كثُر الحديث عن أن خالداً رضي الله عنه، أغار على اليمامة، قبل أن يأتيه الأمر من الخليفة بالإغارة عليها . غير أننا نرجح أن الخليفة رضي الله عنه في معركة اليمامة، هو صاحب الخطة من أولها إلى آخرها، وأن نصيب خالد منها، إنما هو نصيب الإقرار والموافقة . وذلك لما في الخطة من التورية والسبق بالهجوم، وهذا كله مما تعلمه الخليفة الأول بعد طول الصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم . إذ كان مأثوراً عنه كما ذكر المؤرخون، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قصد وجهة ورى بغيرها، وأنه كان لا ينتظر الهجوم، بل يسبق المهاجمين إليه . وقد جرى الخليفة على ذلك في دفاعه عن المدينة، قبل مسير البعوث .
نكبة عكرمة وشرحبيل
وقد زعم بعضهم أن خالداً رضي الله عنه قال لصحبه بالبطاح بعد معركة بزاخة: والله لا انتهي حتى أناطح مسيلمة . فأبى الأنصار وقالوا: هذا رأي لم يأمرك به أبو بكر . فارجع إلى المدينة . فأصرّ على رأيه وقال: لا والله، حتى أناطح مسيلمة . فرجع الأنصار، فساروا ليلة، ثم قالوا: والله لئن نصر أصحابنا لقد ندمنا . ولئن هزمنا لقد خذلناهم . فرجعوا إليه ومضى بهم إلى اليمامة .
والواقع أن أبا بكر لم يبعث غير خالد إلى بني تميم، وأن خطّته كانت تقضي الوصول إلى اليمامة بعد فراغه من البطاح في بني تميم . ولهذا نجد أبا بكر رضي الله عنه يرسل إلى اليمامة عكرمة بن أبي جهل، ثم يرى حاجته إلى المدد، فيوجه في إثره شرحبيل بن حسنة . غير أنه بدا لعكرمة أن يستأثر بالنصر لنفسه، فهجم على مسيلمة وحده، قبل أن يوافيه المدد، فنكب نكبة شديدة . وكان الخليفة قد بصر خالداً بشأن اليمامة قبل خروجه إلى البزاخة .
ومن المتواتر أن خالداً لقي الخليفة بعد مسيره إلى بني تميم، وقبل مسيره إلى اليمامة . وذكر المؤرخون أن الخليفة بعد استشعاره بحرج موقف المسلمين في اليمامة، كتب لشرحبيل بن حسنة بالتمهل، وأتبعه خالد بن الوليد بعد مجيئه إلى المدينة واعتذاره عن قتل مالك بن نويرة . ويستحيل على العقل أن يقبل أن خالداً، قد تولى حرباً كحرب اليمامة، اشترك فيها أعظم الصحابة وخاض فيها المسلمون أعظم الأهوال من دون أن يندبه الخليفة إلى ذلك بأمر صريح لا لبس فيه .
عمل خالد على أن يصطحب معه المهاجرين والأنصار، كما أراد الخليفة . فانتظر حتى تكاملت عدتهم، ثم سار بهم قاصداً مسيلمة . فبادر شرحبيل أولاً بقتال مسيلمة، فنكب أيضاً بعد نكبة عكرمة، فلامه خالد رضي الله عنه على تعجيله . ولما بلغ مسيلمة دنو خالد، عسكر في عقرباء بأربعين الف مقاتل، وقيل بستين ألفاً . وخرج إليه الناس . وخرج إلى خالد مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأراً لهم في بني عامر، فأخذه المسلمون وأصحابه، فقتلهم خالد رضي الله عنه، واستبقى مجاعة لشرفه في بني حنيفة .
حديقة الموت
وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره، وتقدم لقتال المسلمين . وقام شرحبيل بن مسيلمة يحرض بني حنيفة على قتال المسلمين ويقول لهم: يا بني حنيفة اليوم يوم الغيرة . قاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم . فنشبت الحرب ودارت بينهم وبين المسلمين رحى الطعن والضرب . واشتد القتال . ولم يلق المسلمون حرباً مثلها قط . حتى أنهم نزعوا إلى الهزيمة وانكشفوا عن فسطاط خالد . وهذا ما ألهب أهل النجدة من المسلمين، مثل زيد بن الخطاب وثابت بن قيس وغيرهما، فاقتحموا صفوف مسيلمة، وحمل خالد بالناس، حتى ردوا الأعداء إلى أبعد مما كانوا . وقاتل بنو حنيفة قتالاً شديداً، والمسلمون صامدون، وقد قتل منهم ناس كثيرون، مثل زيد بن الخطاب القرشي وأبو حذيفة وسالم مولاه وغيرهم الكثيرون من المسلمين الشجعان .
وخشي خالد رضي الله عنه أن ينهزم أخلاط الأعراب، فتختل صفوف المسلمين . فصاح في الناس أن امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي، ولنعلم من أين نؤتي . فامتازوا وقال بعضهم لبعض: اليوم يستحي منا الفرار . وأدرك خالد أن الحرب لا تركد إلاّ بقتل مسيلمة، فدعاه للمبارزة، فبرز إليه، فعرض عليه خالد أشياء، وبينما كان مسيلمة يتظاهر بمشاورة شيطانه، هاجمه خالد رضي الله عنه فانهزم أمامه . فصاح خالد بالناس، فهاجموا قوم مسيلمة، فانهزموا، وقالوا لمسيلمة: أين ما كنت تعدنا؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم .
ونادى منادي بني حنيفة: الحديقة الحديقة، فدخلوها وتحصنوا فيها فتسور عليهم البراء بن مالك الحديقة مع غيره من الأبطال المسلمين وقاتل على باب الحديقة حتى فتحه، فدخلها المسلمون واقتتلوا مع جماعة مسيلمة أشدّ قتال . ولم يزالوا كذلك، حتى قتل مسيلمة، واشترك في قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار . ولما علم بنو حنيفة بمقتل مسيلمة، ولوا الأدبار فأخذتهم السيوف من كل جانب . ولكثرة مَنْ قتل في تلك الحديقة فقد سميت بحديقة الموت .