ظفر أبو القاسم الشابي من عناية الدارسين بما لم يظفر به غيره من شعراء تونس، وبرغم تبدّل الزمن ومرور أكثر من سبعين سنة على وفاته المبكّرة 1909-،1934 لم ينقطع ذكرُه ولا شرد من ذاكرة الناس، بل إنّ بعض شعره استتبّ مستودعاً من مستودعات الحكمة الشعبية، لم يذهب بريقها ولا غاض على نحو ما نبيّنه في قراءتنا قصيدته الشهيرة إرادة الحياة، وقد تحوّلت إلى ما يشبه الأيقونة وبخاصة مطلعها إذا الشعب يوماً أراد الحياة/فلابد أن يستجيب القدر . ولا نظن أن مردّ هذه الشهرة إلى وفاته المبكّرة أو إلى قوة أدائه الشعري، فقد مات شعراء في سنّه أو دونها، ولم يحوزوا ما حازه . وقراءة شعره قراءة رصينة، تتجرد من الأهواء العارضة والسمعيات المقررة، تبيّن أنه يتفاوت قوة وضعفاً، وأن مؤثرات الآخرين فيه، تختلف وضوحاً وخفاء . وإنما تضافرت في هذه الشهرة أسباب وملابسات معقدة، ليست مقاربتنا مجالاً للخوض فيها .
تلك الأسباب نجملها في غياب السلطة الشعرية في نظامنا الثقافي الرمزي نحن عرب المغرب، وربما في ثقافة المغرب العربي قديمها وحديثها . فقد عرفت هذه البلاد منظّرين كباراً في شتى مجالات الفقه والفلسفة والتاريخ والنقد الأدبي (سحنون، ابن خلدون، ابن رشد، ابن رشيق، حازم القرطاجنّي . .) أكثر مما عرفت مبدعين كباراً . وكان للاشتغال بالنظريات موقع الصدارة في الثقافة المغاربية وفي مختلف أنظمتها الرمزية، أما الإبداع الشعري وهو مجلى أسرار اللغة ومخيالها وبنيتها الانطولوجية، فلم تكن للمغاربيين سوى تجارب قليلة تتجلّى في الندرة والفرط من القصائد مثل أضحى التّنائي . . لابن زيدون الأندلسي -وثقافة الأندلس من ثقافة العرب- ويا ليل الصّبّ . . للحصري القيروان، وإرادة الحياة والنبي المجهول وصلوات في هيكل الحب للشابي . . وبعض الموشحات الأندلسية التي سارت على الألسنة . وهذه الشوارد هي أظهر ما بقي في الذاكرة من ديوان الشعر المغاربي .
أما النصوص الأخرى، وهي كثيرة، فتظل جزءاً من تاريخ الأدب، يكاد لا يُؤبه به في تاريخ الإبداع . بل لعلها تعزز من وجاهة هذا الطرح، وتؤكد غياب السلطة الشعرية وارتباط اللغة العربية في بلاد المغرب بالمؤسسة الدينية الفقهية، الأمر الذي يجعلها لا تسخو بموفور قوتها في الشعر المغاربي حتى في الموشحات وهي فن أندلسي (مغاربي) خالص، فقد استثمره شعراء التروبادور في ما يسمّى البالاد والأغاني الوجدانية وفتحوا من خلاله مجالاً للشعر الأوروبي لم يكن قد ارتاده من قبْلُ . على حين لم يقيّض له في الأندلس أو في بلاد المغرب، شعراء كبار يستثمرون نظامه الإيقاعي المتحرر من القيود التقليدية، أو يجلّون بواسطته شعرية القصيدة المغاربية على أتمّ وجوهها إلا في فلتات نادرة . وفي ما عداها فإن الموشحات حشد من المحسّنات البديعية والمعاني المطروقة في القصيدة العربية الكلاسيكية، حتى إن استخدم بعض شعرائها الخرجة الإسبانية أو لاتينية العصور الوسطى، فإن ذلك لم يفض إلى ظهور تقاليد جديدة في إنشاء الشعر المغاربي .
لعلّ في هذه الأسباب التي أجملناها، إذ هي من الأمور التي ينبغي أن يُفردَ لها مبحث خاص، ما يفسّر إلى حدّ كبير شهرة الشابي وذيوع اسمه . فقد وفد الشابي على الشعر العربي في تونس خاصة، في ظل ثقافة أصولية وقيم شفوية عريقة هيمنت على هذا الفن طوال القرون، وليس للمغاربيين فيها شأن يذكر، حتى عندما كان الصراع في الثلث الأول من القرن الماضي محتدماً بين خطابين: خطاب تأصيلي (أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرّصافي . .)، وخطاب مدرسة المهجر وجماعة الديوان (جبران ونعيمة والعقاد والمازني . .)، فقد كان الخطاب الأول هو الآسر، وهو خطاب محافظ لم يتحرر من غواية البلاغة وسطوتها، فالشعري فيه ينبني على جمالية الإسماع والإطراب، ووظيفته تكاد لا تتعدّى الإبلاغ والإيصال والإبانة والفهم . ونقف على صداه في كثير من قصائد الشاذلي خزندار وكرباكة وسعيد أبي بكر، حيث القصيدة لا تحفر مجراها، وتؤسس بلاغتها على قدر ما يكون هذا المجرى، وهذه البلاغة مهيأين سلفاً . وإذا كان هؤلاء تمثيلاً لا حصراً منجذبين إلى الخطاب الأول دون أن يدانوا شاعراً مثل شوقي في غنائيته، فإن الشابي كان منفرداً بين معاصريه من الشعراء التونسيين وبين مجايليه مثل مصطفى خريّف . ولعلّ أقربهم إليه الشاعر الجزائري رمضان حمّود 1906-1929 وللحركة الثقافية التونسية في العشرينات - وهو الذي درس بجامع الزيتونة - أثر في ثقافته وفي كتابه بذور الحياة .
كان الشابي مأخوذاً بالخطاب الثاني، ولعلّه أن يكون في شعره أقرب إلى الكتابة الشعرية المهجرية وإلى نوع من الإحياء الجبراني من حيث التوسل بالصورة والرمز . وفي تنظيره أقرب إلى المدرسة المصرية في ثوراتها على الكلاسيكية وعلى البلاغة التي أفدست كثيراً من شعر العرب، وكادت تحوّله إلى حشد كنائي واستعاري . ونحن نلمس ذلك في أكثر من قصيدة من قصائده، وربما نتبيّنه بجلاء في مسامرته الشهيرة الخيال الشعري عند العرب ومقدمته لديوان الشاعر المصري أحمد زكي أبي شادي: الينبوع ورسائله إلى صديقه محمد الحليوي فنجده يتمثّل خصائص اللحظة الرومنطيقية ويشجّ صلته بها، وقد كانت عند العرب في أوج سطوتها خلال السنوات السابقة على الحرب العالمية الثانية، فيعلّي من شأن الخيال الشعري أو الفني، ويفتح قصائده لنوع من الغنائية الفردية والحفاوة بأنا الشاعر والتواصل مع الطبيعة لأن الفن في صميمه إنما هو صورة من تلك الحياة التي يحيا بها الفنان في هذا الكون الزاخر الرحيب أو في دنيا خياله وأحلامه كيفما كانت تلك الصورة في اللون والشكل والعرض . . بعبارته أيضاً، فبين الحياة والفن شوابك قرابة، وفي كليهما ضرب من الوحدة وإن تعددت المظاهر وتنوعت أدوات التعبير، وهي الجذوة التي يسمّيها نيتشه إرادة القوة ويسمّيها شوبنهاور إرادة الحياة Die wille zur leben - Die wille zur macht، ومن اللافت أنها التسمية نفسها التي يسم بها الشابي أشهر قصائده، ولعلّها حجر الزاوية في رؤيته الشعرية . وهو ما يحمد لأبي القاسم فهو -لاشك- صاحب مشروع شعري قد ينمّ عليه نثره أكثر من شعره . ولكنّ الموت مفسد الحياة بعبارة أسلافنا، لم يمهله ليستكمله، فاختطفه وهو لم يتمتّع بالشباب .
لكن أليس من قبيل التمحّل على القصيدة أن نتأوّل إرادة الحياة فلسفياً؟ فنحن نرجّح -حتى لا نقول نقطع- أن الشابي لم يقرأ فلاسفة الإرادة من كانط إلى شوبنهاور إلى نيتشه . . وربما ألمّ ببعض أفكارهم بواسطة الترجمة، ولكننا نعتقد أنّ روح المفهوم الفلسفي لمفردة الإرادة تسكن نصّه، فليس من قبيل الإسقاط إذاً أن ننظر في إرادة الحياة من زاوية التأويل الفلسفي حتى إن سلّمنا بأن أبا القاسم لم يقرأ فلاسفة الإرادة . والمسوّغ لذلك أن الشابي وهو ينهل من العربية فقط (وهي اللغة الوحيدة التي كان يتقنها، علماً أنه لم يتعلّم الفرنسية وكان يتحسّر بسبب ذلك ويقول إنه يطير بجناح واحد منتوف الريش) إنما كان ينهل من لغة كانت قد بدأت بعد في التفاعل مع اللغات الأوروبية، تلك اللغات التي ننصت إلى أجراس المفهوم الفلسفي تُقرع في جنباتها وتتصادى في ثنايا اللغات الأخرى التي تتفاعل معها سواء عن طريق الترجمة أو عن طريق أسلوب أولئك الرواد الذين برعوا في الكتابة بواحدة من اللغات الأوروبية (خاصة الإنجليزية والفرنسية) وبلغتهم الأم، بمن في ذلك رواد عرب .
لقد دشّنت الفلسفة فعل تحويل الحياة إلى موضوع للإرادة بعدما كان يعتقد أن الحياة بداهة لا تحتاج إلى تعليل فيها ولا تحتاج إلى أن تكون موضوع قصد، وإنما هي مجال تُلتَقط منه الحكمة فقط، دشّنت الفلسفة هذا الاتجاه سواء تلقّفنا الإرادة من التأسيس الكانطي للأخلاق وهو يردّها إلى العقل فإذ هي تعبير عن جوهر إنساني كامن لا يمكن تفعيله إلا إذا فهمنا الإرادة من حيث هي قوة للعقل، هذا العقل كلّي أو كوني universel لدى كانط ولكنه كم يكون قريباً من إذا الشعب يوماً أراد الحياة إذا ما دفعنا التحديد الهيغلي لمفهوم الشعب إلى استضافتنا، فهذا المفهوم يفيد، في ما يفيد، معنى روح الجماعة وليس للفرد من إمكان أن يكون حرّاً إلا بقدر ما يكون فرداً في الجماعة، أي مواطناً، ومن ثم فإن إرادته نابعة من إرادة الجماعة والشعب .
إلا أن مفهوم الإرادة لا ينعقد على حدٍّ ميتافيزيقي أو نظري فقط، وحتى شوبنهاور وهو يصل الإرادة بالحياة، إنما هو يصلهما ضمن هَمّ ميتافيزيقي يتقصّى عن نظام الطبيعة . بل هو إلى ذلك، معقود في جينيالوجيا نيتشه على قوة الحياة بما هي اندفاع حيوي، جسدي، غريزي إلى الوجود، وعندئذ لا حاجز، ولا مانع، ولا عائق، ولا سدّ . . طوفان وجودي يأخذ القدر في مجراه .
تُرى هل كانت اللغة العربية في قصيدة الشابي تسترق السمع من خلال ما قرأه من ترجمات أدبية وفكرية، إلى إرادة الحياة تعتمل في أحشاء تلك اللغات الأخرى في فورة حداثتها؟ سؤال نتركه معلّقاً، ولا نحب أن نتعجل الإجابة عنه، بل نؤثر أن نباشر القصيدة من مداخل الشعر ومكوّناته الأساسية، وهل هي سوى الإيقاع والصورة وما يتعلّق بهما من نظام النحو والمعجم والتركيب، حتى لا يطوّح بنا التأويل بعيداً فنملي على إرادة الحياة ما ليس منها أو ما يجافي خاصّتها الشعرية . وإنّي لأشدّد على عبارة من خلال وما يبطنه أصلها الاشتقاقي في لسان العرب، من معاني الوهن والضعف والفساد والتفرّق في الرأي، فقد نتأتّى مفهوم الإرادة عند أبي القاسم عبر الفجوات التي لم تسدّها العقلانية، أعني فجوات اللامعقول وثغرات الحلم وانسيابات الوهم وتجنيحات الخيال، وهي ما هي في قصيدته، ولسنا نزعم بهذه الاستعانة عن تأسيس معقول بتأسيس لامعقول، فالعلاقة بينهما تجري مجرى التضمّن والإدغام، على نحو ما تجري مختلف مفارقات الوجود البشري، فهلاّ أمكن لنا عندئذ أن نختبر مفهوم الإرادة إنشائياً، مادام أهل الأنساق الفكرية قد جرّوا هذا المفهوم إلى دائرة الأيديولوجيا العقيمة، وبخسوه، في أحيان كثيرة، قيمته المعرفية؟
تقع هذه القصيدة -وقد اعتمدنا النسخة التي كتبها أبو القاسم بخطّ يده- في اثنين وستين بيتاً . ووقفنا فيها على تغييرات طفيفة أجراها الشاعر وهو يخطّ قصيدته، فقد شطب لفظة الجبال واستبدل لفظة الشعاب بها (البيت الثامن) . وجاء صدر البيت التاسع مختلفاً عمّا هو منشور، فالأصل هو ومن لا يُحبّ صعود الجبال وليس ومن يتهيّب صعود الجبال برغم أنّ هذا التصويب -ولا ندري من قام به إلا أن يكون شقيقه الأمين الشابي- أبلغ من الأصل، وشطب النعت جميل (البيت السادس والعشرون) واستبدل النعت حبيب به، وشطب بين المروج (البيت الثالث والخمسون) واستبدل فوق الحقول به، وشطب النعت عجيب (البيت التاسع والخمسون) واستبدل غريب به، ومع ذلك فإنّ القصيدة لم تخلُ من بعض الهَنات أو الأخطاء في التركيب أو في بناء الصورة، لم يتعهّدها أبو القاسم أو ربما هي كانت سهواً منه مثل:
وقبّلها قبلا في الشفاه
تعيد الشباب إذا ما غبرْ (البيت 47)
فالأبلغ: تعيد الشباب الذي قد غبرْ
ومثل:
ومن تعبدِ النورَ أحلامهُ
يباركُهُ النورُ أنّى ظهرْ
فضمّ الكاف في يباركُه خطأ نحوي، وليس جوازاً شعرياً، والصواب هو تسكين الكاف (جواب الشرط)، ولكنّ الوزن يختلّ في هذه الحال .
وأدار قصيدته على البحر المتقارب (فعولن) وهو كثير الدوران في ديوانه أغاني الحياة، ومن دون خوض في أسباب حفاوة الشاعر به، نشير إلى أن هذا البحر الذي جعله الخليل في دائرة المتفق يتكوّن من عشرين صوتاً ساكناً في كلّ شطر من شطريه، وتثبت إحصاءات المستشرقين أنه قليل الدوران في شعر ما قبل الإسلام، مقارنة بالأوزان المكوّنة من تفعيلتين، إذ لم ينظم عليه سوى 6 في المئة من القصائد . فلعلّ مردّ حفاوة أبي القاسم به، ترجع استئناساً بهذه القصيدة إرادة الحياة إلى ما يسمّيه المستشرق فايل جوهر الإيقاع (الوتد المجموع) وهو إيقاع صاعد بدءاً من الاستهلال:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلابدّ أن يستجيب القدرْ
إلى القفلة حيث تُغلق القصيدة بمثل ما افتتحت به:
إذا طمحت للحياة النفوس
فلابدّ أن يستجيب القدرْ
ولا يخفى أن هذا الإيقاع يقع في موضع القافية، إذ لا تأتي التفعيلة كاملة (فعلْ) وإنما أسماء في الأعمّ الأغلب من أبيات هذه القصيدة (49 اسماً مقابل 13 فعلاً) . وللقافية إيقاع خاص بها يختلف عادة عن نظام جوهر الإيقاع داخل الشعر، ولكنه في القصيدة التي نحن بها يعزّز هذا الإيقاع الصاعد، ويعلو النغم من أول البيت، ويضفي على القصيدة قوة نغمية سريعة متساوقة . وفعولن هي مثل مفاعلين ومفاعلتن، ومن التفعيلات ذات الإيقاع الأصيل، بعبارة فايل أي تلك التي تثبّت النغم الصاعد، وتجعل وقع الشعر ممّا تستلذه الأذن وتستسيغه، ولعل الإحالة باسم الجنس والاسم المضمر المستخلصين من عناصر الطبيعة والمشيرات وما تنهض به التسمية من وظائف ودلالات، ممّا يجعل هذا الإيقاع صاعداً غير هابط وقائماً على التقابل حيناً والتوازي حيناً، ونقصد الإيقاع من حيث هو الحضور نفسه حيث المدلول ينهل من دالّ لا ينضب، وتحديداً إيقاع الصورة من حيث هو حادث يقع في الأثر وبه، وليس وزناً منتظماً ولا هو زمن مجسّد موضّع Objective، أو متحيّز Spatialise منحصر في موضع من القصيدة دون آخر، حتى يمكن القول إنه يتكرر أو يتعاود، ومن ثمّ يتسنّى لنا إدراكه، بل لعلّ الأصول أن نقول إنه ينضوي إلى إحساس يسبق فعل الإدراك، ومن هذا المأتى ذهب بعض المعاصرين إلى أن الفن هو حقيقة المحسوس، لأن الإيقاع هو حقيقة الإحساس، وإذا كان ذلك كذلك فإن الإيقاع يثبت لأي نوع من الإدراك الصوري، ولا يمكن بأي حال أن نحوزه، فضلاً عن أن نقيسه، فهو يتصل بكل عنصر من عناصر الجملة ويلابسه ملابسة، فهو جرسه الصائت ومعناه المجرد في آن، يحلّ حيث تحلّ اللفظة، ويجري حيث تجري الجملة، ويتوقف حيث تتوقف الفاصلة، أي هذه الحروف المتشابكة في المقاطع التي لا تخضع للضرورة، بخلاف القافية، ومن هذا الجانب فإن الإيقاع قائم في تآلف الحروف في النغم وفي انتظام الجمل، مثلما هو قائم في الفواصل واطّرادها وتغيّرها من نسق إلى آخر، وهو، بعبارة مجازية، في دوّامات الماء وليس في جريان النهر، ولذلك يظل عصياً على الحدّ، فقد نلمّ بشروطه الفيزيولوجية والفيزيقية والنفسية الملازمة لظهوره وتحولاته وزواله، ولكن هذا كله لا يحدّ الإيقاع في ذاته، والذين يزعمون إمكان حدّه إنما يخلطون بينه وبين الوزن . أمّا إذا ميّزنا الإيقاع في هذه القصيدة، من الوزن وحررناه -وليس لنا أن ننحو به هذا المنحى- فقد لا نجد له في العربية أفضل من مصطلح النّظم بالمعنى الذي استتبّ له في مباحث الإعجاز، وبخاصة عند عبدالقادر الجرجاني . والنّظم إنما هو صورة اللغة وهي تتأدّى بطريقة فنية مخصوصة، وتحمل في فعل نشوئها حيث تتجلّى، لحظة بداءتها، وهذه اللحظة لا تتعلّق بالكلام وإنما بالكلم أو بالخطاب إذا أردنا، وهو يصنع جزءاً جزءاً ببنى الأثر وهي تكون . والقاعدة هنا واضحة جليّة -على نحو ما بيّن عبدالقادر- ففي هذا الشعر الذي نحن به، ليس ثمّة من عنصر حرفاً كان أو صوتاً أو جرساً أو كلمة، لا ينضوي إلى فضاء النّظم الكلي، والنّظم -بهذا المعنى- هو فعل الشكل بعينه أي الفعل الذي يتشكّل به وفيه شكل ما، ولذلك يمكن أن نعدّه الإيقاع نفسه، لأن الإيقاع ليس قاعدة خارجية يخضع لها الشكل الشعري، أو يمكن استنباطها من هذا الشكل، وإنما هو تكوّنه أو تولّده الذاتي Autogeneصse .
الإيقاع في النّظم والنّظم في الإيقاع، وهو أبعد من أن يكون خطاً مستقيماً يحدّد وجهة اتجاه ومقدوره، إذ لا يكون إلا وهو يفتتح سبيله إلى تكوّنه الخاص، بحيث لا يمكن تعيينه أو إحصاؤه، مادام يبتدع نظامه في كل لحظة من تكوّنه . وهذا ما يجعله يستعصي على أي نوع من الإدراك الصوري، إذ تتظافر فيه الكتابة والتعليق تعليق الكلم وهو يتحرك في خطه الخاص ويتشكّل ويعلق بعضه ببعض، في تحوّل دائم . فالأبيات الأربعة الأولى، هي في الظاهر مقدمة القصيدة، ولكنها من حيث الإيقاع بمعنى الخطاب أو نظام اللغة، تابعة للبيت الخامس:
كذلك قالت ليَ الكائنات
وحدّثني روحها المستترْ
وكذلك الأمر في المقاطع اللاحقة، فمن حديث الريح بدءاً من البيت السادس إلى البيت الحادي عشر:
ودمدمت الريح بين الفجاج
وفوق الجبال وتحت الشجرْ
إلى حديث الأرض بدءاً من البيت الثاني عشر إلى البيت السابع عشر:
وقالت ليَ الأرض لمّا سألت
أيا أمّ هل تكرهين البشرْ
إلى حديث الغاب بدءاً من البيت الثاني والعشرين إلى البيت الثالث والأربعين:
وقال ليَ الغاب في رقّة
محبّبة مثل خفق الوترْ
وصولاً إلى حديث الربيع بدءاً من البيت السادس والأربعين إلى البيت الخامس والخمسين:
وجاء الربيع بأنغامه
وأحلامه وصباه العطرْ
وقبّلها قبلاً في الشفاه
تعيد الشباب إذا ما غبرْ
وقال لها: قد مُنحت الحياةِ
وخُلّدت في نسلك المدّخَرْ . .
نقف على بنية إيقاعية متحوّلة تقع في زواج الزمن أو الفصول الأربعة وقد أعاد الشاعر توزيعها، وحركة الكلّ في الكلّ لا يقرّ لها قرار في ما يشبه عوداً على بدء، في حركة دائرية تصل الفاتحة بالخاتمة، وكأن قدر الإيقاع -النّظم أن يترجّح بين حدّين أو طرفين: فلا هو يسكن أو يمهد ولا هو يتبدّد أو يتشتّت، بل هو لا يمكن إلا أن يقع في ما وراء الظواهر الفيزيقية وعناصرها المؤسسة .
ولعلّ هذا ما كان الشاعر يروم اكتناهه وهو يقابل بين الحياة إرادة الشعب والموت إرادة القدر، ويجعل الأولى مرادفاً لإرادة الحياة . وكأنه يشير بهذا الاستهلال الحكمي الذي يتفرع إلى بيتين: الثاني والثالث، إلى أن المعرفة في لحظة أساسية من لحظاتها أو فيها كلّها، موقف مندهش حيال العالم يروم أن يستكشفه على أنحاء مختلفة وبطرائق متغايرة هي أجناس المعرفة ومناهجها، حيث الخطاب في هذه الفاتحة معقود على المفهوم وليس على الإدراك أو الانفعال الوجداني . وما ذلك إلا لأن العالم التبس وأشكل على صاحب المعرفة المنظمة بفعل احتجابه ضمن الاستعارة والمجاز وشتى ضروب البيان، وهي المجاري التي تحفرها هذه القصيدة -شأنها شأن النصوص الشعرية المأثورة- في الأسطورة والدين وفي ضروب غيرهما من رؤى الإنسان للعالم، ومهما يكن فليس ثمّة خطاب بما في ذلك الخطاب العلمي الدقيق، لا يناط بعهدته تخييل فكرة أو صورة، أو لا يستأثر به توضيب استعارة أو مجاز، أو لا تستهويه التقاط كناية أو تشبيه، إلى الحدّ الذي يتعطّل فيه استجلاء الحقيقة أو الهوية في صفائها أو نقائها المفترضين، لأن الحقيقة نشأت بطبيعتها على أنها حشد من الاستعارات والكنايات وضروب تشبيه الأشياء بالإنسان كما يقول نيتشه .
* جزء من دراسة مقدمة إلى ملتقى الشارقة للشعر العربي