مقاصد الشارع، ومقاصد الشريعة والمقاصد الشرعية هي عبارات تستعمل بمعنى واحد . أما شيخ المقاصد، فهو أبو اسحاق الشاطبي . وهو لم يحرص على اعطاء حدٍ وتعريف للمقاصد الشرعية، إذ اعتبر الأمر واضحاً . وهو يراه يزداد وضوحاً لدى المتعلم، كلما كان ريان من علم الشريعة: أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب (الموافقات: 1/87) .

ومقاصد التشريع العامة كما يقول العلماء، هي المعاني والحكم الملحوظة في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة . فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة، والمعاني التي لا ينأى التشريع عن ملاحظتها . ويدخل في هذا أيضاً معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها (مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور: 50) . أما علال الفاسي، فهو يقرر: أن المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار إصلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل والعمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع (مقاصد الشريعة ومكارمها: ص 3) .

وبعد استعراضه لمجموعة من الآيات القرآنية المتضمنة لمرامي الشريعة الربانية يقول الشيخ علال الفاسي إن مجموع هذه الآيات يبين بوضوح الغاية من إرسال الأنبياء والرسل، وإنزال الشرائع، وإرشاد الخلق لما فيه صلاحهم وأداؤهم لواجب التكليف المفروض عليهم . (ص 43) .

أقسام المقاصد

بناءً على ذلك، يمكن القول إن مقاصد الشريعة، إنما هي الغايات التي وضعتها الشريعة لأجل تحقيقها، لمصلحة العباد . ويمكن تقسيمها كما يرى العلماء، إلى ثلاثة أقسام: 1- المقاصد العامة وهي التي تراعي الشريعة وتعمل على تحقيقها في كل أبوابها التشريعية . وهو غالباً ما يعنيه العلماء بمقاصد الشريعة .

2- المقاصد الخاصة: وتهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين مثل: مقاصد الشارع في أحكام العائلة . ومقاصد الشارع في التصرفات المالية، ومقاصد الشارع في المعاملات المنعقدة على الأبدان (العمل والعمال) ومقاصد القضاء والشهادة ومقاصد التبرعات، ومقاصد العقوبات .

3- المقاصد الجزئية: وهي ما يقصده الشارع من كل حكم شرعي، من إيجاب أو تحريم أو ندب أو كراهة، أو إباحة أو شرط أو سبب . كما يقول الشيخ علال الفاسي: . . . والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها . وأكثر من يهتم بهذا القسم، الفقهاء الأجلاء، فهم أهل التخصص في جزئيات الشريعة ودقائقها .

وهناك مصطلحات كثيرة تنوب عن المقاصد، استعملها الفقهاء من أهل الاختصاص فقالوا بدل المقاصد: الحكمة . كما في قول ابن فرجون يحدد مقاصد القضاء: وإن حكمته فرفع التهارج . كذلك يقول به الونشريسي: . . . والحكمة في إصلاح المتشرعين: أي المقصود . كذلك قالوا بدل المقاصد: العلة التي يعبر بها عن مقصود الشارع . وجمعها العلل .

ويقول الدكتور محمد مصطفى شلبي: إن لفظة العلة أطلقت في لسان أهل الاصطلاح على ما يترتب على تشريع الحكم، من مصلحة أو دفع مفسدة .

إن الشريعة كما يقول العلماء أنعم اللّه بها علينا، حتى نهنأ في الدنيا قبل الآخرة . ولا يتم الهناء، إلا إذا كان استعمالها لوجه اللّه تعالى ليجعل الإنسان ينعم بها في الدنيا أولاً، ويكسب بها ثواب الآخرة تالياً . ولذلك يجب أن تأتي مقاصد الشريعة أو حكمتها أو عللها للدعوة إلى التكامل مع الهدف الأسمى للحياة، لتشكل للإنسان نعمة في الدنيا والآخرة معاً . وهذه المعادلة يقررها القرآن الكريم، حيث يقول في سورة القصص (77): وابتغ فيما آتاك اللّه الدار الآخرة . ولا تنس نصيبك من الدنيا . وأحسن كما أحسن اللّه إليك . ولا تبغ الفساد في الأرض . إن اللّه لا يحب المفسدين وفي ذلك يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم، الذي لا يحرم المسلم من أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل نراه يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفاً، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها .

خير الدنيا والآخرة

أما في العبادات، فهي أوامر اللّه تعالى للإنسان . وهي ليست موجهة لزيادة الحسنات في الآخرة فحسب، بل هي أيضاً توجيه رباني لما فيه خير الإنسان ومصلحته في الدنيا . فالصلاة صلة مع اللّه تعالى أولاً، ومناجاة له . وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر . والسجود فيها يجعل العبد أقرب ما يكون إلى ربه . وهذا السجود يساعد على التخلص من الشحنات المغناطيسية والتشنجات العضلية . كذلك الوضوء، فهو طهارة للأعضاء الأكثر تعرضاً للغبار والأوساخ .

أما الصوم، ففيه خير كثير لصحة الإنسان في حياته . والله تعالى يقول: وأن تصوموا خير لكم (البقرة: 184) . والرسول عليه الصلاة والسلام يقول أيضا: صوموا تصحوا . والزكاة طهرة للنفس البشرية وتكافل في المجتمع وقوة ونماء حقيقي له، أما الحج فهو لقاء المسلمين وتشاور فيما بينهم، وإظهار لقوتهم إذا اجتمعوا على قلبٍ واحدٍ، ونداء وتذكير للبشرية بالآخرة . وتطهير لها من الذنوب والآثام، ليعود الإنسان كيوم ولدته أمه .

ولا شك في أن من ثمار التشريع الإسلامي في العبادات على وجه مخصوص ما تشتمل عليه مقاصده من أحكام وأنظمة، تفيد جميعها الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وما الحضارة التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية إلا دليل ساطع على اهتمام الإسلام برقي المجتمعات ورفعة شأنها من خلال المقاصد الشرعية .