ليس معقولاً أن يحمي الإسلام حرية الإنسان في دينه وفكره وماله وسياسته، ولا يحميه في فنه وخياله وإبداعاته، ولهذا صان الفكر الإسلامي حرية الإقناع والإبداع وجمال الصور والرسوم والنقوش وجلال الكلمة والتعبير والبيان، كما فتح الباب واسعاً للخيال العقلي والحركة الجسدية المصورة والإحساس الروحي والمشاعر الإنسانية النبيلة، عبر القصة والشعر والمسرح والخطابة وغيرها من فنون التعبير الموحي عن الإنسان والكون والحياة . وصيانة الإسلام للفن والإبداع ليست تقليداً مفتوحاً للآخر في فنه وإبداعه، بل تأكيد لخصوصية الإسلام في فنه وأدبه وفي بناء الإنسان في شخصيته وأخلاقه وسلوكه وروحانياته ومشاعره وأحاسيسه .
إذن، كيف صان الإسلام عبر نصه وتاريخه وتجربته الإنسانية الطويلة حرية الإبداع؟ وكيف نرد الآن دعاوى البعض على المسلمين من أنهم يقاومون الإبداع ويناهضون الفن؟
نقطة البدء في هذا الصدد، كما يقرر الدكتور علي صبح، أستاذ الأدب والنقد في جامعة الأزهر تتمثل في أن التعبير الفني عن الإنسان والكون جزء لا يتجزأ من التكوين الإنساني، كما خلقه رب الكون، فالإنسان يتفنن بعقله وحواسه وروحه المخلوقة من الله في المادة المخلوقة من الله، ولهذا فإنه من الناحية المبدئية فإن الفن يخدم الدين، وجزء من وظيفته، ولفظ الإبداع ورد هكذا في القرآن: بديع السماوات والأرض فالله أبدع الكون ومنه الإنسان، وللإنسان بما أبدعه الله فيه أن يبدع ويتفنن ويتجمل في ما حوله ولمن حوله .
ويضيف الدكتور صبح: وفي تصوري أن الشبهات التي يرد بها البعض حول رفض الفكر الإسلامي لحرية الفن سببها ليس فقط جهل بعض خصوم الإسلام حقيقة هذا الدين أو تطرف بعض المسلمين ضد الفن وفنونه، بل السبب البارز هو الاعتقاد الخطأ بأن الدين مجال والفن مجال آخر متناقض معه وربما يناهضه .
والحق أن كليهما مجاله واحد هو الإنسان، فالدين مجاله الأعظم هو الإنسان في تكوينه الروحي والعقلي والبدني والنفسي والسلوكي، والفن في إجمال هو تعبير ينفعل به الفنان عن قيم الإنسان والكون والأحداث، ولهذا رأينا الأدب في اللغة العربية بمعنى التهذيب الأخلاقي، ورأينا الثقافة في الأصل اللغوي اللاتيني تعني الدين، ورأينا الدين والفن معنيين في الأساس بالخصوصية الجوانية الروحانية للإنسان، بل رأينا وسائل التعبير الأولى مثل الرسوم والنحت والرقصات الصامتة والحركية موجودة داخل المعابد، وجزءاً من الممارسة والشعائر الدينية .
نور على نور
في التصور الإسلامي يضيف الدكتور صبح صار الكون كتاباً فنياً مفتوحاً، يبدع فيه الفنان المسلم، والقرآن ساق عشرات الآيات التي تلفت عقول وحواس وأحاسيس الإنسان نحو هذا الجلال والجمال والإمتاع، فيقول الحق: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون، وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، ويقول الحق : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون .
وغير هذا في نحو ثلاثمئة وستين موضعاً، يلفت القرآن الأنظار إلى مظاهر كونية وبدنية ونفسية شتى للإبداع والجمال والخيال العلمي والروحي .
الجمال والفن الإسلامي
والجمال والفن الإسلامي لا يقتصر كما يؤكد الدكتور علي صبح على لوحة لجسد ما أو قصيدة بمعنى ما، ولكنه جمال يلف الكون كله بما فيه ومن فيه وبما فيه من ماديات وروحانيات غير متطورة .
فالنظافة في الإسلام جمال، ولكنها نظافة ليست مقتصرة على النظافة الحسية بل تتعداها إلى النظافة المعنوية والروحية والسلوكية، فالقرآن مثلاً يلفت النظر لجمال الزينة وطيبها، فيقول الحق في القرآن الكريم: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون .
والنظام في الإسلام فن وجمال، وهو فن أوجب الإسلام على الإنسان أن يلاحظه ويسجله بكلماته ورسومه وعقله ولسانه في أكثر من جانب، نلاحظ هذا في مثل قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم هكذا الطيور والحيوانات بها هذا القدر من الجمال والحركة والإبداع والتقدير، التي صارت معه كأمة الإنسان، وفى دلالة أخرى يقول الخالق: أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون، هذا المطر والسحاب وهذا الماء والنظافة والنظام من مظاهر الإبداع والجمال .
قيمتان رائعتان
فضلاً عن هذا قدم الفن الإسلامي تجسيدات رائعة لروح الإنسان وعقله ولسانه وقلمه، فالأدب العربي الإسلامي واسع ومتعدد، ورصد الأديب المسلم بالكلمة والعبارة وبالخطابة والمقالة وبالقصة والأقصوصة والرواية، وبالصور والرسوم والبيان، مظاهر شتى للتعبير الإنساني الجميل في حالات الحب والحرب وفى العواطف والأحاسيس وفى رصد الأحداث والوقائع، وفى الخيال والواقع .
وكم تناول الأدب الإسلامي العلاقات العاطفية وأفعال الخير والشر، لأنه أدرك طبيعة النفس الإنسانية كما أشار إليها القرآن في مثل قوله تعالى: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، كذلك فعل مع الطبيعة ومع أحداث المجتمع ووقائع السياسة والحروب .
وفى يقيني أن أبرز ما قدمه الإبداع الإسلامي في مجال الأدب بشكل خاص هو تجسيده قيمتين رائعتين لا تزال البشرية في حاجة ماسة إليهما، وأعني بهما قيمة الحرية وقيمة الالتزام في وقت واحد .
فالأديب المسلم حر بحرية الإنسان وبملكاته التي أبدعها الله فيه وبرسالة الإسلام التي جاءت لتحرير البشر من كل العبودية والكهنوت والجبن والعجز، ولكنها حرية ملتزمة تبدع أدباً يوازن بين العقيدة والفكر وبين المادة والروح، وبين الطبيعة وما وراء الطبيعة، وبين المتعة الحسية والمتعة العقلية، كما يوازن بين المصلحة الذاتية والمصلحة العامة وبين التجربة والموروث الثقافي، وبين الحضارة الإسلامية والحضارة الإنسانية، حيث لم يعكس الإبداع الإسلامي هذه العقد والعنصريات التي عكسها الأدب الغربي في طابعه العام .
العمارة . . حضارة
امتداداً لهذه الحقائق يشير الدكتور صابر عرب، أستاذ الحضارة، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى إبداعات الحضارة الإسلامية في مجالات فنون الرسم والتصوير والعمارة والخط العربي والنحت، ويقول: لدينا تراث فني رائع، تحتضنه عواصم العروبة والإسلام كما في بغداد ودمشق والقاهرة ومكة والمدينة وطهران ومراكش وطشقند وأنقرة وغيرها .
وهذا التراث الفني أبدعه الفنان المسلم كما انبهر به عشرات الفنانين والمستشرقين في أوروبا، حيث أبرزوا جوانب الإبداع فيه، كما أوضحوا صلة هذه الفنون بالفكر والثقافة والحضارة الإسلامية .
والحقيقة أن جوانب الإبداع في هذه الفنون شديدة الجمال والخصوصية، كما نلاحظه في المتاحف والمدارس والمساجد والقصور ودور الحكم والعمران، كما نرصده في حجم الزخارف والمنسوجات والطرز والجدران والأصباغ، في صناعات الخزف والرسوم والآنية الطينية والزجاجية والمعدنية والكتابات المورقة، وكما أبهرنا جميعاً في مجال العمارة بشكل عام والعمارة المسجدية بشكل خاص، فالنص المعماري المسجدي بقدر ما فيه من روحانيات واضحة، فيه أيضاً إبداعات هندسية وفنية رائعة، كما يظهر في الأبواب والمنابر والكتابات المسجلة والهندسة الوصفية والقباب وكراسي المصاحف والجدران، فضلاً عن فن شديد الإبداع وهو فن الخط العربي الذي جسد مقولة العبادة بالفن أو الفن المتعبد، حيث راح الخطاط المسلم منذ صدر الإسلام وفي البصرة والكوفة والفسطاط حتى حضارة المسلمين في غرناطة وأشبيلية، حيث الحضارة الأندلسية، وكذا في الشرق، حيث الخلافة العثمانية في تركيا وما حولها، كما رأينا البيوت والخانات والوكالات والمدارس تعكس قدراً عالياً من هندسة الخط وعمارة المكان وإبداع الفنان المسلم .
ومن المؤكد أن جل هذه الفنون كانت تلبيةً لإيمان روحي وخلق إسلامي وذهن مبدع ومنفعل بالدين والحياة والناس، ومتأثر بالصور الجمالية المتنوعة التي عكستها صور وآيات القرآن عن الحياة والجنة والنعيم .
وقد لاحظ المستشرقون كما لاحظ غيرهم هذا التأثير الواضح لآيات القرآن في العمارة المسجدية والأرائك والمحراب، خاصة كما في سورة النور: الله نور السماوات والأرض وكذا الصورة القرآنية المعنوية والمادية الرائعة التي أبرزتها آيات سورة الإنسان: ولقاهم نضرةً وسروراً، وجزاهم بما صبروا جنةً وحريراً، متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، ودانيةً عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً .
يعلق المفكر الألماني الذي أشهر إسلامه مراد هوفمان على هذه الآية، فيقول: هذه ظاهرة فذة يعز على المرء إيجاد تعريف أو مثيل لها .
مقترحات عملية
وبرؤية واقعية يشدد الدكتور صابر عرب على أهمية تفعيل العلاقة بين الفن وصوره المتعددة من ناحية، والتصور الإسلامي من ناحية ثانية، إذ لا يجوز أن تستمر بعض الحساسيات أو القطيعة بين دين الإنسان وبعض صور الفن التي من المفترض أنها تعبر عنه .
ويطرح الدكتور صابر عدة مقترحات عملية في هذا المجال، من أبرزها:
أولاً: المراجعة الذاتية لبعض الآراء الشرعية التي قيلت حديثاً وقديماً عن بعض أشكال الإبداع كما حدث مع التصوير حيث ولدت بعض هذه الآراء مواقف متطرفة من بعض الناس داخل المجتمع المسلم، واتخذ بعضهم موقفاً حاداً من بعض مظاهر الفن مثل السينما أو المسرح أو التصوير، ورغم أن هذه الآراء قليلة ومرجوحة بالتعبير الشرعي فإنها لا تزال تمثل أحد أسباب الخصومة مع الإبداع الفني في التصور الإسلامي الإجمالي .
ثانياً: مراجعة بعض أهل الفن أيضاً دوره من ناحية وفهمهم الدين من ناحية، ومن المؤسف أن بعض العاملين في مجال الفن يتجاوزون الأخلاق والأعراف والقوانين ويركزون على السلبيات والعري وإشاعة الفاحشة بين الناس، ومثل هذه النظرة المنفلتة تجعل البعض يزداد كراهية للفن ويتولد لديه اقتناع بأن هذا الفن لا يتواءم مع التدين .
في الوقت نفسه فإن هذا الانفلات قد ينطلق من فهم مغلوط للدين، إذ رأينا البعض يرفض من حيث المبدأ مجرد مراعاة الرؤية الدينية والأخلاقية في أي عمل فني .
ثالثاً: العمل على إيجاد موقف أو نظرية داخل المجتمع المسلم أولاً، توائم عملياً بين التصور الإسلامي للكون والفن والحياة وبين حرية الإبداع، بحيث يمكن القول إن هناك حدوداً دنيا وعليا يعمل في سياقها الفنان بشكل يخدم فنه ولا يتعارض مع مشاعر ورؤى الناس الأخلاقية والدينية .
ولا بأس في أن تمتد هذه المحاولة لإيجاد قواسم إنسانية مشتركة بين المجتمع والفن بمناخه الإسلامي من جانب والنظريات والرؤى الغربية من جانب آخر، وهذه المحاولة ليست حكراً على الإبداع بل هي في الواقع محاولة لرد الدين الموجود للدين على الفن، لأن الفن استفاد كثيراً من الدين، كما أنه لا يزال في حاجة إليه، حتى تتسع دائرة استفادة الكون والإنسان والمادة والروح من فن التدين أو تدين الفن .
رابعاً: تثقيف العامة والخاصة في الداخل الإسلامي والخارج غير الإسلامي بمظاهر الإبداع الإسلامي، عن طريق المعارض والمتاحف والندوات والزيارات الميدانية التي تعكس أصالة الفن الإسلامي وجذوره التاريخية ومساحته الإنسانية الرائعة التي غطى بها كل مناحي الحياة الإنسانية .