لم يكن أقوى سلطان في المغرب، وهو السلطان المولى إسماعيل، مخطئا حين اتخذ من مدينة مكناس عاصمة ملكه بدلا من الرباط أو مراكش أو فاس التي دأب عدد من الملوك المغاربة على اتخاذها عواصم لهم .
هذا الملك الذي كون جيشاً قوياً من المغاربة ومن الجنسيات الأخرى، ويقوم على العبيد الذين جلبهم من منطقة الحبشة وأدخلهم الإسلام واستحلفهم على صحيح الإمام البخاري، فسموا بعبيد البخاري من أجل الوفاء له والإخلاص له، جاء في وقت يعيش فيه المغرب على وقع قلاقل كبرى وتدهمه التحديات الخارجية من طرف اكبر قوة في العالم في تلك الفترة من القرن 15 الميلادي، وهي القوة البرتغالية .
كان أكبر تحد له هو استعادة هيبة المملكة التي كانت تتفكك، وتضعفها النعرات والصراعات القبلية، وهو ما تأتى له بواسطة الحملات العسكرية التي شنها على جيوب التمرد، وكانت عاصمته مكناس التي جعلها مسورة ومحصنة، يضع فيها حريمه وحرسه الشخصي من عبيد البخاري، وكان المولى إسماعيل قد أنجب، كما تذكر ذلك كتب التاريخ، أكثر من 500 ولد من نسائه وجارياته .
وتحتل منطقة مكناس موقعاً استراتيجياً، وهي أيضاً خزان طبيعي للخيرات وبلاد الزيتون . وقد أهلها هذا الموقع للعب أدوار طليعية في تاريخ المغرب عموماً، فهي جنوبا تنفتح على الأطلس المتوسط الذي يعد ممرا نحو تافيلالت وتخوم الصحراء الشرقية، أما شمالا فهي تنظر صوب جبل زرهون الذي يوجد به ضريح المولى إدريس الأكبر مؤسس الدولة المغربية الأولى، ومن هذه الجهة تبدأ منطقة الريف .
وتنفتح شرقاً على سهل السايس الذي تقع على طرفه الآخر مدينة فاس ويخترق المدينة وادي بوفكران، كما تكثر فيها العيون والآبار ذات المياه العذبة .
مراحل التطور
عرفت المدينة مراحل من التطور منذ تأسيسها، وقد انتبه إليها المرابطون خلال القرن 11م، حيث تحددت ملامحها الأولى مع يوسف بن تاشفين، وعرفت أحياؤها نوعاً من التخصص في الوظائف الحيوية، كما ستكتسي هذه المدينة طابعاً عسكرياً وسياسياً .
لاحقاً مع دولة الموحدين خلال القرن 12م تعرف المدينة نقلة نوعية أخرى في مبانيها ومرافقها وتجهيزاتها، مما ساعد على تعميرها وتثبيت دورها في المنطقة .
رغم الصعوبات التي لاقاها المرينيون في بداية حكمهم لبسط سلطتهم على المدينة فإنهم ما لبثوا أن اعتنوا بمعالمها ومرافقها، إذ تم إغناؤها بقصور وحمامات وفنادق ومساجد، إضافة إلى المدارس العلمية التي تميزوا بتشييدها والاعتناء بها، خصوصاً إبان حكم أبو الحسن وأبو عنان، ولعل أهمها المدرسة البوعنانية قرب المسجد الأعظم .
ومع نهاية الدولة المرينية خفت دور مكناس بعض الوقت، ومع ذلك لم تكن تلك الفترة عقيمة، بل شهدت ميلاد زاوية صوفية كبرى سيصبح لها باع كبير في المغرب وخارجه وهي زاوية الشيخ القطب سيدي الهادي بنعيسى الملقب بالشيخ الكامل، المتوفى سنة ،1523 والمعروف في الأوساط الشعبية بمولاي مكناس وتعرف زاويته بالعيساوية .
ويحتضن مركز هذه الزاوية ضريح شيخها وهو موضوع تبجيل وتكريم، حيث يؤمه الزوار تبركاً به ويقام حوله احتفال سنوي غني بالطقوس والتقاليد الشعبية ويتزامن مع حلول عيد المولد النبوي الشريف، ويعرف هذا الاحتفال السنوي بموسم الشيخ الكامل وهو من أكبر مواسم المغرب الأصيلة .
وهنا أيضاً نبغ كبار شعراء فن الملحون (الطرب الأندلسي)، ومن هؤلاء الشيخ الحسين التولالي الذي تسير بذكره الركبان .
طفرة عمرانية
عرفت مكناس حينئذ طفرة هائلة في عمرانها وتهيئة مرافقها وتقوية تجهيزاتها، فبجانب المدينة التي تضم المجتمع المحلي بنيت مدينة مخزنية كاملة بقصورها العديدة ومساجدها ومقرات عتادها وجندها ومتنزهاتها ومخازنها ومرابطها وحصونها وسجونها، فضلاً عن أسوارها الضخمة وأبوابها الشامخة والرائقة الجمال : إنها المدينة المغربية بل العربية والإسلامية التي جهزت بأطول حزام من الأسوار التي يتخللها عدد كبير من الأبراج المربعة العالية القوية، والتي أحاطت بالمدينة المخزنية والمدينة الشعبية على مسافة زادت على 40 كلم .
وقد راعت التهيئة العمرانية الجديدة آنذاك الحاجيات الحيوية وضمان مقاومتها لكل حصار مفترض، إذ تُركت بداخل أسوارها متنزهات وجنان وأراض صالحة للزراعة كما بُني صهريج عظيم بين القصر السلطاني والمخازن لضمان التزود بالمياه وتوريد الأنعام وسقي البساتين . مما أعطى لهذا التجمع العمراني طابعاً خاصاً جعل المؤرخ ابن زيدان يقول عن مكناس: إنها مدينة في قرية وقرية في مدينة .
عرفت ورش المدينة المخزنية الجديدة في العهد الإسماعيلي حركة دائمة لعشرات السنين جندت لها ألوف من اليد العاملة بمن فيهم الأسرى الأوربيون الذين سقطوا في يد القوات المغربية أثناء الحروب التحريرية للثغور المغربية، ومن هؤلاء الأسرى الأقدمين والمشهورين مويط .
كان طموح المولى إسماعيل هو أن يجعل مكناس مدينة تضاهي العواصم الأوربية حتى أنها وصفت بفرساي المغرب، مقارنة مع فرساي الملك لويس الرابع عشر المعاصر للمولى إسماعيل وقد عرفت المبادلات والسفارات بين العاهلين شأواً كبيراً آنذاك .
ومن مآثرها الإسماعيلية باب الرايس والبردعيين وباب جديد وباب الخميس وباب منصور ومربط الخيول وصهريج الصواني وقصر المنصور وساحة الهديم والأبراج العديدة الشامخة، فضلاً عن المدينة العتيقة وجوامعها وأضرحتها وزواياها، وقد استحقت المدينة بما تحضنه من مآثر تاريخية مهمة أن تسجل لدى منظمة اليونيسكو في قائمة التراث العالمي سنة 1996 .
لم تتنازل مكناس عن أهميتها مدينة مخزنية وحاضرة كبرى حتى عندما فقدت صفتها عاصمة سياسية للبلاد خلال المنتصف الثاني من القرن 18م لفائدة جارتها فاس في بداية الأمر، إذ كانت سكنا مفضلا لعدد من الأمراء ورجال الدولة . أما خلال خضوع المغرب للحماية الفرنسية فإنها استعادت بعض أدوارها موقعاً استراتيجياً له أهمية عسكرية واقتصادية بالدرجة الأولى، وترجم اهتمام سلطات الحماية بهذا الموقع من خلال فتح ورش كبيرة لتشييد مدينة جديدة على الطراز الأوروبي بشوارعها وعماراتها وحدائقها وأحيائها الصناعية والتجارية والسكنية ومختلف مرافقها الإدارية والعسكرية والرياضية والثقافية ويرجع الفضل في تحديد معالم المدينة الجديدة إلى الجنرال بويميرو .