القاهرة محمد المالحي:
رغم سنوات عمره التي تقترب من السبعين، يعيش مكرم سلامة - أحد أشهر جامعي الوثائق في مصر والعالم العربي- بقلب وروح شاب لم يتجاوز العشرين، ففي إطار بحثه عن كل ما هو نادر وثمين، من وثائق وأرشيفات مصر، خاصة الحقبة الملكية، وعهد أبناء محمد علي- مؤسس مصر الحديثة- وبداية إرهاصات السينما المصرية وحقبة ثورة يوليو ،1952 يجوب "مكرم" ربوع ومحافظات مصر، من أقصاها إلى أدناها، سعياً وراء "وثيقة نادرة" يملكها شخص ويريد بيعها، أو تاجر ورق قديم، لديه سندات يظن أنها تاريخية، حتى بات منزله بمدينة الإسكندرية الساحلية بمصر، أشبه بدار للوثائق أو قلعة حصينة يسكنها عبق التاريخ وروح الأساطير .
عن عشقه لهواية جمع الوثائق التاريخية يحكي "مكرم" ل"الخليج" قصته في الحوار التالي:
* منذ متى بدأت هذه الهواية؟ ولما وثائق الحقبة الملكية تحديداً وبداية القرن الماضي؟
- بدأت منذ نحو 40 عاماً، وكنت وقتهاً شاباً في بداية الثلاثينات، وشغفي بالقراءة، ومعاصرتي للأجانب الذين عاشوا في مدينتي الإسكندرية، جعلني أعشق هذه الحقبة، فالوثائق تحمل عطراً تاريخياً، وحكايات منسية من تاريخ الدول والشعوب، تحمل بين جنباتها ماضياً كان ساحراً، يفوق الوصف في روعته ورونقه، وأصبحت الآن لا أرى العالم إلا من خلال الوثائق والأرشيفات، التي تسوقها الأقدار دوماً في طريقي، فكما تنتخب الحياة عناصرها، يبدو أن "الوثائق التاريخية" تختار أيضاً من يملكها ويحافظ عليها .
* من أين تحصل على هذه الوثائق والصور النادرة؟
- من باعة الكتب القديمة، والملابس والأثاث المستعمل- يطلق عليهم في مصر باعة الروبابيكيا- فهم بطبيعة عملهم يجوبون الشوارع لشراء كل ما هو قديم، وعديم القيمة، وللأسف نتيجة عدم وعي بعض الناس وجهلهم بقيمة "التاريخ" يقومون ببيع بعض مقتنيات ورثتهم على أنها بلا قيمة إضافة لصالات المزادات التي أحرص على زيارتها والمشاركة في معارضها، بحثاً عن كل ما هو قديم وتاريخي .
* وبالنسبة لوثائق السينما في مصر والأفيشات؟
- معظم وثائق السينما حصلت عليها من خلال "ورثة" أبناء الفنانين والمنتجين، الذين قاموا للأسف، عقب وفاة ذويهم، بغلق مكاتب الإنتاج الخاصة بهم وبيع محتوياتها لتجار الورق ب"الكيلو" ولديّ العديد من وثائق الفنانين والمنتجين الكبار في مصر، بينهم وثائق شركة "بهنا فيلم للتوزيع السينمائي" أول شركة توزيع سينمائي في مصر، في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، وكان مقرها الإسكندرية، كذلك استوديو "مزراحي" ووثائق شركات إنتاج أفلام أنور وجدي، وليلى مراد، ومحمد فوزي، ومريم فخر الدين، وفريد شوقي، وعماد حمدي، وغيرهم من الفنانين، علاوة على كافة أفيشات السينما في مصر منذ عهد السينما الناطقة - فبعضها من تجار الخردة والروبابيكيا، والآخر من دور العرض قبل هدم أغلبيتها في بداية الثمانينات من القرن الماضي .
* ما أندر ما عثرت عليه ويخص السينما المصرية؟
- أرشيف نادر "نيجاتيف" كامل للفنان الراحل أنور وجدي، به مجموعات صور كاملة له، منذ طفولته وشبابه وحتى وفاته، وصور له مع زوجته الفنانة الراحلة ليلى مراد، وكواليس أفلامه - ما يعرف بالميكينج - واشتريته من تاجر روبابيكيا ولا أعرف كيف حصل عليه، وكذلك صور نادرة بالنيجاتيف للفنان نجيب الريحاني، وأخرى نادرة أيضاً عن المخرج الإيطالي توجو مزراحي - صاحب أول إرهاصات صناعة السينما في مصر - مخرج أفلام أم كلثوم وعلي الكسار، وسلسلة أفلام "شالوم" وهي المجموعة التي أهديتها لمكتبة الإسكندرية منذ سنوات عدة، في احتفالية مئوية السينما المصرية، إضافة ل"ميكينج فوتوغرافي" نادر لأهم ثلاثة أفلام في تاريخ المخرج الراحل يوسف شاهين، وهي "باب الحديد، صراع في الوادي، صراع في الميناء"، وتبلغ نحو 150 صورة فوتوغرافية .
* وبالنسبة للسياسة وعوالمها ما أندر ما حصلت عليه؟
- نيجاتيف يحتوي على نحو 100 صورة فوتوغرافية نادرة للرئيس محمد نجيب- أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو 1952- اشتريته من جامع قمامة، عثر عليه في جوال، يحتوي على صور نادرة لنجيب مع أبنائه في منزله وأعضاء مجلس قيادة الثورة وبينهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قبل تدهور العلاقة بينهما وتحديد إقامته، إضافة لأرشيف غرفة صناعة السينما في مصر، خلال حقبتي الخمسينات والستينات، وبينهم قرارات شطب الفنانين "اليهود" من سجلات نقابة السينمائيين، والغرفة عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .
* لديك عدد من الكاميرات الفوتوغرافية النادرة وماكينات العرض السينمائي، هل هذا أيضاً من هواياتك؟
- بالتأكيد، وأعكف حالياً على توثيق نحو 10 آلاف صورة فوتوغرافية "نادرة" أيضاً للمهن وتفاصيل الحياة في مصر، ومدينة الإسكندرية الساحلية، خلال الفترة من بدايات القرن الماضي، وحتى بدايات "الستينات" بعيون المصورين الأرمن والإيطاليين الذين عاشوا في مصر، خلال تلك الحقبة، والذي قمت بشراء "نيجاتيف" أفلامهم من ورثتهم خلال الثلاثين عاماً الماضية، وتحديداً في بداية سبعينات القرن الماضي، حيث تكشف الصور تفاصيل ساحرة لحياة المصريين، منها صور نادرة لشوارع مصر، والباعة الجائلين ومختلف المهن، التي اندثرت حالياً، مثل "الحاوي المتجول" والفرق الموسيقية الشعبية و"سقاء المياه" و"صندوق البيانولا" والمقاهي الشعبية بريف وصعيد مصر
* هل ثمة تعاون بينك وبين مكتبة الإسكندرية فيما يخص الحفاظ على الوثائق وترميمها؟
- بالتأكيد، فهي صرح ثقافي عالمي، نفخر به كعرب ومصريين، وأنا على اتصال دائم بالمسؤولين بها، كلما عثرت على وثائق نادرة، بلغ ما أهديته للمكتبة نحو 300 ألف وثيقة نادرة، بينها مجموعة صور المصورين الأرمن والإيطاليين الذين عاشوا في مصر، بدايات القرن الماضي، وأحدهم مصور الملك الراحل فؤاد الأول، وأرشيف الدائرة السنية- الخديوي إسماعيل خلال الفترة من 1860 حتى عام 1880- وأرشيف سكة الحديد في مصر منذ نشأتها في عهد الاحتلال البريطاني، وغيرها من الوثائق .
* ماذا تفعل حالياً خاصة ونحن نرى حولك عدداً من وثائق خاصة بالمهن؟
- أعكف حالياً على توثيق كتاب يحتوي على "تراخيص" وثائق نادرة للمهن والحرف والمحال التجارية في مصر، خلال حقبة بدايات القرن الماضي، تكشف هيبة الجهاز الإداري للدولة المصرية، وحجم الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش في مصر وقتها من جنسيات متعددة، واندماج بعض تلك الجاليات في تفاصيل الحياة المصرية، خاصة اليونانية والإيطالية، والنظام الشديد الذي كان يحكم الدولة وقتها، حيث لم تكن توجد مهنة تمارس دون علم الجهات المسؤولة، وضرورة منحها ترخيصاً بمزاولتها حتى لو كان بائعاً متجولاً .
* هل بينها تراخيص فوجئت بها، بعد هذا العمر في عالم الوثائق؟
- بالتأكيد، فعالم الوثائق أشبه بعالم سحري، لا تنتهي مفاجآته، كاشفاً أن من بين "التراخيص" التي وجدها، أول تصريح لتقديم عرض مسرحي يعود ل23 إبريل عام ،1899 باسم سليم عطا الله رئيس جمعية محبي التمثيل- أول من قدم فن المسرح في مصر- وكان وقتها مقيماً بمدينة الإسكندرية، بدائرة قسم العطارين، "تقديم رواية روميو وجولييت بمسرح عدن من الساعة 9 أفرنكي مساء لغاية الساعة 2 أفرنكي بعد منتصف الليل"- بحسب تأكيده - والمعروف تاريخياً أن سليم عطا الله وشقيقه أمين، هما أول من اكتشفا الموسيقار المصري الراحل سيد درويش وألحقاه بفرقتهما المسرحية عام ،1908 قبل انتقالهما للعمل بالقاهرة واكتشافهما أيضاً الفنان الراحل نجيب الريحاني .
حتى الباعة الجائلون لا يعملون إلا بناء على تصاريح، وهو ما يكشفه ترخيص يعود لعام 1908 باسم مصور فوتوغرافي "متجول" يدعى الخواجة الفريد كاتانيو- إيطالي الجنسية- جاء به أن صناعته صاحب سينما فوتوغراف- دار عرض سينمائي بدائية وقتها - من أجل مزاولة عمله بمولد سيدي البنداري، بمدينة الزقازيق، شمال غربي مصر، وأخرى لمقدم عروض فن "الأراجوز" وكان يسمي وقتها "قراجوزاتي" باسم شخص يدعى مصطفى محمد الأفغاني، مولود بولاية كابول بأفغانستان، يعود تاريخها لعام ،1904 لتقديم عروض فن الأراجوز بأحد الموالد الشعبية بمصر لمدة عشرة أيام، وأغربها كان لصاحب مهنة "حاو متجول" لشخص يدعى دولت أبكاش- إيراني الجنسية- وجاء برخصة مهنته عبارة عن حاو أفرنكي، محدد بها تقديم عروضه بأحد المقاهي الشعبية بمدينة الزقازيق ويعود تاريخها لعام 1910 .
رغم سنوات عمره التي تقترب من السبعين، يعيش مكرم سلامة - أحد أشهر جامعي الوثائق في مصر والعالم العربي- بقلب وروح شاب لم يتجاوز العشرين، ففي إطار بحثه عن كل ما هو نادر وثمين، من وثائق وأرشيفات مصر، خاصة الحقبة الملكية، وعهد أبناء محمد علي- مؤسس مصر الحديثة- وبداية إرهاصات السينما المصرية وحقبة ثورة يوليو ،1952 يجوب "مكرم" ربوع ومحافظات مصر، من أقصاها إلى أدناها، سعياً وراء "وثيقة نادرة" يملكها شخص ويريد بيعها، أو تاجر ورق قديم، لديه سندات يظن أنها تاريخية، حتى بات منزله بمدينة الإسكندرية الساحلية بمصر، أشبه بدار للوثائق أو قلعة حصينة يسكنها عبق التاريخ وروح الأساطير .
عن عشقه لهواية جمع الوثائق التاريخية يحكي "مكرم" ل"الخليج" قصته في الحوار التالي:
* منذ متى بدأت هذه الهواية؟ ولما وثائق الحقبة الملكية تحديداً وبداية القرن الماضي؟
- بدأت منذ نحو 40 عاماً، وكنت وقتهاً شاباً في بداية الثلاثينات، وشغفي بالقراءة، ومعاصرتي للأجانب الذين عاشوا في مدينتي الإسكندرية، جعلني أعشق هذه الحقبة، فالوثائق تحمل عطراً تاريخياً، وحكايات منسية من تاريخ الدول والشعوب، تحمل بين جنباتها ماضياً كان ساحراً، يفوق الوصف في روعته ورونقه، وأصبحت الآن لا أرى العالم إلا من خلال الوثائق والأرشيفات، التي تسوقها الأقدار دوماً في طريقي، فكما تنتخب الحياة عناصرها، يبدو أن "الوثائق التاريخية" تختار أيضاً من يملكها ويحافظ عليها .
* من أين تحصل على هذه الوثائق والصور النادرة؟
- من باعة الكتب القديمة، والملابس والأثاث المستعمل- يطلق عليهم في مصر باعة الروبابيكيا- فهم بطبيعة عملهم يجوبون الشوارع لشراء كل ما هو قديم، وعديم القيمة، وللأسف نتيجة عدم وعي بعض الناس وجهلهم بقيمة "التاريخ" يقومون ببيع بعض مقتنيات ورثتهم على أنها بلا قيمة إضافة لصالات المزادات التي أحرص على زيارتها والمشاركة في معارضها، بحثاً عن كل ما هو قديم وتاريخي .
* وبالنسبة لوثائق السينما في مصر والأفيشات؟
- معظم وثائق السينما حصلت عليها من خلال "ورثة" أبناء الفنانين والمنتجين، الذين قاموا للأسف، عقب وفاة ذويهم، بغلق مكاتب الإنتاج الخاصة بهم وبيع محتوياتها لتجار الورق ب"الكيلو" ولديّ العديد من وثائق الفنانين والمنتجين الكبار في مصر، بينهم وثائق شركة "بهنا فيلم للتوزيع السينمائي" أول شركة توزيع سينمائي في مصر، في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، وكان مقرها الإسكندرية، كذلك استوديو "مزراحي" ووثائق شركات إنتاج أفلام أنور وجدي، وليلى مراد، ومحمد فوزي، ومريم فخر الدين، وفريد شوقي، وعماد حمدي، وغيرهم من الفنانين، علاوة على كافة أفيشات السينما في مصر منذ عهد السينما الناطقة - فبعضها من تجار الخردة والروبابيكيا، والآخر من دور العرض قبل هدم أغلبيتها في بداية الثمانينات من القرن الماضي .
* ما أندر ما عثرت عليه ويخص السينما المصرية؟
- أرشيف نادر "نيجاتيف" كامل للفنان الراحل أنور وجدي، به مجموعات صور كاملة له، منذ طفولته وشبابه وحتى وفاته، وصور له مع زوجته الفنانة الراحلة ليلى مراد، وكواليس أفلامه - ما يعرف بالميكينج - واشتريته من تاجر روبابيكيا ولا أعرف كيف حصل عليه، وكذلك صور نادرة بالنيجاتيف للفنان نجيب الريحاني، وأخرى نادرة أيضاً عن المخرج الإيطالي توجو مزراحي - صاحب أول إرهاصات صناعة السينما في مصر - مخرج أفلام أم كلثوم وعلي الكسار، وسلسلة أفلام "شالوم" وهي المجموعة التي أهديتها لمكتبة الإسكندرية منذ سنوات عدة، في احتفالية مئوية السينما المصرية، إضافة ل"ميكينج فوتوغرافي" نادر لأهم ثلاثة أفلام في تاريخ المخرج الراحل يوسف شاهين، وهي "باب الحديد، صراع في الوادي، صراع في الميناء"، وتبلغ نحو 150 صورة فوتوغرافية .
* وبالنسبة للسياسة وعوالمها ما أندر ما حصلت عليه؟
- نيجاتيف يحتوي على نحو 100 صورة فوتوغرافية نادرة للرئيس محمد نجيب- أول رئيس لمصر بعد ثورة يوليو 1952- اشتريته من جامع قمامة، عثر عليه في جوال، يحتوي على صور نادرة لنجيب مع أبنائه في منزله وأعضاء مجلس قيادة الثورة وبينهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قبل تدهور العلاقة بينهما وتحديد إقامته، إضافة لأرشيف غرفة صناعة السينما في مصر، خلال حقبتي الخمسينات والستينات، وبينهم قرارات شطب الفنانين "اليهود" من سجلات نقابة السينمائيين، والغرفة عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .
* لديك عدد من الكاميرات الفوتوغرافية النادرة وماكينات العرض السينمائي، هل هذا أيضاً من هواياتك؟
- بالتأكيد، وأعكف حالياً على توثيق نحو 10 آلاف صورة فوتوغرافية "نادرة" أيضاً للمهن وتفاصيل الحياة في مصر، ومدينة الإسكندرية الساحلية، خلال الفترة من بدايات القرن الماضي، وحتى بدايات "الستينات" بعيون المصورين الأرمن والإيطاليين الذين عاشوا في مصر، خلال تلك الحقبة، والذي قمت بشراء "نيجاتيف" أفلامهم من ورثتهم خلال الثلاثين عاماً الماضية، وتحديداً في بداية سبعينات القرن الماضي، حيث تكشف الصور تفاصيل ساحرة لحياة المصريين، منها صور نادرة لشوارع مصر، والباعة الجائلين ومختلف المهن، التي اندثرت حالياً، مثل "الحاوي المتجول" والفرق الموسيقية الشعبية و"سقاء المياه" و"صندوق البيانولا" والمقاهي الشعبية بريف وصعيد مصر
* هل ثمة تعاون بينك وبين مكتبة الإسكندرية فيما يخص الحفاظ على الوثائق وترميمها؟
- بالتأكيد، فهي صرح ثقافي عالمي، نفخر به كعرب ومصريين، وأنا على اتصال دائم بالمسؤولين بها، كلما عثرت على وثائق نادرة، بلغ ما أهديته للمكتبة نحو 300 ألف وثيقة نادرة، بينها مجموعة صور المصورين الأرمن والإيطاليين الذين عاشوا في مصر، بدايات القرن الماضي، وأحدهم مصور الملك الراحل فؤاد الأول، وأرشيف الدائرة السنية- الخديوي إسماعيل خلال الفترة من 1860 حتى عام 1880- وأرشيف سكة الحديد في مصر منذ نشأتها في عهد الاحتلال البريطاني، وغيرها من الوثائق .
* ماذا تفعل حالياً خاصة ونحن نرى حولك عدداً من وثائق خاصة بالمهن؟
- أعكف حالياً على توثيق كتاب يحتوي على "تراخيص" وثائق نادرة للمهن والحرف والمحال التجارية في مصر، خلال حقبة بدايات القرن الماضي، تكشف هيبة الجهاز الإداري للدولة المصرية، وحجم الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش في مصر وقتها من جنسيات متعددة، واندماج بعض تلك الجاليات في تفاصيل الحياة المصرية، خاصة اليونانية والإيطالية، والنظام الشديد الذي كان يحكم الدولة وقتها، حيث لم تكن توجد مهنة تمارس دون علم الجهات المسؤولة، وضرورة منحها ترخيصاً بمزاولتها حتى لو كان بائعاً متجولاً .
* هل بينها تراخيص فوجئت بها، بعد هذا العمر في عالم الوثائق؟
- بالتأكيد، فعالم الوثائق أشبه بعالم سحري، لا تنتهي مفاجآته، كاشفاً أن من بين "التراخيص" التي وجدها، أول تصريح لتقديم عرض مسرحي يعود ل23 إبريل عام ،1899 باسم سليم عطا الله رئيس جمعية محبي التمثيل- أول من قدم فن المسرح في مصر- وكان وقتها مقيماً بمدينة الإسكندرية، بدائرة قسم العطارين، "تقديم رواية روميو وجولييت بمسرح عدن من الساعة 9 أفرنكي مساء لغاية الساعة 2 أفرنكي بعد منتصف الليل"- بحسب تأكيده - والمعروف تاريخياً أن سليم عطا الله وشقيقه أمين، هما أول من اكتشفا الموسيقار المصري الراحل سيد درويش وألحقاه بفرقتهما المسرحية عام ،1908 قبل انتقالهما للعمل بالقاهرة واكتشافهما أيضاً الفنان الراحل نجيب الريحاني .
حتى الباعة الجائلون لا يعملون إلا بناء على تصاريح، وهو ما يكشفه ترخيص يعود لعام 1908 باسم مصور فوتوغرافي "متجول" يدعى الخواجة الفريد كاتانيو- إيطالي الجنسية- جاء به أن صناعته صاحب سينما فوتوغراف- دار عرض سينمائي بدائية وقتها - من أجل مزاولة عمله بمولد سيدي البنداري، بمدينة الزقازيق، شمال غربي مصر، وأخرى لمقدم عروض فن "الأراجوز" وكان يسمي وقتها "قراجوزاتي" باسم شخص يدعى مصطفى محمد الأفغاني، مولود بولاية كابول بأفغانستان، يعود تاريخها لعام ،1904 لتقديم عروض فن الأراجوز بأحد الموالد الشعبية بمصر لمدة عشرة أيام، وأغربها كان لصاحب مهنة "حاو متجول" لشخص يدعى دولت أبكاش- إيراني الجنسية- وجاء برخصة مهنته عبارة عن حاو أفرنكي، محدد بها تقديم عروضه بأحد المقاهي الشعبية بمدينة الزقازيق ويعود تاريخها لعام 1910 .