الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة منحت الأمة الإسلامية خيرية بين كل أمم الأرض نص عليها القرآن الكريم في قول الحق سبحانه "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" . . ومن صفات المؤمنين التي نص عليها القرآن الكريم: "الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله" .
ومن هنا جعل الإسلام الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وذم القرآن الذين لا يأمرون بالمعروف، ولا يتناهون عن المنكر كما ورد في شأن بني إسرائيل: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"، فشأن الإنسان السوي أن يسعى إلى إصلاح غيره وأن يوصي غيره بالحق والعدل حتى ينال رضا الخالق سبحانه: "والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، فلا نجاة للمسلم من خسران الدنيا والآخرة، إلا بهذا التواصي بالحق والصبر والذي قد يعبر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل مسلم ينبغي أن يكون حارساً أميناً من حراس الحق والخير في الأمة .
من هنا جاء التوجيه النبوي الكريم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" .
غير أن المتشددين وهواة الغلو الديني لا يعرفون أن تغيير المنكر له شروط وضوابط، وأن التغيير باليد ليس مخولاً لأي أحد فمارسوا كل صور العنف والإكراه باسم تغيير المنكر فأخطأوا التصرف وأساؤوا إلى دينهم .
العالم الأزهري، د . محمد رأفت عثمان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يؤكد أن المتشددين والتكفيريين فقدوا طريق الحق والعدل لجهلهم بحقائق الشريعة، ويقتحمون عالماً ليس عالمهم، فهم ليسوا مؤهلين للدعوة وفق منهج الله الذي رسمه لرسوله الكريم: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" .

شروط واجبة

ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء أن هؤلاء المتشددين لا يدركون الشروط الواجبة لتغيير المنكر، وفي مقدمتها أن يكون الأمر الذي ينكرونه محرماً فعلاً، بمعنى أن يكون "منكراً" حقاً، ولا يطلق "المنكر" إلا على "الحرام" الذي تحرمه الشريعة تحريماً جازماً، بحيث يستحق عقاب الله كل من يرتكبه، سواء أكان هذا الحرام فعلاً محظوراً أم ترك مأمور، وسواء أكان الحرام من الصغائر أم من الكبائر . ولا يدخل في المنكر المكروهات، أو ترك السنن والمستحبات، وقد صح في أكثر من حديث أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما فرض الله عليه في الإسلام فذكر له الفرائض من الصلاة والزكاة والصيام وهو يسأل بعد كل منها: هل عليّ غيرها؟ فيجيبه الرسول الكريم: "إلا أن تطوع" حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والله يا رسول الله، لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال عليه الصلاة والسلام: "أفلح إن صدق"، أو "دخل الجنة إن صدق" .
إذاً، لابد أن يكون لهؤلاء الذين يتصدون لتغيير المنكر علم صحيح بالحلال والحرام، وأن يكون المنكر الذي ينكرونه على الناس في درجة "الحرام"، وأن يكون منكراً شرعياً حقيقياً، أي ثبت إنكاره بنصوص الشرع القاطعة .
أيضاً ينبغي أن يكون المنكر مجمعاً على أنه منكر، فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديماً أو حديثاً، بين مجيز ومانع، فلا يدخل دائرة "المنكر" الذي يجب تغييره باليد، وخصوصاً للأفراد .

لا تفتيش في الضمائر

ويؤكد د . عثمان أن الإسلام يرفض التفتيش في ضمائر الناس وأخذهم بالشبهات فلا يجوز اتهام أحد بمنكر من دون أن يظهر هذا المنكر على سلوكه أمام الناس، فالمنكر الذي يحاسب عليه المسلم لا بد أن يكون ظاهراً مرئياً، فأما ما خفي عن أعين الناس، فلا يجوز لأحد التجسس على صاحبه، أو اقتحام داره عليه لضبطه متلبساً بالمنكر، وهذا ما يدل عليه لفظ من (رأى) في الحديث الشريف .
ويؤمن المتشددون الذين يتشدقون بتغيير المنكر بأن التغيير بالعنف هو الطريق الأمثل، وهذا خطأ كبير، وجريمة في حق الدين، لأن التغيير بالقوة من سلطة الحاكم الذي يملك القوة، ولذلك قال الفقهاء إن التغيير بالقوة من صلاحية من يملكها ويقدر على تطبيقها من دون ظلم لأحد . وهذا معنى قوله "فمن لم يستطع فبلسانه" أي فمن لم يستطع التغيير باليد، فليدع ذلك لأهل القدرة، وليكتف هو بالتغيير باللسان والبيان، إن كان في استطاعته .
ولا ينبغي أن يترتب على تغيير المنكر باليد إلحاق ظلم بأحد، ومن شروط جواز التغيير باليد عدم خشية حدوث منكر أكبر منه، أي ألا يخشى من أن يترتب على إزالة المنكر بالقوة منكر أكبر منه، كأن يكون سبباً لفتنة تسفك فيها دماء الأبرياء، وتنتهك الحرمات، وتنهب الأموال، وتكون نتيجة ذلك أن يزداد المنكر أو يحدث فساد في الأرض .
ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء أن الإسلام مع الرفق في معالجة المنكر، ودعوة أهله إلى المعروف، فقد أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفق، وبين لنا أن الله يحب الرفق في الأمر كله .

"الدين النصيحة"


عالم السنة النبوية، د . إسماعيل الدفتار، أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء، يؤكد خروج المتشددين في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نصوص القرآن وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونقدم النصائح المخلصة للآخرين من دون أن نفضحهم أو نجرح مشاعرهم، أو نهينهم، فالمسلم في دعوته إلى تعاليم وأخلاقيات دينه يلتزم بما قاله الخالق سبحانه: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، فالدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال يكون بالتي هي أحسن . . كما يلتزم المسلم في دعوته وما يقدمه من نصائح وتوجيهات دينية بقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" .
فهذا التوجيه النبوي الكريم يرسم للمسلم الطريق الحق لتوصيل رسالة هذا الدين الخاتم من دون إكراه، ووفق المنهج الذي حدده الخالق سبحانه لرسوله الكريم في الآية الكريمة التي تمثل ميثاق شرف الدعوة الإسلامية، ومعنى الدين النصيحة أن الركن الأعظم في الدين هو النصيحة، والنصيحة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل معنى الإخلاص، فالذي ينصح بإخلاص لا يغش، فالإنسان إما ناصح وإما غاش، والمسلمون قوم يخلصون النصيحة بعضهم لبعض، والمنافقون قوم يغشون بعضهم بعضاً .
والنصيحة كلمة جامعة يراد بها إرادة الخير للمنصوح له، قولاً وعملاً، والقيام بوجوه الخير له إرادة وفعلاً، والنبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن تكون العلاقات بين المسلمين بعضهم بعضاً قائمة على النصح والإخلاص والصفاء، لا على الغش والخداع، على قول الحقيقة وليس قول الزور . ولهذا فإن الصحابة حينما سمعوا هذه العبارة "الدين النصيحة"، أحبوا أن يعرفوا من الذين تكون لهم النصيحة؟ ولمن يكون النصح؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن النصيحة لكل مَن بينه وبين الإنسان علاقة مادية أو معنوية .

حق يراد به باطل

الشيخ علي أبو الحسن الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر، يؤكد أن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أكثر الأمور التي شهدت لغطاً كبيراً في عالمنا العربي والإسلامي، ويقول: لا أعتقد أن هناك قضية حق أراد بها المتشددون باطلاً مثل قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . فبعض الشباب المتطرف مارسها بجهل، أو بحسن نية أحياناً، أو سوء قصد أحياناً أخرى، فأساء لنفسه ولدينه ولمجتمعه وغرس من حيث لا يدري بذور العنف والإضرار بالمجتمع .
ويرى الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر، أن هناك سوء فهم قد صاحب الحديث عن الأمر بالمعروف، بسبب الهوى الذي فهم به البعض النصوص الشرعية، أو نزعها من السياق العام بسبب مشكلات نفسية يعانيها كثير ممن يتصدون لهذا الأمر . أو بسبب الأطماع الدنيوية التي تسيطر على كثير من هؤلاء الذين شغلوا أنفسهم بهذا الأمر، وقد ثبت عملياً أن بعض الذين يتصدون لتغيير المنكر لهم أطماع سياسية أو اقتصادية ولا يشغلهم دين الله، كما يحاولون خداعنا بذلك .

رصد موضوعي

وقد رصد منتدى "تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" الذي شهدته مدينة أبوظبي مؤخراً قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدت ضمن أعمال المنتدى الذي شهده 250 عالماً ومفكراً إسلامياً من مختلف دول العالم جلسة علمية تحت عنوان: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الحظر"، وشارك فيها الأستاذ الدكتور محمد عبدالغفار الشريف أستاذ الفقه والأصول في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، والدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، وأدارتها الدكتورة كلثم عمر الماجد المهيري الأستاذة بجامعة زايد .
وقال د . الشريف: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعد فريضة اجتماعية وليس واجباً عينياً، لأنه مثل الترمومتر الذي يقيم مستوى المجتمع ومدى قربه، أو بعده عن أحكام الشرع، لذلك وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة في الحث على هذه الفريضة .
وأضاف: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحتاج إلى صفات لا يمكن توافرها في كل مسلم، وقد يؤديها من لا يحسنها، أو يعرف شروطها فيضر أكثر مما ينفع، فهي بالمحصلة فرض كفاية .
وحذر الدكتور الشريف من استغلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدعم جهة أو فكر أو سياسة معينة، وقال: لا بد أن يبقى هذا المبدأ، في نطاق غايته المنزهة عن المنافع الذاتية أو السلطوية .
من جانبه، تطرق الدكتور رضوان السيد إلى تطور الفهم لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمعات الإسلامية، حيث تم حصر مرجعية التكليف بالجهاد والقتال خارج الدولة بالسلطة أو الحاكم في القرن الثاني الهجري، ومنع العامة من الناس من استغلال مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لشن حروب خارج الدولة، ثم تحريم العلماء لاستغلال هذا المبدأ الشرعي للخروج عن السلطة ومعصية أولي الأمر، معتبرين أن في هذا الأمر توظيفاً لمصلحة شخصية أو ضيقة بعيدة عن المصلحة العامة للأمة .
وقال الدكتور السيد إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استغل أسوأ استغلال في آخر 150 سنة من عمر الأمة الإسلامية من قبل جماعات وأحزاب متعصبة ومتطرفة، نجحت للأسف في استقطاب شريحة معينة من الشباب تحت شعارات دينية مزيفة .