مدرسة عريقة نستطيع القول إنها وضعت حجر الأساس للتعليم في إمارة الشارقة . إنها مدرسة الإصلاح أول مدرسة تمارس التعليم النظامي في الشارقة، كما كانت تؤدي رسالة خيرية إضافة إلى رسالتها التعليمية، حيث كانت تتلقى من طلابها رسوماً رمزية، وتعفي الفقراء واليتامى من الرسوم الدراسية، هذه المدرسة تحولت إلى متحف يحمل اسم متحف مدرسة الإصلاح تخليداً لاسمها ودورها التعليمي والاجتماعي .
فؤاد القحطاني منسق الفعاليات في متحف مدرسة الإصلاح وباحث في تراث الإمارات، يقول: أسس الشيخ محمد بن علي المحمود مدرسة الإصلاح في منطقة الحيرة في الشارقة عام ،1935 وتحديداً في قرية صغيرة تطل على البحر، وقد وقع اختيار الشيخ المحمود على هذا الموقع بعينه لوقوعه في طريق القادمين من الإمارات الشمالية ومنطقة رسو السفن التجارية بالقرب من الشاطئ، وبعد مضي ثلاث سنوات انتقل مقر المدرسة إلى الحمرية، وبناء على توجيهات المغفور له بإذن الله الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة وقت ذاك تم نقل المدرسة إلى فريج السوق وهو موقعها الحالي في منطقة التراث ما بين عامي 1938 و،1953 في بيت سالم بن محمد الشامسي، جد الشيخ المحمود أول مدير للمدرسة . وأصبحت أول مدرسة نظامية تعليمية ذات منهاج دراسي في إمارة الشارقة، ولعلها كانت أول مدرسة تتلقى فيها الفتيات التعليم في المنطقة، ويأتي تأسيس المدرسة خطوة عملية للحاق بركب التطور وإحداث طفرة في جميع نواحي الحياة من خلال ما تقدمه من مواد دراسية تستنير بها العقول، وحملت اسمها نسبة إلى مجلة ثقافية دينية كانت تسمى الإصلاح . وكانت المدرسة في بدايتها مختلطة وبعدها تم تخصيص غرف دراسية للبنات وأخرى للأولاد وكان الكثير من الطلاب يرتبطون بصلة قرابة، وفي العام 1954 تم فصل البنات عن البنين خلال الدراسة وافتتحت مدرسة فاطمة الزهراء للبنات . وبعد تأسيس مدارس كبيرة في الدولة بسبب ازدياد عدد الطلاب توجه كثيرون إلى مدارس أخرى وتركوا مدرسة الإصلاح في أواخر الخمسينات ثم تحولت المدرسة بعد أربعين سنة إلى متحف .
ويضيف: مرت مدرسة الإصلاح التي انتقل مقرها من موقع إلى آخر بفترة ركود اقتصادي في أوائل الثلاثينات، وذلك تأثراً بمشكلة انهيار تجارة اللؤلؤ، وفي أواخر الأربعينات تم تغيير اسم المدرسة إلى الإصلاح القاسمية تقديراً لجهود ورعاية الشيخ سلطان بن صقر القاسمي الذي أخذ على عاتقه مسؤولية تمويل المدرسة بالكامل . وقد تلقى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة جزءاً من تعليمه في مدرسة الإصلاح، إذ التقطت صورة لصاحب السمو بين التلاميذ وهي معروضة الآن في الغرفة رقم 9 من المتحف .
نموذج للبناء الخليجي
خلال تجولنا في المتحف وجدنا أن المبنى مؤلف من طابقين ويعكس نموذج البناء الخليجي، وقد شيد من الكتل المرجانية وأحجار بحرية ملتصقة بالجص، وخضع لأعمال توسعة على مراحل، ويحتوي الطابق الأرضي الآن على 13 غرفة تطل جميعها على ساحة رئيسية مركزية، كما أن هناك غرفاً أقدم من غيرها، وتتباين هذه الغرف من حيث الحجم حسب فترة تأسيسها ويتوقف اتساعها على طول دعائم الأسقف المصنوعة من أشجار المنغروف الشندل المستوردة من شرق آسيا .
ويحتوي الطابق الأرضي إضافة إلى غرف الدراسة على مطبخ ودورات مياه ومخزن وغرفة المدير وغرفة المعلمين والمكتبة، وقد صمم المبنى بطريقة تساعد على تلطيف درجة الحرارة، إذ يلقي الإيوان بظلاله على بعض أجزاء من غرف الطابق الأرضي، ويعزل حرارة النهار عن الغرف والساحة الداخلية، وتخفي الفجوات الموجودة في جدران الغرف منافذ الهواء القادمة من السطح لتفعيل دورة الهواء داخل الغرف وتلطيف درجة حرارة الغرف، كما استخدمت هذه الفجوات للتخزين . ويوجد في مبنى متحف المدرسة درج دائري يقود إلى الطابق العلوي الذي توجد فيه غرفة واحدة خصصت لمبيت المعلمين المغتربين .
أول مكتبة ثقافية
يقول عبدالرحمن الحمادي (أمين متحف بيت النابودة ومدرسة الإصلاح): عنيت مدرسة الإصلاح بتعليم مناهج دراسية متعددة المجالات مثل العلوم والخط العربي والرياضيات والنحو والتاريخ والأدب وعلوم الفلك إضافة إلى تعليم القرآن الكريم . وكانت عملية توزيع الطلاب تتم على مجموعات حسب أعمارهم وقدراتهم على تلاوة القرآن، وفي تلك الفترة دخلت المقاعد والمكاتب الخشبية غرف الدراسة ما ساهم في إرساء وتشكيل قواعد التعليم النظامي بصورة أفضل، على الرغم من تلقي الطلاب الصغار دروسهم على يد آخرين أكبر سناً . ويشير الحمادي إلى أن مدرسة الإصلاح تعد أول خطوة في طريق التعليم النظامي، وجاء تطوير المناهج الدراسية وتلقي الدروس في غرف الدراسة مع التحول من طرق التعليم غير النظامية في البيت إلى التدريس النظامي المصحوب بتطور المناهج .
ويضيف الحمادي: إن عناية مؤسس المدرسة الشيخ محمد المحمود قادت مدرسة الإصلاح إلى التربع على سدة التعليم في الإمارات وسائر دول الخليج، حيث سافر إلى البحرين والمملكة العربية السعودية كما سافر العراق لانتقاء أفضل أساليب التدريس والمناهج، كما أسس أول مكتبة ثقافية في المدرسة، وغادر الشيخ المحمود إمارة الشارقة قاصداً قطر عام 1948 لتأسيس مدرسة الإصلاح هناك بعد أن أتم سبع سنوات في المدرسة . واستمرت السمعة الرائجة لمدرسة الإصلاح في عهود المديرين التاليين للشيخ المحمود من أمثال أحمد محمد بورحيمه، ومصطفى يوسف طه،و محمد دياب موسى الذي أخذ على عاتقه استكمال مسيرة أسلافه .
وتحدثنا ندى النقبي (منسق إداري في متحف مدرسة الإصلاح) عن اليوم الدراسي قائلة: كان اليوم الدراسي يبدأ في مدرسة الإصلاح في تمام الساعة الثامنة صباحاً حيث يقف التلاميذ مصطفين في فناء المدرسة ويستمعون إلى تلاوة القرآن الكريم، ثم يتركون الفناء قاصدين غرف الدراسة ثم تبدأ دروس القراءة والكتابة تتبعها دروس الدراسات الإسلامية والجغرافيا والحساب واللغة الانجليزية، إضافة إلى ممارسة البنين الرياضة، وفي بداية الأمر اعتاد الطلاب العودة إلى بيوتهم بعد تناول وجبة الغداء والتوجه إلى المدرسة مرة أخرى في الساعة الرابعة عصراً، واستئناف اليوم الدراسي حتى غروب الشمس، ولم تكن الكهرباء متوفرة في ذلك الوقت، وتغير الجدول اليومي وصار التلاميذ يتناولون وجبة الغذاء بين الساعة الثانية عشرة والثالثة عصراً، واعتاد المعلمون المغتربون خلال العام الدراسي المبيت في غرف الطابق العلوي، وكان الطعام يحضر لهم في المطبخ الكائن في الطابق الأرضي .
ويصف فؤاد القحطاني كيفية قضاء الطلاب أوقاتهم في الاستراحات، قائلا: خلال الاستراحة كان الأولاد يمارسون بعض الألعاب وأشهرها كرة القدم والبلية، وكانوا عادة يلعبون على الخور باحثين عن الأصداف والأخشاب لصنع الألعاب إضافة إلى صيد سراطين البحر وتعلم السباحة، أما الفتيات فكن يمارسن نوعية مختلفة من الأنشطة مثل القفز والغناء وأعمال التطريز والخياطة وتحضير وجبة العشاء في البيت . وفي موسم الغوص كان الأبناء يتغيبون عن المدرسة بسبب غياب الأب عن البيت، فالابن كان يحل محل والده في تلك الفترة، وبعد عودة والده سالماً يكمل تعليمه الدراسي .
ويضيف: في مكتب مدير المدرسة توجد صور قديمة التقطت للمدير ومعاصريه، وتسمى العباءة الملقاة على كرسي المدير المشلاح أو البشت، ويرتديها الرجال عادة في المناسبات الرسمية، وهي مصنوعة من نوعية من الشاش تشبه الصوف ومطرزة بخيوط فضية أو ذهبية . ولم تكن المدرسة للتعليم فقط بل كان الشعراء يجتمعون في المدرسة وتقام الحفلات ويتم استقبال الشيوخ والأمراء فيها .
غرفة المطوع
الغرفة رقم (12) في المتحف غرفة المطوع التي كانت موضعاً لتعليم القرآن الكريم قبل إنشاء المدارس النظامية، وقد صنعت جدرانها من العريش وبها العديد من منافذ التهوية لتلطيف درجة حرارة الغرفة، ووضع حصير من سعف النخيل على الأرض لتغطية الرمال، وكان الأطفال يجلسون على الأرض في مواجهة الرافع الذي يوضع عليه المصحف، وصنعت الروافع من مواد مختلفة مثل خشب الساج وسعف النخيل والقصدير، وتعكس المادة التي صنع منها الحامل الحالة المادية للعائلة، كما استخدمت الفلكة وهي عبارة عن عصا خشبية تستخدم لتأديب التلاميذ المشاغبين .
واعتاد الطلاب تلقي الدروس جالسين على الأرض، حيث كانوا يجلسون في حلقة حول المعلم، وغالباً ما يأخذ الطالب فترة عامين لتعلم تعاليم القرآن الكريم والصلاة ومبادئ القراءة والكتابة والحساب، ويعتمد هذا على تحصيل التلميذ واجتيازه الاختبارات . وكان الطلاب يتلقون الدروس يومياً ما عدا يوم الجمعة، وتستمر الدراسة في الصيف وشهر رمضان الكريم بينما كانت الإجازات الرسمية تقتصر على المولد النبوي وعيدي الفطر والأضحى، وتبدأ الدروس مع شروق الشمس ويأخذ الطلاب استراحة لتناول الفطور والغذاء، وكان بعض الطلاب يحضرون دروس فترة بعد الظهيرة حتى غروب الشمس، ويدفعون رسوماً تقدر بخمس روبيات شهرياً للمطوع .
وكانت أشواك القنفذ وريش النعام تستخدم في بداية الكتابة عوضاً عن الأقلام مع السائل الأسود الذي يفرزه الحبار البحري أو رماد سعف النخيل المحروق بدل الحبر، واستخدمت عظام الجمل الكبيرة عوضاً عن الورق، ثم استخدم الورق الخشن وأقلام الخيزران والحبر بعد ذلك بدلاً من تلك الأدوات .
وكان نظام التعليم صارماً، وأهم ما يميزه المواظبة على الحضور والتركيز، إلا أنه في نهاية اليوم كان يحصل الطلاب على حلوى . وصار هناك احتفال يسمى احتفال التحميدية لحفظة القرآن حيث يظهرون مواهبهم ويستمر مدة أسبوع كامل، وكانوا يسيرون في الطرقات الضيقة يترنمون بتواشيح دينية .