حين عبر الإسلام عن الطريقة بالسنة لم يفاجئ العرب، فلقد عرفوها بهذا المعنى كما عرفوا نقيضها وهي البدعة . وكان في وسعهم أن يفهموا منها هذا المعنى حتى عند إضافتها إلى اسم الجلالة في مثل قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنكَ بِهِمْ ثُم لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتلُوا تَقْتِيلاً (61) سُنةَ اللهِ فِي الذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنةِ اللهِ تَبْدِيلاً (62) . أما الذين سمعوا لفظها من النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: عليكم بسنتي فما كان لهم حينئذ أن يترددوا في انصرافها إلى أسلوبه عليه الصلاة والسلام وطريقته في حياته الخاصة والعامة . والمدينة المنورة كانت كما سنرى احرص البلاد على السنة النبوية حتى سميت دار السنة .

نقيض السنة

وفي جنبات المدينة المنورة بدأ مفهوم السنة يأخذ شكلاً سياسياً واجتماعياً إلى جانب الشكل الديني الأساسي: فالرسول صلى الله عليه وسلم يصرح بأن من أحدث في المدينة حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكأن في هذا الحديث إيماء إلى براءة الله ورسوله من كل منشق على الجماعة، خالع يد الطاعة، مؤثر البدعة على السنة . وفي هذا الموضع جاء الحدث مرادفاً للبدعة، وكلاهما نقيض السنة: فلينصح الأب ابنه: يا بني إياك والحدث، وليستجب الابن لأبيه مكبراً تقيده بالسنة المطهرة: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله كان أبغض إليه من الحدث في الإسلام، وليقل المتهم في دينه مدافعاً عن نفسه: ما أحدثت في الإسلام حدثاً ولا أخرجت من طاعة يداً .

ما أسرع ما انتقل المسلمون إذن من المعنى الإقليمي الضيق إلى المعنى الشامل الواسع! إنهم لا يخشون إحداث الحدث في المدينة وحدها دار السنة، بل يخشون الحدث في الإسلام كله، في كل بلد بلغته الدعوة المباركة، فالمبدأ عام شامل، وقد وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه مذ قال: شر الأمور محدثاتها وقال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد .

نتيجة حاسمة

ولم يكن لهذا المبدأ النبوي الصريح إلا نتيجة واحدة حاسمة: فعلى قدر الخوف من إحداث الحدث في الإسلام كانت الرغبة في المحافظة على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأن كل مؤمن لا يظل قلبه ونظره معلقين بشخص الرسول، ولا يصوغ نفسه وعمله وفق الخلق النبوي، ووفق ما جرت به السنة أو مضت عليه ليس صادق الإيمان ولا هو من المقربين .

وإذا كان هذا الرجل من المشتغلين بالحديث النبوي زادت تبعته، فما يفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يتردد في كثير من الأمور قبل الإقدام عليها ليعرف أقربها إلى السنة، من تشميره ثيابه، وطرقه الباب للاستئذان على المحدث، وإفشائه السلام غير مجاوز القدر المستحب من رفع الصوت به، وجلوسه حيث ينتهي به المجلس، وامتناعه عن الجلوس في صدر الحلقة أو وسطها، أو بين اثنين من غير إذنهما، وما شابه هذه الخصال النبوية التي اشتمل عليها كتاب الأدب في جميع كتب السنن .

وبعد العهد بالوحي وبرسول الله صلى الله عليه وسلم أضحى التشبه بالسلف الصالح ضرباً من التأسي بالسنن النبوية . وصار هؤلاء المتشبهون بالسلف ينسبون إليه فيسمون السلفيين، وباتت حياتهم وقفاً على إحياء السنة وإماتة البدعة، وكان المتدينون الصادقون ينظرون إليهم نظرة إجلال وإكبار في مختلف العصور، غير أنهم لم يسلموا من أذى المبتدعة وأهل الأهواء، ولا من غلاة المتصوفين، ولا من الأدباء المتظرفين . ومضى السلفيون لا يبالون بشيء من أذى العامة، فحسبهم شرفاً أنهم حفظوا سنن الهدى حين ضيعها الناس .