كان الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية يجد مبررا لوجوده إبان الاحتلال الفرنسي، فظهرت روائع في السرد والشعر نافست نصوص كبار الكتاب الفرنسيين في لغة موليير، وإن تضاربت المضامين في ترجمة المعاناة وتصوير مآسي الواقع الاجتماعي خلال سنوات الاحتلال والجمر، ومن ألمع الأدباء الجزائريين الذين ذهبوا هذا المذهب كاتب ياسين في روايته نجمة، ومحمد ديب في ثلاثية الدار الكبيرة، ومولود فرعون في رواية ابن الفقير، وهي الأعمال التي يمكن اعتبارها من كلاسيكيات الأدب المكتوب باللغة الفرنسية خارج مستعمرات فرنسا .
لقد وجد هؤلاء أنفسهم منفيين في لغة بعد انتزاع الجزائر استقلالها، ما أدى إلى صمت مالك حداد نهائيا عن الكتابة، وهو الذي كان يشكل ظاهرة أدبية فريدة في اللغة الفرنسية، أما كاتب ياسين فتحول للكتابة بالعامية بعدما سئم من ترديد أن اللغة الفرنسية غنيمة حرب، ورحل محمد ديب عن باريس ليقيم في جزيرة كورسيكا، أما الفرنكفونيون الجدد فتمتلئ كتاباتهم بنداءات الهوية ومظاهر التمزق وجلد الذات، وإذا كان السابقة أسماؤهم مضطرين للكتابة بلغة جلادي شعبهم لأنهم لا يحسنون اللغة العربية، فإن الجزائر المستقلة أنجبت كتاباً شباباً يكتبون باللغة الفرنسية باختيارهم الشخصي، يعبرون في مؤلفاتهم عن الاغتراب وينادون بتحقيق أصناف من الحرية يرون أنهم محرومون منها، أما الذين يكتبون بالعربية فقد انهوا حروبهم وراحوا ينشدون الترجمة .
على رغم تغييب اللغة العربية من قبل المستعمر الفرنسي من المدارس ومحاربتها ومحاولة طمسها كسائر الركائز الأساسية للهوية الجزائرية طيلة قرن وإثنين وثلاثين عاماً، إلا أن ثلة قليلة من الجزائريين كانوا يتقنونها حد الإبداع في كتابة الشعر والقصة والرواية والمسرحية، وكانوا ينشرون مؤلفاتهم في الصحافة والمجلات التونسية وبعض المنشورات السرية في الجزائر كجريدة البصائر والمبشر، وقد أسهموا في إخصاب الإنتاج الأدبي، فظهرت أسماء أسست لميلاد الأدب الجزائري الحديث باللغة العربية، استكمالا لمسيرة الإحياء الشعري الذي بدأت إرهاصاته الأولى في شعر الأمير عبد القادر الجزائري، إلى أول قصة قصيرة التي كتبها المدعو رحال عام 1883 بعنوان انتقام الشيخ، وصولاً إلى كتابات الشهيد رضا حوحو صاحب غادة أم القرى، وصولا إلى ستينيات القرن الماضي بكتابات عبدالحميد بن هدوقة مؤلف الأشعة السبعة، وزهور ونيسي مؤلفة يوميات مدرسة حرة، والطاهر وطار الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى دخان من قلبي، وأقاصيص عائشة سعودي وأبو العيد دودو، وغير هؤلاء من طلائع القصة والرواية المكتوبة بالعربية، الذين كان أغلبهم قد تركوا مقاعد الدراسة والتحقوا بصفوف الثورة الجزائرية 1954 ،1962 وأرخوا بعواصفها وجراحاتها وإنجازاتها في كتاباتهم، وهو الأمر نفسه الذي قام به الكُتاب باللغة الفرنسية فكان لهم الهم نفسه، فراحوا يحاربون فرنسا بلغتها من خلال رواية الدروب الوعرة للكاتب مولود فرعون الذي اغتيل من طرف الاستخبارات الفرنسية عام ،1962 والذي تبادل الرسائل الأدبية مع صاحب نوبل للأدب الكاتب ألبيير كامو . وجدير بالذكر الإشارة إلى عائلة عمروش المكونة من الأم الروائية فاطمة آيت منصور صاحبة رواية قصة حياتي، والابن جون موهوب مؤلف الرفاة، والبنت طاووس مارغريت صاحبة الياقوتة السوداء، هؤلاء الذين أبدعوا في التأريخ للحياة الاجتماعية للجزائر العميقة في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي . من دون أن ننسى روائع الكاتبة الكبيرة آسيا جبار صاحبة المجموعة القصصية نساء جزائريات في مخدعهن، التي كانت جوهرة من جواهر الكتابة الفرانكوفونية المناهضة للكولونيالية .
ثم حلت كتابات أخرى باللغتين العربية والفرنسية واكبت التحولات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية لجزائر الستينيات والسبعينيات، حيث غرق الكتّاب آنذاك في أفكار الثقافة الاشتراكية حد اتهامهم من قبل الجيل الأدبي الذي جاء بعدهم بالمتاجرة بالشرعية الثورية . أما مرحلة الثمانينات فظه جيل أدبي واكب أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 الدامية التي طالبت بالانفتاح السياسي والمزيد من الحريات فظهرت تجارب قيمة لكتاب من أمثال أنور بن مالك صاحب أوماريا ورشيد ميموني صاحب النهر المتحول، وياسمينة خضرة صاحب الرواية التي أثارت الجدل مؤخرا العملية، وليلى صبار الروائية المغتربة والتي بكت في أكثر من مناسبة لجهلها اللغة العربية وقد أصدرت كتابها لغتي الحبيبة، لغة أبي، والروائية مايسة باي صاحبة رواية لا تلتفتي، يكتب هؤلاء باللغة الفرنسية وظفروا بجوائز أدبية عالمية، نافسوا الفرنسيين عليها . وكانت مضامين هذه الروايات تتناول موضوع الحرية وانسداد الأفق السياسي والأزمات السيكولوجية والاجتماعية وصولا إلى تناول قضايا الإنسان الجوهرية والإهتمامات الكبرى في العالم، مع الإشارة إلى أن هؤلاء خضعوا في الغالب لرغبة الناشر الأوروبي الذي يصر على مواضيع جلد الذات، وتعرية المجتمعات الشرقية وكشف خفاياها .
في المقابل الكتاب باللغة العربية كالروائي الكبير رشيد بوجدرة مؤلف رواية التفكك، والروائي الطاهر وطار صاحب اللاز، وغيرهم من مجايليهم الذين أرخوا للتحولات الاجتماعية للجزائر التي كانت تعيش دوامات تغيير متسارعة، إلى جانب القضية المركزية في الوعي التاريخي الجزائري أقصد القضية الفلسطينية، وقد ظهر ذلك جلياً في كتابات الروائي واسيني الأعرج، وأمين الزاوي، ومحمد ساري، الذين يكتبون بالعربية ولهم أيضاً مؤلفات باللغة الفرنسية .
ولعل ما يثير الجدل الحاد في الحركة الأدبية الجزائرية هو قضية الأدب الإستعجالي الذي واكب الفترة الحرجة التي عاشتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي اغتيل خلالها الكثير من المثقفين من بينهم الطاهر جاووت صاحب البحث عن العظام، والشاعر عبدالله شاكري، والناقد بختي بن عودة، فظهرت نصوص سارعت في وصف الأزمة ما جعل البعض ينتقدها لأنها كتبت على عجل، وهناك من قدرها لأنها وثقت لذاكرة العشرية السوداء وما كان يعتلج في نفوس الأدباء من تمرد أنجب نصوصاً صادقة تعتبر وثيقة مهمة في تاريخ الجزائر السياسي والاجتماعي، فقد ظهرت كتابات بالفرنسية مثل قصص يوسف زيرام، وحكيم شعلال، وبالعربية مثل روايات بشير مفتي وقصص علال سنقوقة واحميدة عياشي، نعم اختلف هؤلاء في الوسيلة لكنهم تشابهوا في الغاية، وهي انتقاد العنف ومحاربة التطرف والإرهاب والإصرار على التصدي للموت، وقد تميزت نصوصهم بالمحافظة على القيم الجمالية في الكتابة متخلصة من القيم الإيديولوجية .
يصر الكثير من الكتّاب الفرنكفونيين الجدد على استعمال لغة استعمرهم في السابق أصحابها، ويتلمسون فيها بعضاً من الحرية، بينما يعانون تضييق مجتمعاتهم الأصلية حيث يمنع تداول بعض من كتبهم كما هو الشأن بالنسبة لرواية رجالي للمؤلفة مليكة مقدم، واتهام بوعلام صنصال صاحب الرواية المثيرة للجدل قسم البرابرة بالتشويش ما أثار غضب المؤسسات الرسمية عليه في الجزائر، وقد صودرت رواية صادرة، مؤخراً للكاتب مهدي الجزائري بعنوان بوتاخين من المكتبات الجزائرية، وتلك إشكالية أخرى .
* قاصة وإعلامية من الجزائر