تتقاسم دلالة نص في العربية في عصرها الأول بحسب القرائن اللغوية والثقافية معان متعددة . لعل أقربها إلى المجال الحسي الرفع . ويبدو أن هذا المكون الدلالي موجود في معاني المادة كلها تقريباً . فمن الرفع: نصَّ العروسَ، أي أقعدها على المنصة لترى . والمنصة هي ما ترفع عليه كسريرها وكرسيها . ومن هذا أيضاً: نصَّ ناقتَه أي استخرج أقصى ما عندها من السير، وهو كذلك من الرفع . فإنه إذا رفعها في السير فقد استقصى ما عندها منه . ولأن في هذا النص تحريكاً فقد ظهر معنى: نصَّ الشيءَ، أي حركه . ويبدو أن جمع الرفع والحركة ولد معنى: نصَّ الشواءُ، أي صوت على النار، ونصَّت القدرُ، أي غلت . وفي كل ما تقدم نجد الرفع الحسي هو جرثومة المعنى .

ونجد في المحطة الثانية مجموعة من الدلالات المتطورة عبر المجاز، وكلها يرجع بالتأني والتلطف إلى معنى الرفع الحسي الأول . من ذلك حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا بلغ النساء نصَّ الحِقاق فالعصبة أولى . أي بلغن الغاية التي عقلن فيها . ونص الحقاق، كما يقول الأزهري: إنما هو الإدراك، وأصله منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها . ومن ذلك أيضاً: نص فلاناً، أي استقصى مسألته عن الشيء، أي أحفاه فيها ورفعه إلى حد ما عنده من العلم، كما في الأساس . وفي التهذيب والصحاح: حتى استخرج كل ما عنده . ويلحق بهذا المعنى: نصَّص الرجل غريمه، وناصَّه، أي استقصى عليه وناقشه . ومثاله ما روي عن كعب أنه قال يقول الجبار: احذروني فإني لا أناصُّ عبداً إلا عذبته، أي لا أستقصي عليه في السؤال والحساب إلا عذبته .

ويتبين من الأمثلة السابقة أن معنى الرفع الحسي انتقل عبر المجاز إلى دلالات ذهنية كالإدراك والوصول إلى مبلغ العلم وأقصاه . ويبدو أن هذا التطور هو الذي مهد لمجاز آخر -ربما كان مرافقاً لنشأة العلوم الإسلامية- هو الإسناد والتعيين . وفي التاج: النص: الإسناد إلى الرئيس الأكبر . والنص: التوقيف، والنص: التعيين على شيء ما، وكل ذلك مجاز، من النص بمعنى الرفع والظهور . ثم يقول صاحب التاج: قلت: ومنه أخذ نص القرآن والحديث . وهو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره .

وهكذا يتضح الخط الذي سارت عليه الدلالة اللغوية حتى وصلت إلى الدلالة الاصطلاحية . فالرفع الحسي قاد إلى الرفع الذهني مع ما لابسه من معاني التعيين والإظهار والتحديد وبلوغ أقصى العلم . وقاد هذا كله إلى الإسناد لأنه رفع وبلوغ للغاية، والتعيين والتوقيف لأنهما ثمرة بلوغ الغاية ومنتهاها . ومن هنا برزت دلالة النص الاصطلاحية لدى الفقهاء، وهي دلالة مولدة نشأت بسبب ظهور العلوم الإسلامية .

وقد عرفت دلالة النص عند الأصوليين غنًى وتشعباً، فقد تحدثوا عن عبارة النص وإشارة النص ودلالة النص واقتضاء النص . ويبدو أن دلالة النص عند هؤلاء هي التي ولدت مقولة لا اجتهاد مع النص . فدلالة النص تشير إلى ثبوت حكم المنطوق للمفهوم المسكوت عنه لاشتراكهما في علة يفهم كل عارف باللغة أنها مناط الحكم ولا تحتاج إلى اجتهاد أو قياس فقهي .

ونقف في المحطة الثالثة لنرى أن مصطلح النص صار يدل على: القول، والخبر، والقصيدة، والحديث، والآية، وكل ما يثبته المؤلف لغيره . ومن هنا ظهرت كلمة النصوص في الكتب المدرسية والمناهج التعليمية . وفي هذا الاستعمال توسع لدلالة النص التي لم تعد خاصة بالكتاب والسنة، إنما صارت تدل على كل ما يسند إلى صاحبه كما هو بإثبات وتعيين . وفي المعجم الوسيط: النص: صيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف (مولد)، وما لا يحتمل إلا معنى واحداً، أو لا يحتمل التأويل، ومنه قولهم: لا اجتهاد مع النص (مولد) .

ويبدو أن المعجم الوسيط يقف عند ما تداوله المؤلفون المتأخرون قبل العصر الحديث، وذلك بدلالة عبارة مولد التي يقصد بها ما ظهر بعد عصر الرواية والاحتجاج . وليس ما ذكره الوسيط كافياً لرصد تطور دلالة النص في العربية الفصحى المعاصرة . فإضافة إلى ما ذكرناه آنفاً من معان حديثة لدلالة النص نجد أنها تشير إلى المعاني التالية:

أ- مجموعة من الكلمات ضمن تصرف لغوي معروف سواء أكانت مكتوبة أم ملفوظة .

ب- كل ما هو معين ومحدد، وإن كان كلمة واحدة أو أكثر .

ج- كل كلام معين لغاية درسية أو توثيقية وإن كان كتاباً أو قصيدة أو ديواناً .

د- كل قطعة من الفنون المرئية والمسموعة كالنص الفني والموسيقي ونحو ذلك .

وهكذا يتبين أن دلالة النص المتداولة الآن في النقد واللغة تكونت من خمسة مصادر هي:

1- الدلالة عند الفقهاء والأصوليين، وهي التي تفسر ملمح الرفع والإسناد والتعيين والتوثيق في المفهومات المتداولة عند مثقفينا .

2- دلالة مصطلح (Texte) الفرنسي الذي يعني أصلاً: النسيج . فكأن النص نسج للكلام الناشئ من فعل الكتابة التي تشبه من بعض وجوهها عملية الناسج حين ينسج . وهذه الدلالة مسؤولة إلى حد كبير عن فهم النقاد المعاصرين للنص على أنه نسيج لفظي ناشئ من توجيه رسالة إلى متلقين، وهو نسيج قابل للتفكيك، والتحليل، وإعادة التصور، وإمكانية التداخل، واحتمال التقاطع، إلى آخر ذلك .

3- العلاقة بين اللغة والفنون الجميلة وهي العلاقة التي يعبر عنها مصطلح التراسل أو التزامن (Synesth#233;sie) في الاستعمال . وهذه العلاقة هي المسؤولة عن توسيع مجال دلالة النص لتشمل فنوناً أخرى غير أدبية .

4- المدارس النقدية الأجنبية المحدثة كالتشريحية أو التفكيكية والسيميائية وما جلبته معها من جهاز اصطلاحي تغلغل في العربية مترجماً يسلك أصل النص الاشتقاقي . فقيل: تناص، وتناصي، وتناصية، ومتناص، وتداخل النصوص، ونحو ذلك مما لا يزال يدور على أقلام النقاد منتظراً الاستقرار الذي يجلبه له الشيوع والتكرار في محاريب العلم عند أولي النظر .

5- علم النص (Science du texte) وما جلبه من مصطلحات تدور في فلك النص . كالنص السردي، والأبنية النصية، وأساس النص، وفضاء النص، ونحو ذلك مما شاع في الاستعمال .

ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن مصطلح النص وما يتعلق به من مصطلحات قريبة منه دلالة أو اشتقاقاً يشهد ما شهده غيره من المصطلحات اللغوية والنقدية من الفوضى والبلبلة والجرأة على الوضع أو الترجمة . وقد صار المرء يعجب أحياناً من عبارات غريبة (كالتفريغ) النصي، و(المخاض) النصي، وسوى ذلك من غرائب النقاد والتراجمة المحدثين .

2- النص والخطاب بين الترجمة والاقتباس

لابد عند الحديث عن علم النص من التنويه بداية بكتاب الدكتور صلاح فضل المعنون ببلاغة الخطاب وعلم النص الذي قدم فيه جملة من المعارف الحديثة حول مواضيع البلاغة والخطاب وعلم النص والتداولية . ورأى أن علم النص يقترب من الميدان الذي كان مخصصاً للبلاغة . وهذا ما دعا بعض المختصين إلى القول إنه الممثل الحديث لها . وإن اندماج الخطاب البلاغي الجديد في علم النص يتيح له تشكيل منظومة من الإجراءات المنهجية القابلة للتطبيق على المستوى التداولي . وتتمثل مهمة علم النص -كما يرى صلاح فضل- في وصف العلاقات الداخلية والخارجية للأبنية النصية بمستوياتها المختلفة، وشرح المظاهر العديدة لأشكال التواصل، واستخدام اللغة . ويقدم علم النص الإطار العام للبحوث الجديدة في الشعرية والسيميولوجية، كما يشتمل على المظاهر التقنية التي لا تزال تسمى بلاغية . وهكذا يخلص إلى أن إحلال مصطلح علم النص محل البلاغة، أو وضعه بجوارها بعد تحديدها على الأقل مؤشر ضروري للتحول في التاريخ العلمي، وانعطاف نحو أفق منهجي مخالف للمسار القديم، مما تفرضه نظريات العلم ونماذجه . ويشير صلاح فضل إلى أن فان ديجك (Dijk) بشر في بحوثه عن علم اللغة النصي بتحويل البلاغة إلى نظرية النص .

وتجدر الإشارة إلى أن ظهور مصطلح الخطاب (Discaurse) أدى إلى محاولات للتفريق بينه وبين مصطلح النص . فالخطاب نص لغوي يستخدم في سياق معين . واللغة التي تتكون من أنساق دلالية توضع في إطار زماني ومكاني معينين، وتحاط بجملة من الملابسات والأحوال والظروف، وترافقها بعض الإشارات والإيماءات المساعدة، وتتدخل في أثناء ذلك عوامل أخرى تتصل بالثقافة والقرائن المقامية المتعددة . فالخطاب نص مدون أو منقول شفاهاً يوضع في ظروف غير لغوية بغية أداء وظيفة تواصلية تدرسها التداولية (Pragmatic) . فاللغة تتجاوز نسق الجملة إلى مستوى النص الذي يتوجه إلى الآخرين فتكون خطاباً فيه عناصر المقاربة التداولية، ولا سيما السياق والمقام والمقاصد . والتداولية التي تتعامل مع نشاطات الفعل الكلامي التي تحدث في حالات أو سياقات خاصة تؤثر في التفسيرات اللغوية، قدمت نظرات عميقة عن التواصل اللغوي واستخدام الوحدات اللغوية في سياق معين . ولأن التداولية تختص بدراسة الخطاب دعيت بعلم التخاطب الذي تجاوز علاقة اللغة بمستخدميها إلى دراسة المخاطب والمخاطب والخطاب والسياق الخارجي، أو المقام بحسب المصطلح البلاغي العربي . ولا بد من الإشارة إلى مصطلح آخر له صلة بالنص والخطاب، هو لسانيات النص، وهو معني بتحليل الخطاب، ويتضمن بعض عناصر علم الأسلوب وعلم السرد .

* من بحوث ملتقى الشعر العربي في الشارقة