معن بن زائدة الشيباني من بكر بن وائل، قائد عربي شهير، كان من ولاة أبي جعفر المنصور، أدرك العصرين الأموي والعباسي، ولي اليمن وولي سجستان ثم قتل غيلة عام 768 من الميلاد أي في عام 151 من الهجرة، على يد الخوارج عندما كان يحتجم .

ما يروى عن سرعة بديهته واستحضاره للرد المناسب في الوقت المناسب، أنه لما تملك آل العباس، اختفى معن بن زائدة مدة، والطلب عليه حثيث، فلما كان يوم خروج الراوندية والخراسانية على المنصور، وحمي القتال، وحار المنصور في أمره، ظهر معن وقاتل الراوندية، فكان النصر على يده وهو مقنع في الحديد، فقال المنصور: ويحك من تكون؟ فكشف لثامه وقال: أنا طلبتك معن، فسرّ به المنصور وقدّمه وعظّمه ثم ولاه اليمن وغيرها .

وذات يوم دخل معن على المنصور، فقال المنصور لمعن: كبرت سنك يا معن .

فقال معن: في طاعتك، قال المنصور: إنك لتتجلّد، قال معن: لأعدائك، قال المنصور: وإن فيك لبقية، قال معن: هي لك يا أمير المؤمنين .

ومما يروى عن حلمه وكرمه، أن أعرابياً دخل عليه، وأراد أن يستفزّه ويغيظه بعد أن قيل عنه بأنه لا يُغيظ ولا يغاظ، فجلس بين يديه ماداً رجليه في وجهه، وكان قد لبس جلد جمل كان ذبحه وسلخه، ولايزال اللحم والشعر عالقين به .

قال الأعرابي لمعن وهو في تلك الحالة:

أتذكر إذ لحافك جلد شاة

وإذ نعلاك من جلد البعير؟

فقال معن: نعم أذكر ذلك، ولا أنساه يا أخا العرب، فقال الأعرابي:

ونومك في الشتاء بلا رداء

وأكلك دائماً خبز الشعير

قال معن: الحمد لله على كل حال، قال الأعرابي:

وفي يمناك عكاز قوي

تذود به الكلاب عن الهرير

قال معن: ما خفي عليك خبرها؟ إنها كعصاة موسى، فقال الأعرابي:

فسبحان الذي أعطاك ملكاً

وعلّمك القعود على السرير

قال معن: سبحانه لا إله إلا هو، فقال الأعرابي:

فلست مسلّماً ما دمت حياً

على معن المسمّى بالأمير

قال معن: ذلك إليك، إن شئت تسلم، وإلا فلا تسلم، فقال الأعرابي:

ولا آتي بلاداً أنت فيها

ولو نلت الشآم مع الثغور

قال معن: ذلك إليك، إن شئت تقيم، وإلا فارحل، قال الأعرابي:

فجد لي يا ابن ناقصة بشيء

فإني قد عزمت على المسير

قال معن لخادمه: يا غلام ادفع إليه ألف دينار، فقال الأعرابي:

قليل ما مننت به وإني

لأطمع منك بالشيء الكثير

قال معن: يا غلام ادفع له ألفاً آخر، فقال الأعرابي:

فثلث إذ ملكت الملك رزقاً

بلا عقل ولا جاه خطير

فأمر له معن بألف آخر، فكأن الأعرابي استحى فقال:

فأنت المرء ليس له كفاء

ومن جدواه كالبحر الكبير

قال معن: قد أعطيناه على هجونا ثلاثة آلاف درهم، فأعطه يا غلام على مدحنا ثلاثة آلاف أخرى، فحمل الستة آلاف وانصرف .