في هذا الشهر الكريم تحققت للنبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) إحدى أهم الأمنيات، وهي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، التي أقام دعائمها سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام، وفي هذه الليلة كما ورد في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نزل قوله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلةً ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام (سورة البقرة: 144).

وشهر شعبان، شهرٌ تشعبَ الخير فيه، آثره النبي الأعظم بعنايةٍ خاصة، ورويت حول مكانته أحاديث عدة، تُضفي عليه مكانةً وقدسية، صام فيه من الأيام، ما لم يصُمه في غيره من الشهور إلا رمضان، ولهذا الشهر المبارك، فُرصٌ سانحات، ينتهزها المؤمن فيُشغلُها في طاعة ربه، الذي بابه لا يُغلق، والذي رحمته وسعت كل شيء، والذي يقول في الحديث القدسي: (من تقرب إلي شبراً، تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً، تقربت إليه باعاً، ومن أتاني ماشياً أتيته هرولة).

انه شهرٌ عظيم وموسم من مواسم الأعمال الصالحة يغفلُ الناس عنه بين رجب ورمضانَ ولا يعمل فيه إلا من وفقه الله تعالى، فعن أُسَامَة بْن زَيْد قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنْ الشهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ الناسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأعمَالُ إِلَى رَب الْعَالَمِينَ فَأُحِب أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ (رواه النسائي).

تحويل القبلة

ظل رسولنا صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون ستة عشر شهراً يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم تحققت أمنيته صلى الله عليه وسلم بأن يتجه إلى الكعبة المشرفة، وفي هذا ما فيه من أبعاد مهمة، ومعان كبيرة، منها أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وبين قبلة المسلمين التي هي الكعبة المشرفة، وبالتالي فإن في هذا إيحاءً لكل عربي ومسلمٍ في أي مكان كان، أن يعرف واجبه، ويدرك مسؤوليته تجاه مقدساتنا التي دنسها الصهاينة في فلسطين، فما زال هؤلاء المجرمون، يتلذذون بقتل شعبنا الصامد هناك في القدس، لقد رأينا من بطولات هذا الشعب العربي المسلم في فلسطين، ما قرأناه وسمعناه عن بطولات سلفنا الصالح، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على بداية الصحوة الإيمانية الإسلامية، التي هي ملاذُنا الوحيد إلى النصر والتحرير، فما انتصر العرب عبر القرون الماضية إلا بالإسلام، وما انهزموا إلا عندما أعرضوا عن الإسلام.

وتحويل القبلة من الحوادث الفارقة، والنقاط الحاكمة، في توجيه مسيرة الأمة المسلمة، على مستوى الانتصارات والبطولات أو حتى على مستوى الانكسارات.

تنقية الصف المسلم

نعم.. تحويل القبلة من علامات الأمة الظاهرة في تميز الصف المسلم، وتنقيته من الخبث، تماماً كما كانت رحلة الإسراء والمعراج، وكما كانت سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه وما تبعها من قتلٍ في الشهر الحرام، وكما كانت غزوة أحد، وكما كانت أحداث الحديبية، وكلها تصب في سياق التطهير وتنقية الصف المسلم.

أخرج الإمامان البخاري ومسلم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه الليلة، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى القبلة: الكعبة.

إن الأمة التي شاء الله تعالى لها أن تكون الأمة الوارثة المستخلفة في الأرض والتي تحمل الأمانة وتشهد على العالَمين: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمةً وَسَطاً لتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة: 143)، هذه الأمة أراد لها الله تعالى أن تنفرد بحس إسلامي رباني مميزٍ، فاتجاه المسلمين إلى بيت الله الأول هو تميزٌ للمسلمين، هو وراثة الفضل من الله تعالى، فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ودعوا له بالأمن والرزق والبركة والحفظ لهو السياق الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده عليه السلام مع ربه سبحانه، وهو المنهج الذي يميز أمة الشهادة، فيربطها بأصولها وتاريخها وعقيدتها، ويمنحها القيادة التي خُلقت لها وأُخرجت للناس من أجلها، فلها تميز في الجذور والأصول، وفي الأهداف والغايات، وفي الراية والوجهة، وهذه الخصوصية وذلك التميز هما ما كان يسعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو الله تعالى لأجل الحصول عليه.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أول ما نُسِخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: قَدْ نَرَى تَقَلبَ وَجْهِكَ فِي السمَاء إلى قوله: فَوَلواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (البقرة: 144-150)

إن الخصوصية والتميز ضروريان للجماعة المسلمة، في التصور والاعتقاد، وفي القبلة والعبادة، وفي كل شيء.

التسليم الكامل للخالق

وكانت حادثة تغيير القبلة اختباراً لمدى قدرة الأمة المسلمة على التسليم لكل ما يجيء به دينها، ولمدى إمكانية أن تغير ما في نفسها كي تؤمن وتطيع وتلتزم، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتبِعُ الرسُولَ مِمن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ (البقرة: 143) وهكذا يجب أن يكون لهذه الحادثة اليوم آثارها في نفوسنا وفي علاقاتنا بالآخرين.

وقد وصف الله تعالى هذه القدرة على تخليص النفوس بأنها كبيرة: وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الذِينَ هَدَى اللهُ (البقرة: 143)، أي أنها ليست كذلك على الذين هدى الله تعالى، فمع الهدى لا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها أي رداءٍ سوى الإسلام، وأن تنفض عنها رواسب الجاهلية، وأن تتجرد لله تعالى تسمع منه وتطيع، وحيثما وجهها الله تعالى تتجه.

هذه الطاعة، وذلك التسليم، الذي أقسم الله تعالى بنفسه على نفي الإيمان عمن لا يملكه في قوله تعالى: فَلاَ وَرَبكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتىَ يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُم لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مما قَضَيْتَ وَيُسَلمُواْ تَسْلِيما (النساء: 65).

وقد نجحت الأمة المسلمة في هذا الاختبار، وفي قدرتها على التسليم وعلى تغيير النفس، وتعاملنا اليوم مع هذه الحادثة يجب أن يكون بمنطق التحويل الذي حدث بسببه تحويل القبلة، بأن نخلع عن أنفسنا كل ما يعوق التزامنا بتعاليم ديننا، وهكذا كان لتحويل القبلة آثارٌ كبيرةٌ في حياة الأمة المسلمة في داخلها، وفي علاقاتها مع الآخرين.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلناسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إِلا الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأتِم نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلكُمْ تَهْتَدُونَ (البقرة: 150).

العلاقة الوثيقة بالكعبة

والحقيقة أن هناك علاقة وثيقة بين رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم والكعبة المشرفة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشعر - حسب فطرته التي فطره الله عليها منذ الأزل - بهذا، ويود التوجه نحو الكعبة ويحن إلى هذا، وهذا التوجه والحنين شرحه القرآن الكريم: (قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهكَ فِي السّمَاء).

أما هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من تقليب وجهه في السماء فهو رغبته في أن يضع الله تعالى حكماً جديداً في موضوع تحويل القبلة. أجل كان ينتظر نبأَ من السماء لذا نرى أن الآية في عقبها تبلغه البشارة (فَلَنُوَلّيَنكَ قِبْلَةً تَرضَاهَا). والظاهر انه من الصعب فهم هذه الحقيقة. ولا يفهمها إلا شخص كالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يدرك هذه العلاقة الوثيقة بينه وبين الكعبة حق الإدراك بفطرته.

أجل كانت لحقيقة الكعبة علاقة وثيقة به. ولكن كانت مسألة التوحيد التي هي سبب بعثته أهم بكثير جداً من قدسية الكعبة ومن كونها قبلة للصلاة، لذا توجه الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة في صلاته نحو المسجد الأقصى واستمر على هذا مدة أخرى في المدينة كذلك.

أما يهود المدينة فإنهم بدأوا يدعون- انطلاقاً من كون قبلة المسلمين نحو المسجد الأقصى - أنهم هم الأصل وأن المسلمين تابعون لهم لكي يجعلوا من هذا الموضوع حجة لدينهم. ولو شاء الرسول صلى الله عليه وسلم لحول القبلة إلى الكعبة عند أول وصوله إلى المدينة، ولكنه لم يكن يتصرف بمشيئته وبرغبته، بل كان على الدوام متعلقاً بالله مخلصاً له في كل شأن من شؤونه ينتظر الأوامر منه، مرجحاً هذه الأوامر على رغبات قلبه، فقد كان إنسان الذروة يستشرف أبعدَ الآفاق الإنسانية إلا أنه لم ينسَ كونه عبداً رسولاً يأتمر بأمر الله تعالى.

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام - بتوجهه في الصلاة شطر المسجد الأقصى - بإشعال نور الهداية في قلوب العديد من اليهود أمثال عبد الله بن سلام. ويحتمل أن صفة الرسول هذه كانت مذكورة في كتبهم.

سقوط دعاوى المشركين واليهود

على أي حال فقد كان هناك بعض اليهود الذين اهتدوا إلى الإسلام. وبعد ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً من هذا التوجه شطر المسجد الأقصى تم المقصود، ولم يبق في يد هؤلاء الناس أي دليل يستطيعون استعماله ضد المسلمين. أي لم يعد بمقدور المشركين القول: انتم تتوجهون نحو الكعبة المملوءة بأصنامنا، إذن فإن ديننا هو الأصل ولا بمقدور اليهود القول: انتم تتجهون إلى قبلتنا، إذن فديننا هو الأصل.

في مثل هذا الجو جاء الأمر الإلهي بالتوجه شطر المسجد الحرام فحقق الوصال بين ذات الرسول صلى الله عليه وسلم وذات الكعبة المشرفة.

وفي ختام الآيات المذكورة يقول تعالى وَلأتِم نِعْمَتِي عَلَيْكُم أي أن توجهكم في الصلاة شطر المسجد الأقصى كان نعمة، ولكن النعمة الأصلية الكبرى كانت في لقاء الأحبة، أي التقاء الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة بالكعبة المشرفة، ومن هناك العروج فيما بعد إلى سدرة المنتهى ليحظى بالنعمة الإلهية وجهاً لوجه، وهذا يمكن فقط بالتوجه شطر الكعبة. وهكذا يكون الله تعالى قد أتم نعمته، وهو شرف اختص به الله هذه الأمة التي أسبغ عليها رحمته.