعاتهم، فيأخذهم المحتسب باستعمال المكاييل والموازين الصحيحة، وربما سعر عليهم بضائعهم.
بهذه الصورة حاول أكثر المؤرخين تحديد الحسبة التي نشأت في ظل المجتمع المدني العربي، وعلى وجه التحديد في أغلب مدنه وعواصمه. غير أن الفقهاء ذكروا للمحتسب حقوقاً كثيرة: أدبية ودينية وعمرانية وقضائية، وجعلوا منصب الحسبة في أخطر المناصب وأوسعها نظراً، ولو أردنا أن نجد للمحتسب الفقهي شبيهاً في الوقت الحاضر لاضطررنا إلى القول، على حد تعبير واحد من الباحثين: بأنه يشبه رئيس البلدية، ومدير الصحة ومدير الإعاشة، ورئيس الشرطة الأخلاقية، ومدير الشؤون الاجتماعية، بل هو جميع هؤلاء وأكثر.
نشأة الحسبة
في عرضه عن الحسبة في الإسلام، يذكر الدكتور نقولا زيادة أنه كان بين الوظائف التي عرفتها المدن اليونانية، والتي نشرها اليونان في أنحاء الشرق الأدنى، إثر استيلائهم عليه، وظيفة بغسم (آغورانوموس Agoranmos) ويمكن ترجمتها بصاحب السوق. وكان عمل هذا الموظف الإشراف على شؤون السوق من حيث التأكد من صحة الأوزان والمكاييل وجودة المتاجر المعروضة للبيع وسلامة المعاملات. وقد نشر اليونان هذه الوظيفة في المدن التي أنشؤوها أو جددوها، واحتفظ بها الرومان والبيزنطيون وطوروها...
ويضيف الدكتور زيادة قائلاً: وإذاً لقد كان هناك موظف هو صاحب السوق لمدة نحو ألف سنة من فتح الإسكندر إلى الفتح العربي. وهذه الوظيفة كانت بين عشرات من الوظائف الصغرى التي استمرت في المدن دون تبديل أو تغيير. ذلك بأن العرب لم يكن لهم ما يمكن أن يقدموه بديلاً عنها. يضاف إلى ذلك أنهم شغلوا بالحروب والفتوح مدة طويلة. واستمرت هذه الوظيفة التي أصبح المشرف عليها يسمى المحتسب، أيام الأمويين والعباسيين في المشرق، كما عرفت في الأندلس، حيث كان المحتسب يسمى صاحب السوق.
وهناك من الباحثين من يدفع مثل هذا الرأي الذي أخذ به الدكتور زيادة عن بعض المستشرقين، فيرى أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان أول محتسب، لأنه نهى عن الغش، وكان ربما تعرض للغشاش فزجره كما يجد الباحث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام بعمل المحتسب، لأنه كان يطوف الشوارع والأسواق ودرته معه، فمتى رأى غشاشاً خفقه بها، مهما يكن شأنه وربما أتلف بضاعته. وإذ كانت دولة أو مدينة صدر الإسلام غير قادرة على تنصيب موظف مخصوص للحسبة بسبب انشغال العرب بالحروب وأعمال الفتوح، فقد أمكن لنا، بعد تدرج المدينة العربية الإسلامية في الأطوار الحضارية المتقدمة، أن نرى الدولة العربية تعمل على إنشاء منصب الحسبة، ويحاول جميل نخلة مدور، مؤلف حضارة الإسلام في دار الإسلام أن يرد نشأة منصب الحسبة إلى عهد الرشيد، فهو يقول: لما اتسع نطاق التجارة في بغداد، وأصبحت مورداً لأهل الأعواز من البلاد كافة، يتناولون فيها حاجتهم من المال، وقع غش فاحش في التجارة، وصارت الصيارف من اليهود وغيرهم، يعطون مالهم بالربا، على أن يعاد عليهم المثل في آخر العام مثلين وأكثر منه، فأقام الرشيد محتسباً يطوف بالأسواق ويفحص الأوزان والمكاييل من الغش، وينظر في معاملات التجار أن تكون جارية على سنن العدل، حتى لا يتحامل الشرفاء على الوضعاء والأغنياء على الفقراء، إذ الواجب على الملوك أن يمهدوا سبيل الارتزاق لأهل الحاجة أكثر منه للمتمولين المنسلخين للتجارة.
تاريخ الطبري
ومثل هذا الرأي الذي يقول بمنشأ الحسبة في زمن الرشيد، يدفعه ما نقع عليه في تاريخ الطبري، حيث يقول في أخبار سنة 146ه أن رجلاً كان يقال له أبو زكريا، يحيى بن عبد الله، ولاه المنصور حسبة بغداد والأسواق سنة 157ه والسوق في المدينة.
ولا شك أن هذا الخبر يحملنا على الاعتقاد أن منصب الحسبة، كان قد أحدث في أوائل العهد العباسي في بعض العواصم العربية حين بلغت المدن العربية الإسلامية درجة رفيعة من الرقي والحضارة، فاستعيض عن صاحب السوق في دمشق وبغداد والقاهرة بالمحتسب الذي كان يرفع شعاراً مهماً هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول ابن تيمية في وظيفة المحتسب التي أحدثتها الحياة الإسلامية في المدن: أما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة، فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه.