حرية الإنسان في العمل والكسب والتملك من أعظم الحقوق التي كفلها الإسلام لبني الإنسان، بل اعتبرها حرية مقدسة وحقاً واجباً وفريضة إنسانية عامة لا يجوز لأحد مصادرتها أو تقييدها، كما اعتبر الفكر الإسلامي صيانة المال الخاص كصيانة النفس الإنسانية وحماية الوطن والعقيدة والعرض والكرامة، ولهذا فإن من مات دون ماله فهو شهيد في شريعة الإسلام.
حرية العمل والتملك في الأصل مصونة بشكل مطلق، غير أن الإسلام حماها ببعض الضوابط التي تؤكد في الواقع مثالية الحرية الإسلامية بشكل عام وحرية الإسلام في المال والكسب بشكل خاص، لأن هذه الضوابط توسع في الحقيقة حرية استغلال المال، وتتيح فرصاً أكبر لاستثمار طاقة الإنسان، وتؤكد وظيفة العمل والمال في تأمين الإنسان وزيادة العمران وتحقيق النهضة والتمكين الرشيد للإنسان في الأرض.
وتعد حرية العمل كما يقرر الدكتور محمد عبدالحليم عمر أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الأزهر في التصور الإسلامي من لوازم الفطرة الإنسانية والبدهيات الشرعية والأمور المعلومة من الدين والدنيا بالضرورة، ولهذا فإن الإسلام لم يقف طويلاً أمام النص على حرية العمل، كما فعلت بعض مقررات حقوق الإنسان العالمية، بل وقف أمام ما هو أعمق حين شدد على إتقان العمل، وأهمية المال في العمران، وتوظيف الكسب الحلال، ودقق في كل مراحل العملية الاقتصادية بدءاً من عناصر الكون في الأرض والسماء، وخلق الإنسان باحتياجاته المادية والسعي إلى الرزق في الحياة، وكل أوجه الإنتاج والاستثمار والإنفاق، وأنا ألاحظ أن إلحاح الإسلام على حرية الكسب وحماية حرية العمل والتملك قد تجسد في مئات بل آلاف التدابير والحقائق التي ساقها الإسلام في نصه الشرعي وفي فكر علمائه وتطبيق المسلمين لهذا الحق وتلك الحرية.
وحرية العمل ظاهرة في نعم التسخير والرزق المبسوط في الكون، يقول القرآن الكريم: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار.
كما هي ظاهرة في نعمة الصحة والبدن والعقل الممنوح للإنسان ليتعامل مع نعم الله المقدرة التي لا تحصى، يقول الحق: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، لقد خلقنا الإنسان في كبد، أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء.
الثواب والعقاب
تأكيداً على حرية العمل يضيف الدكتور عمر جعل الإسلام العمل مقياس الحساب والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
كما حث على أن يعمل كل إنسان حتى يكسب من عمل يده، وفي الحديث، ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده .كذلك لم يحقر الإسلام أي حرفة أو عمل يظنه البعض عملاً صغيراً، حيث قال عليه السلام: لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه ويقول: إن الله يحب العبد المحترف بل قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يدا ورمت من كثرة العمل وقال: تلك يد يحبها الله ورسوله .
وتبدو حرية العامل في الفكر الإسلامي، حيث يجب أن يعطي حقه، ولا يظلم في عمله، وأن يعمل في ما يجيده، ولا يجوز إكراهه على عمل أو تكليفه فوق الطاقة، وعليه فإن الإسلام مع كل التدابير القانونية الحديثة التي توضع لتقنين حق العامل وحماية حريته في الكسب والإتقان، ومن الأحاديث ذات الدلالة في هذا الموضوع قوله عليه السلام: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، من استأجر أجيراً فليسم له أجره وفي الحديث: إخوانكم خولكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يبلس ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، فإذا كفلتموهم فأعينوهم، وفي حديث ابن حنبل: من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ له خادما أو ليس له دابة فليتخذ دابة.
المال مقدس
ومن مظاهر حرية الكسب أيضاً كما يقول الدكتور عمر إن الإسلام حرم أي صورة من صور الاعتداء أو الجور على حق العمل وثمرة الكسب والرزق الحلال، فالمال مقدس في التصور الإسلامي، ولا يجوز الاعتداء عليه، بل حد الإسلام حد السرقة لمن يتجاوز على مال الناس ويعتدي عليه بالسرقة، وفي الحديث: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، وفي حديث ابن حبان وغيره: لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا بغير طيب نفس منه، وفي القرآن: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراض منكم، ويقول الحق مقررا عقوبة السارق: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم .كذلك فتح الإسلام الباب أمام كل جهد بشري ظاهر أو كامن، مادي أو معنوي، يفيد الناس في معاشهم ومعادهم، وتستقوي به الأمة على حاجات الذات ورد عدوان الآخر المعتدي، فكل وسيلة كسب متاحة ومباحة ومصانة، وكل مجالات الفكر والمعرفة مقدرة، وكل مكونات الأرض هي مجالات خصبة للعمل والكد والإنتاج، والنظر العلمي والعملي واجب كما في قوله تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، صنع الله الذي أتقن كل شيء .والقوة العسكرية مطلوبة: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.
أهمية التجارة
في مجال الحث على الزراعة، قال عليه السلام من بين ما قال: من أحيا أرضا ميتة فهي له .وفي الحديث: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها.
وقد جعل الإسلام كما في الحديث: تسعة أعشار الرزق في التجارة، وفي الحديث: التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
وفي تصوري أن قمة حرية العمل والكسب في الفكر الإسلامي، أن الخالق جعل كل مصادر الرزق بيد الله، ثم منح الإنسان حرية الكسب، ثم قرن هذا الكسب والإنفاق بمرضاة الله وجنته الواسعة، فنقطة البدء وهي مصادر الرزق في يد الله، وثمرة الإنفاق ثوابها من الله، وبين هذين المعنيين أطلق الإسلام حرية الإنسان في الكسب والإنفاق والمال والاستثمار، والمعنى الذي أريد أن أقوله أن إيمان الإنسان بأن الرزق بيد الخالق وأن مصادر الرزق بيد الخالق وأن مال الإنسان وما أنفق لله الواحد الأحد، في الواقع هي توسعة لحركة الإنسان في الكون وتأكيد لحرية العمل والكسب والإنفاق التي لم يجعلها الله في يد مخلوق حتى لا يتحكم من خلالها في الناس ويقيد عليهم حرية الحركة والتملك.
الملكية الخاصة
من جانبه يتوقف الدكتور حسين شحاتة، أستاذ الاقتصاد الإسلامي المعروف، أمام جانب مهم من جوانب حرية العمل والكسب في الإسلام، ويعني به حرية التملك الخاص وعدم الحد منه بوسائل تعسفية أو مصادرته كما تفعل بعض الأيديولوجيات الاقتصادية المعروفة .ويقول: قبل أن أؤكد حق الإنسان في الملكية الخاصة، أحب أن أقرر هنا، أن هذه الحرية لا يجوز قياسها بالرأسمالية الغربية التي قامت على الحرية الفردية، ولا قياسها بالاشتراكية التي قامت على مصادرة حرية الفرد في التملك، لأن الرأسمالية أو الاشتراكية كانت رد فعل عنيفاً لأوضاع جائرة، وقد ثبت تناقضها أو فشلها الذريع، ولأن الرؤية الإسلامية شديدة التوازن ولا تنطلق من منطلقات حادة كغيرها.
والملكية الخاصة مصونة في الإسلام، والجهد الفردي هو الأساس في الكسب الحلال، وأن الإنسان له ثمرة ما سعى به وإليه: ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم .للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، كما فطر الله الخلق على حب التملك: وإنه لحب الخير لشديد، ولا يجوز التعدي على هذه الملكية، وفي الحديث: من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان، وفي الحديث أيضاً: كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله.
إذاً، فالثابت شرعاً أن الملكية الخاصة هي الأصل في الإسلام، وأن حرية التملك مفتوحة، وليس هناك حد أقصى لهذا التملك إلا في نطاق الشرع والحلال والعدل والمصلحة التي تقدر بقدرها، وما دام الإنسان قد اكتسب من حلال واستثمر في الحلال وأنفق في الحلال، فلا يحق لأحد مصادرة ماله .والمجتمع الإسلامي يطبق هذا منذ كان، حتى رأينا في صدر الإسلام أناسا شديدي الفقر كما رأينا أناسا شديدي الثراء، كعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف، كل حسب كده وعمله ورزقه.
المؤمن القوي
المجتمع الإسلامي في سياق صيانته للملكية الفردية، أياً كانت، تجده دائماً يعمل على توفير حد الكفاف للفقير كما لا يمانع في توفير حق الكفاية والرفاهية للإنسان، أي إنسان يعيش على أرض هذا المجتمع الإسلامي.
ويقول الدكتور شحاتة، من لا يعمل ولا يملك، يعمل الإسلام بقوة على أن يعمل ويتملك، هو بنفسه أو بعشرات الوسائل الأخرى التي من حكم المولى أنها تساعد على نقل الملكية وتوفير فرص العمل للآخر المحتاج، فالفقير يبحث عن العمل، ويكد في كسبه، والغني يوفر له فرص العمل بالاستثمار الحلال، أو بالصدقات والزكوات وتدريبه على العمل، والمجتمع المسلم كله مفروض عليه أن يكفي لأفراده الحد الأدنى من المعيشة في المأكل والمشرب والملبس والصحة والتطيب .وهذا ثابت في الفكر الإسلامي كما هو واضح في عشرات النصوص الشرعية، وفي الحديث: ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه طاو .أي طاوي بطنه جوعاً .وفي الحديث كذلك: أي رجل مات ضياعا فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله.
وروى أبوسعيد الخدري: كنا في سفر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل (يعني زيادة) زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، وأخذ الرسول يعدد أصناف الأموال حتى ظننا أننا ليس لنا من أموالنا إلا ما يكفينا .وفي الوقت نفسه فإن وفرة المجتمع ورفاهية الناس وكثرة نعم الله على عباده، من غايات الإسلام العليا، فالتمتع بنعم الله والثراء الواسع لا قيد له إلا شرع الله .والمؤمن والمجتمع القوي الغني المرفه خير من المؤمن أو المجتمع الضعيف الفقير المتكفف.
ويلفت الدكتور حسين شحاتة الأنظار إلى حقيقة بالغة الأهمية وهي أن تدابير الإسلام في توزيع الأموال والثمرات على بعض الناس ليست إطلاقا قيدا على العمل أو حدا من الثراء والكسب، ويوضح أنه بعد أن صان الله للإنسان حق العمل والثراء، حمى الآخرين من طغيان المال أو سطوة صاحب العمل، سن الإسلام عشرات السنن التي تحد من هذا الطغيان وهي في الوقت ذاته تفتح مجالات العمل للآخرين وتوفر لهم الكسب الحلال .وعليه، حذر الإسلام من الثراء الفاحش الذي يحتكر فيه البعض المال كما وضح في بعض هذه الآيات: كلا، إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى.