يجتذب مقهى أم كلثوم في وسط القاهرة زبائنه كل يوم في نوبة حنين لا تخطئها العين إلى زمن الكبار وعصر الفن الأصيل، حيث يمثل المقهى، الذي يفتتح أبوابه في الثامنة صباحاً ويغلق في الواحدة من صباح اليوم التالي في نظر كثيرين، واحة غناء لمحبي الطرب الأصيل، وبخاصة سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي ينطلق صوتها طيلة ساعات النهار وسط صيحات الرواد عظمة على عظمة يا ست.

يعود إنشاء مقهى أم كلثوم إلى عام 1936 على يد مؤسسه الحاج عبدالعزيز الذي أطلق على المقهى في بادئ الأمر مقهى توفيق نسبة إلى اسم شارع الخديو توفيق، فقد ظل المقهى محتفظا باسمه لسنوات حتى مرت به كوكب الشرق أم كلثوم عام 1948 عائدة من بروفة لإحدى حفلاتها بدار الأوبرا، وقررت التوقف لتناول فنجان من القهوة، ولم يصدق الحاج عبدالعزيز أن السيدة أم كلثوم تجلس على مقهاه فطلب منها أن يطلق اسمها عليه فوافقت على الفور.

ولم تكن هذه الزيارة الأخيرة هي الأولى لسيدة الغناء العربي، فكانت تمر على المقهى في طريقها لمكتب الموسيقار محمد عبدالوهاب في العمارة 55 في الشارع نظراً لموقع المقهى المميز، وقد اعتادت أم كلثوم أن تجلس هناك بعد أن تنتهي من بروفاتها وحفلاتها في مسارح وسط القاهرة لتتناول قهوتها وكان يصاحبها الملحن الشهير كمال الطويل وعازف كونترباس الخاص بها، وفخري العازف في فرقتها.

وبمرور الوقت بات الجلوس على ذلك المقهى أمراً روتينياً في حياة كوكب الشرق التي كانت تستغل وجودها في المقهى لتتحدث عن أغانيها الجديدة واستعداداتها لحفلاتها، وكان كثيرون يسهرون الليل في انتظار قدومها للتطلع إلى وجهها والتعبير عن إعجابهم بصوتها الرائع.

وأسهم قرب المقهى من العديد من شركات الإنتاج السينمائية في جعله مقصدا للعديد من الفنانين أمثال الفنان توفيق الدقن والمخرج هشام أبوالنصر. وحاول المقهى، بعد رحيل كوكب الشرق، الحفاظ على طابعه المميز حيث يتزين بصور عملاقة لسيدة الغناء العربي في مواقف مختلفة تسجل لقاءاتها مع الرئيس جمال عبدالناصر وعبدالحليم حافظ والملحن بليغ حمدي، كما أن الطاولات النحاسية تتزين بنقوش بارزة لصورها وهي ممسكة بمنديلها الشهير، فضلاً عن وجود تمثال نصفي لها.

المقهى الذي كان يتكون من طابقين عند إنشائه، أصبح حالياً يتكون من أربعة طوابق، الطابق الأول هو المطبخ الذي تخرج منه كل طلبات الزبائن، وغالباً ما يكون مقصدا لكبار السن، بينما يفضل الشباب الطابق الثاني ذا الإضاءة الخافتة. أما الطابق الثالث فهو مصمم على الطراز العربي القديم حيث المشربيات والكراسي والدكك الخشبية المشغولة بالأرابيسك وأكثر رواده من العرب والأجانب، في حين أن الطابق الأخير لمن يرغب في الجلوس في الهواء الطلق، ولا يخلو أي طابق من الطوابق من صور وصوت سيدة الغناء العربي.

وقد تعاقبت على إدارة المقهى ثلاثة أجيال، وقد كان في الأصل ملكا لتاجر أجنبي قبل أن تنتقل ملكيته لتاجر قطع الغيار المصري الحاج سمير عوض الذي يقول: يتردد علينا مئات المصريين من عشاق الست ليستمتعوا بأغانيها النادرة التي لا تتوقف، خاصة تلك التي لا تذيعها محطات الإذاعة، مشيراً إلى أن السبب الحقيقي وراء ارتباط الزبائن بالمقهى هو عشقهم لأم كلثوم حتى أن زبائن المقهى لا يقتصرون على المصريين فقط بل يتردد عليه الكثير من العرب والسائحين الأجانب.

ويؤكد عوض أن مقهاه لم يفقد بريقه رغم مرور كل تلك السنوات على رحيل أم كلثوم، موضحا أن المقهى لا يزال مقصدا للعديد من فناني الجيل الجديد الذين يحرصون على الحضور إليه لسماع أم كلثوم، وبينهم محمد الحلو ومحمد منير وعلي الحجار وأحمد الحجار بالإضافة إلى بعض المؤلفين والمخرجين.

ويضيف: الفنانة آمال ماهر بدأت مشوارها الفني من هذا المكان، فقد عرفت أنها خليفة أم كلثوم لتمتعها بحنجرة ذهبية ولم تنقطع عن المجيء إليه إلا منذ فترة قصيرة، وإلى الآن نحن محتفظون برونق وقيمة هذا المقهى ولم نسمح بأي تغير يطرأ عليه.

ويتابع عوض: إن الحياة في مقهى أم كلثوم لا تتوقف طوال اليوم، حيث نبدأ العمل في ساعات الصباح الباكر لنستقبل كبار السن من زبائننا والذين ارتبطوا بالمقهى منذ سنوات، وفي وقت الظهيرة تبدأ الحياة تدب في المقهى بعد أن يكون قد استقبل رواده الشباب من الجنسين، إلى أن تأتي فترة السهرة التي يتلألأ فيها المقهى برواده من كافة الطبقات الاجتماعية فضلا عن العرب والسياح الأجانب.

في مقهى أم كلثوم تشعر وكأننا بالفعل في الخميس الأول من الشهر، وهو موعد حفلات سيدة الغناء العربي أم كلثوم، حيث تبدأ الست في الشدو بأروع أغانيها وسط صيحات الحضور ولسان حالها يقول: عظمة على عظمة يا ست.