عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

الصوم في اللغة: الإمساك، قال ابن فارس الصاد، والواو، والميم، أصل يدل على إمساك وركود في مكان، وقال ابن منظور: الصوم: ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام.

فالصيام في اللغة مطلق الإمساك عن الشيء، فتقول صام الشخص عن الطعام أو صام عن الكلام إذا أمسك عنهما، ومنه قول الله تعالى فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا (مريم: 26) فقول الله تعالى صوماً أي إمساكاً عن الكلام وتركاً له.

وأما معناه في اصطلاح الشرع فهو: الإمساك عن المفطرات يوماً كاملاً من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس على الوجه المشروع. ولا يكون الصوم على الوجه المشروع حتى يستوفي شروطه وأركانه، لذلك نجد الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى يعرفه بقوله هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ففي قوله هو التعبد لله سبحانه وتعالى أخرج الامتناع عن الأكل والشرب وسائر المفطرات لغرض آخر غير الامتثال لأمر الله تعالى بالصيام كالإمساك عن المفطرات لعذر المرض أو نحوه، وفيه أيضاً إلزام الصائم بالنية سواء قلنا إن النية شرط كما يقوله الحنفية والحنابلة، أم قلنا إنها ركن كما يقول المالكية والشافعية فالخلاف بينهم اصطلاحي لا تأثير له في المعنى المراد من الصوم، لأن الصوم لا يصح حتى يكون مستوفي الشروط والأركان، ولا تقع عبادة يكتب لها القبول إلا بها، وقال الشيخ رحمه الله تعالى سائر المفطرات ولم يقل كما جاء في بعض التعريفات للصوم بأنه الإمساك عن شهوتي البطن والفرج أو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، لوجود مفطرات أخرى اختلف فيها كالإبر المغذية وقطرة العين ونحو ذلك فشملها التعريف على أن يترك التفصيل في حكمها عند الكلام عن أحكام الصيام.

تزكية النفس

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه فيه إشارة إلى مفهوم الصوم الذي تسقط به الفريضة وهو الإمساك عن المفطرات كالأكل والشرب فقوله صلى الله عليه وسلم فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه أي لا يلتفت لهذا الامتناع عن الأكل والشرب لأنه ليس مقصوداً في ذاته وإنما لحكمة من ورائه ينبغي أن يظهر أثرها في سلوكه، وهذا ما أرشد إليه الله عز وجل في قوله يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (البقرة: 183) فالصوم فرض لتزكية النفس، وليكون عوناً للإنسان على عدوه اللدود الشيطان الرجيم لذلك فإن من لم يدع القول الباطل والعمل الفاحش فإن الله عز وجل لا يلتفت لعمله ولا يقبله منه قال القاضي: المقصود من الصوم كسر الشهوة وتطويع الأمَّارة، فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه ولم ينظر إليه نظرة عناية، فعدم الحاجة عبارة عن عدم الالتفات والقبول، وكيف يلتفت إليه والحال أنه ترك ما يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب وارتكب ما يحرم عليه في كل زمان.

فالله عز وجل يشرع لعباده ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه غني عنهم وعن عبادتهم قال الله تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليما (النساء: 147)، فالصوم عبادة فيها رياضة للنفس على التحلي بمحاسن الأخلاق، والله تعالى لم يفرضه ليشق على عباده، وإنما فرضه ليقربهم منه ويثيبهم عليه أحسن الثواب.

لذلك قسم بعض العلماء الصوم إلى ثلاث مراتب: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، وهذا التقسيم جاء به الغزالي في الإحياء وتبعه على ذلك ابن الجوزي في منهاج القاصدين وتبعهما المقدسي في مختصر منهاج القاصدين وهي عبارة تنقل عن صدقة السامري طبيب الملك الأشرف أنه قال كل الطاعات ترى إلا الصوم لا يراه إلا الله، وهو ثلاث درجات: صوم العموم وهو كف البطن والفرج عن الشهوات، وصوم الخصوص: وهو كف السمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص: وهو صوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية.

لا شك أن الصوم درجات وأن لكلٍّ درجات مما عملوا، فحسب إخلاص النية في الصيام، وتحقيق المقصود منه يكون الأجر والثواب اللهم اجعلنا من أهل الصيام والقيام ولا تحرمنا دخول الجنة من باب الريان.

وفي الحديث فوائد منها:

1- الترهيب من مساوئ الأخلاق وللصائم على وجه الخصوص.

2- أن الصيام الذي يرجى منه عظيم الأجر هو الصيام الذي يتحلى صاحبه بمكارم الأخلاق.

3- ان صوم رمضان فرصة لتزكية النفس وتعويدها على محاسن الأخلاق.

4- خطورة الأقوال والأفعال السيئة، وأثرها الضار في عبادة الصيام.

5- ان الأخلاق السيئة تبعد صاحبها عن الله عز وجل.

[email protected]