يظل مقهى قشتمر إحدى أشهر علامات حي الظاهر العتيق في قلب القاهرة بما تحمله جدرانه العتيقة من حكايات مثيرة، وبما يحمله اسمه من مجد قديم يضرب في عمق التاريخ المصري الحديث .

ويواجه مقهى قشتمر الذي اختاره الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ ليكون اسما لإحدى رواياته حديقة مسجد الظاهر بيبرس، وهو الأمر الذي كان سبباً في أن يقصف قبل عقود من الزمان بالطائرات من قبل القوات الألمانية في عهد هتلر بعد أن حولت القوات البريطانية حديقة المسجد إلى مخزن للعتاد العسكري .

تلك القصة الشهيرة وغيرها من القصص، يعرفها رواد مقهى قشتمر، ويحفظونها عن ظهر قلب، ويقول الدكتور منير معاذ أحد أشهر رواد المقهى: الحديث عن قشتمر لا ينفصل عن الحديث عن سيرة الظاهر بيبرس، التي ذاعت بعد الغزو العثماني لمصر، وتحولت إلى قصة وملحمة شعبية كانت تقدم على المقاهي قبل ظهور الراديو، حيث كان عازف الربابة ينشد سيرة الظاهر، أمام رواد المكان وكان معظمهم من الطبقة الوسطى ومن أشهرهم الأستاذ نجيب محفوظ .

ويضيف معاذ: كان الأستاذ نجيب من أشهر رواد المقهى لفترة طويلة بعد انتقال أسرته من بيت القاضي من الجمالية إلى حي العباسية، ورغم أنه كان يتردد في ذلك الوقت على مقهى عرابي في ميدان الجيش الذي شهد تجمع فتوات الحسينية اختار قشتمر لأنه كان يضم أكبر عدد من الأدباتية والمنشدين والمحامين والموظفين، حيث كان الجميع يقرأون دفتر أحوال الوطن في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها .

ويضيف معاذ: رواد قشتمر لم يكونوا مثل رواد المقاهي التي اشتهرت بتجمعات اليساريين والثوريين، فلم يتورط أحد منهم في العمل السياسي، وحتى اليوم ينأى المقهى بنفسه عن معارك الانتخابات البرلمانية، أو الحزبية ولا يمكن لمرشح أن يشتري أصوات رواده لأن معظمهم من ذوي المهن المرموقة، ومعظمهم من أبناء حيي الظاهر والعباسية ويعرفون بعضهم بعضاً ومعظمهم من عشاق الشطرنج .

ويقول محمود عبدالمنعم من قدامى رواد المقهى: كان الأديب الكبير الراحل إحسان عبدالقدوس من رواد قشتمر، وقد كان رحمه الله مثل نجيب محفوظ من سكان العباسية . ويضيف عبدالمنعم: جاءت شخصية اليهودي التي ظهرت في رواياته متأثرة إلى حد كبير باليهود المصريين من أبناء حي الظاهر الذي كان يمثل حينذاك وحدة متجانسة ومتسامحة ضمت كل المصريين، كما أن مقالاته في مرحلته الأخيرة التي كانت تحمل عنوان على مقهى في الشارع السياسي تأثرت بقشتمر، وإن كان نجيب محفوظ الأكثر حضوراً حتى إن كثيراً من لزمات رواد مقهى قشتمر اقتبسها في الأفلام التي عمل فيها لأول مرة ككاتب سيناريو، كما أن ندوته في قشتمر سبقت ندواته في الأوبرا وفي مقهى ريش .

وإذا كان كثير من المقاهي قد اشتهر بالنرجيلة فمقهى قشتمر اشتهر ولا يزال بلعبة الشطرنج، حيث يحرص أصحاب المقهى على رعاية العديد من بطولات الشطرنج بين رواده ويقدمون الجوائز السخية للفائزين .

ويقول طارق حنفي (محام) من رواد المقهى: الحديث عن قشتمر لابد أن يتضمن الحديث عن بقية العلامات التاريخية لحي الظاهر، فلا يمكن إغفال الحديث عن مدرسة خليل أغا الثانوية التاريخية التي تقع على بعد عدة أمتار من المقهى أو مدرسة الأهرام، أو قصر السكاكيني باشا، وإذا اتجهنا من هنا إلى حي الحسينية حتى بوابة النصر، وباب الفتوح سنجد أنفسنا نطل على قلب قاهرة المعز، وبالتالي فإن قشتمر يظل صفحة في كتاب تاريخ ينبض بالحكايات .

وينفي كثير من قدامى رواد مقهى قشتمر ما تردد عن ملكيته في الأساس لبعض اليهود المصريين، ويقول المهندس هاني مجاهد حفيد مجاهد البنهاوي أحد أعيان المنوفية وكان من الرواد القدامى للمقهى في أواخر ثلاثينات القرن العشرين: هذه الأرض التي كانت تضم المقهى ومخازن كانت ضمن وقف آل الشعراني وهي أسرة عريقة من باب الشعرية ينتسب إليها الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي قام منذ زمن بعيد بتأجير المقهى إلى جدي، وقد استمر ذلك منذ العام 1947 حتى العام ،2004 حيث قامت أسرتي آل مجاهد بشراء المقهى من ورثة عبدالوهاب . ويضيف البنهاوي: اليهود أداروا المكان لفترة نظرا لشطارتهم ودقتهم المحاسبية، لكنهم لم يمتلكوا أي شيء .