بين أزقة متعرجة وبيوت متكئة على بعضها بحنو أزلي تحكي للناظر قصة تاريخ طويل، حيث أديم الأرض تحول لطبقات من العصور والأزمان، وحيث رائحة السنين المحروقة وحكايات طويلة عاشها أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، سافرت بين الذاكرة لزمن بعيد، وأشرعت في قاربها الذي يلغي العصور والمسافات وأخذت أقلب أوراق التاريخ.
في ذلك المكان العتيق وفي تلك الزاوية يرقد بسلام جثمان طاهر لروح مطمئنة تشكل أحد الرموز الدافقة لواقعة (الطف) قبل ما يزيد على 1400 عام.
هو مرقد السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك المرقد المقدس الذي تعج ربوعه بالزائرين من كل فج عميق على طول فصول السنة، يقع الجامع والضريح على بعد1000م أو أكثر من المسجد الأموي في حي العمارة إلى جانب باب الفراديس قرب مسجد مقام رأس الحسين (عليه السلام).
وصاحبة المرقد هي إحدى بنات الحسين وهي طفلة كانت تبلغ من العمر 4 سنوات عندما فارقت الحياة في المكان نفسه الذي دفنت فيه.
بعود تأسيس المرقد إلى 526 للهجرة وقد جدد بناء القبر على يد الميرزا علي أصغر خان أمين السلطان ناصر الدين شاه سنة 1323 للهجرة وفي سنة 1399 عمد إلى توسع المرقد وبدل الضريح الذي وضع على القبر في عهد أمين السلطان بضريح آخر تم صنعه على يد أربعين من الفنانين المبدعين.
أقسام البناء
يتألف البناء الحالي الذي يشغل مساحة 2890 متراً مربعاً من عدد من الأقسام وهي:
1- المقام: يضم ضريح السيدة رقية تبلغ مساحته 750 متراً مربعاً وتعلو وسطه قبة بمساحة14م2 مزينة من الداخل بمقرنصات من قطع المرايا والآيات القرآنية وكسيت الجدران والسقف بقطع المرايا المتلألئة من الأعلى وبالمرمر من الأسفل وزينت بلوحات جدارية ثابتة من القاشاني تتوسطها آيات وأحاديث شريفة قيلت في أهل البيت عليهم السلام.
والمقام مقسم إلى جناحين يفصل بينهما حاجز بارتفاع متر ونصف المتر الشمالي منهما للنساء والجنوبي للرجال.
2- المصلى يقع بجانب المقام من الشرق وهو مفتوح عليه وتبلغ مساحته نحو480 متراً مربعاً وهو حافل بآيات الفن البديع.
3- المسجد: تبلغ مساحته 360 متراً مربعاً وهو مبني بطراز جميل، تقام فيه صلاة الجماعة كما يتم فيه إحياء المناسبات الإسلامية. ويقع المسجد في الجانب الجنوبي من البناء وهو يطل على الباحة مقابلا للحرم وينفتح المسجد عبر بابين أحدهما خارجي على شارع العمارة الجوانية قريبا من باب المقام الرئيسي ومئذنته القائمة فوق الباب وآخر يفتح على الباحة.
4- الباحة المكشوفة: مساحتها 335 متراً مربعاً وتحيط بها أروقة تبلغ مساحتها 625 متر مربعاً وهي تتوسط المبنى عموما وتنفتح على الرواق الشرقي ثلاث غرف إحداها مراحيض للرجال والأخرى للسيدات والثالثة لإدارة المقام وتفتح على الرواق الغربي في طرفه الجنوبي غرفة لوضع الأحذية لمن يود الدخول إلى الحرم
وتقوم فوق المداخل الأربعة الرئيسية والمصليات والأروقة الداخلية أربع عشرة قبة صغيرة كما ترتفع على المدخل مئذنة جميلة ارتفاعها 32 متراً.
ولدت السيدة رقية عليها السلام في عام 57 للهجرة في المدينة المنورة، وتوقيت في 5 صفر من سنة 61 للهجرة وأمها هي أم أسحاق بن طلحة.
ويبلغ عدد زوار مقامها الشريف سنوياً ما بين 700 - 800 ألف زائر، واسم رقية هو تصغير راقية بمعنى الارتفاع والسمو، والتصغير هنا للتحبب.
وقد ورد ذكرها في الكتب التي تناولت واقعة كربلاء حيث ناداها الإمام الحسين (عليه السلام) ونطق باسمها في أكثر من موضع وحادثة وخصوصا في الساعات الأخيرة من عمره الشريف عندما أراد أن يودع أهله حيث نادى بأعلى صوته: (يا أختاه، يا أم كلثوم، وأنت يا زينب، وأنت يا رقية، وأنت يا فاطمة، وأنت يا رباب، انظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن علي جيبا ولا تخمشن علي وجها ولا تقلن علي هجرا).