انطلقت في 7 إبريل/ نيسان الجاري فعاليات الدورة الرابعة من ملتقى الشارقة لفن الخط العربي وستتواصل لمدة شهرين، وهو الملتقى الدولي الأول والرائد على المستوى العالمي الذي يعنى بفنون الخط العربي وإبداعاته الأصيلة والمعاصرة وأساليبها المتنوعة وحلولها الجمالية المبتكرة التي تستلهم أنماطها وأفكارها ورؤاها البصرية من أشكال الحروف العربية، وقد بلغ إجمالي الفنانين المشاركين فيه 333 فناناً، أما الأعمال المشاركة في هذه المعارض فيبلغ عددها 821 عملاً في مجال الخط العربي والزخرفة الإسلامية، وأيضاً الأعمال التشكيلية التي استلهمت أبجديات أخرى غير عربية .
بدأت هذه الدورة بافتتاح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة للمعرض العام الذي ضم 260 عملاً لأكثر من 150 خطاطاً وفناناً من 28 دولة أبدعوا أعمالهم وفقاً لأساليب فنية متنوعة .
وتخلل الحفل الإعلان عن أسماء الفائزين في المسابقة الدولية لفن الخط العربي، وهي إحدى فعاليات الملتقى، وتنقسم المسابقة إلى مجالات عدة هي: مجال التيارات الأصيلة في الخط العربي، وفاز بالمركز الأول فيه محمد مهدي يعقوبيان من إيران الذي يتقن خط النستعليق، إضافة إلى القدرة على خلق منسوجات خطية بديعة تتراءى فيه اللوحة وكأنها ثوب مزركش بديع التطريز، وبالمركز الثاني زياد حيدر المهندس من العراق الذي جعل شكل الدائرة مركز اهتمامه فأحال النصوص الخطية إلى دوائر جميلة، تحيل على ما للدائرة من دلالة وعمق في التراث الصوفي بوصفها رمزاً للكون وللكمال وأصل كل الأشكال، وجاء في المركز الثالث أحمد الأسمر من فلسطين الذي يعمل جاهداً على تقديم صيغة الخط الكلاسيكية في أبهى حللها مطعماً إياها ببعض الملامح الإبداعية الخاصة به، وهو يركز على خط الثلث والثلث الجلي والنسخ وهو يمتاز بالقدر على خلق التناسب على مستويات عدة في اللّوحة .
أما مجال الاتجاهات الخطية الحديثة فقد فازت بالمركز الأول فيه ماريان منده من ألمانيا وتقوم أفكارها الإبداعية على حشد النصوص المخطوطة في الأبجديات المختلفة ومن بينها الأبجدية العربية حيث تضعها في سياق بصري بليغ يتواشج مع بعض القوارير والأواني البسيطة في تكوين تشكيلي بالغ الدهشة يعتمد فقط على اللونين الأبيض والأسود، وفاز بالمركز الثاني ضيف الله نور الدين من المغرب الذي يركز على محاولة بناء رؤية بصرية بؤرتها الحرف في وحده وتموجه، وفي اتساقه مع فضاء اللوحة ومظاهر اللون، أما في مجال الفنون التي تستلهم الحرف فقد فاز بالمركز الأول بيريت لامبرت من كندا، وجاء في المركز الثاني كل من غاي جين وجنيت فريدركس من كندا يقدمان بتقنية الفيديو آرت تجربة الكتابة على الماء، بما فيها من جمالية وحركية حين تنعكس الحروف على سطح الماء المتماوج، فتبدو كذلك متماوجة في رقصة أخاذة، وأما جائزة لجنة التحكيم فقد فاز بها الخطاط محمد فاروق الحداد من سوريا، وينصب اهتمام الحداد على إقامة أبنية بصرية متوازنة، مستفيدا من تكرارات الحروف المتشابهة في الجملة التي يكتبها، ومن الإمكانيات التركيبية للكلمات، والمقاطع في خلق مستويات من التناسب الشكلي الجميل .
تكريم
وشهد الافتتاح أيضاً تكريم أربعة من رواد فن الخط العربي في العصر الحديث من الذين تركوا بصمة واضحة في مسيرة هذا الفن، وهم: سامي برهان المولود سنة 1929 في حلب في سوريا، وقد بدأ اهتمام برهان بالخط وهو صغير، وأخذ أصول الخط عن الخطاط حسين حسني وزار حامد الآمدي في تركيا، ودرس الفنون الجميلة في باريس وروما وأقام في إيطاليا إقامة دائمة، مكنته من متابعة حركة الفن العالمي والمشاركة فيه .
المكرم الثاني هو غلام حسين أمير خاني وهو من مواليد 1939 في طالقان في إيران، تعلم الخط على يد كبار الخطاطين أمثال حسين مرقاني وحسن مرقاني تخصص غلام في فن النستعليق الفارسي الذي وضع أمير التبريزي أصوله، فطوّره وألبسه حلة عصرية استفادت من واقع الحياة والفن المعاصر، وأبدع في كتابة البسملة كما لم يبدع أحد غيره، فقد جعل حركة قلمه ترجمة حركية لعبقريته الفكرية .
المكرم الثالث هو نجا المهداوي وهو من مواليد 1937 في تونس العاصمة درس الفن في إيطاليا وفرنسا، ونال العديد من الجوائز والتشريفات وحاضر، وشارك في ملتقيات وبيناليات وندوات ولجان تحكيم دولية كثيرة في الوطن العربي وأوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، وصمم شعارات شركات عالمية، وهو فنان بصريات من الطراز الأول، يشهد على ذلك هذا الاحتفاء الدولي الذي يلقاه في كل مكان .
المكرم الرابع هو د .يوسف ذنون المولود 1932 في الموصل، وهو خطاط وباحث في فن الخط العربي والعمارة الإسلامية، له مؤلفات عدة عمل في بداية حياته مدرس تربية فنية ثم زار تركيا ليطلع على حركة الخط هناك ويعود بمراجع وأدوات للخط، فبدأ ممارسته الاحترافية والبحثية، وقام بزيارات متكررة إلى سوريا ومصر تعرف فيها إلى كبار الخطاطين وعلى حركة الخط وجمع المراجع الخطية، انفرد ذنون ببحوث عميقة في تاريخ الخط العربي وتقنيات خاصة في تدريس الخط كانت فتحاً في تسهيل تعليمه للدارسين .
وشهد اليوم الثاني من أيام الملتقى افتتاح معرض شبكة المبدعين في كلية الشارقة للفنون الجميلة والتصميم، في جامعة الشارقة، وهو أحد المعارض الموازية ضمن فعاليات الملتقى، وتضم شبكة المبدعين نخبة من الخطاطين من كافة الأقطار العربية والإسلامية قد تأسست في نهاية التسعينيات من القرن الماضي في مكة المكرمة، ولهذه الشبكة منتديات ملحقة بها كمنتدى الفن التشكيلي واللغة العربية والشعر والتصميم والتصوير الضوئي وغيرها، كما تضم مكتبة الشبكة مجموعة لا تقل عن 15 ألف عمل خطي، حيث تعتبر أهم ما تمت أرشفته من أعمال الخطاطين عبر العصور .
وشهد اليوم الثاني أيضا تأسيس افتتاح معارض فردية موازية منها معرض الفنان سلطان المقطري، وهو أحد أبرز مصممي الخطوط الطباعية العربية، وأكثرهم حداثة وابتكاراً، ولد في عدن سنة ،1962 وحصل على الماجستير في علم الاجتماع، وتفرغ للتدريس والتصميم، وهو باحث متخصص في الكتابة الحميرية القديمة، وقد أثْرت معالجاته الخطية الكومبيوترية الخط العربي كثيرا، حيث أنجز أكثر من 40 خطاً طباعياً عربياً، وقد أدخل المقطري خط المسند اليمني القديم إلى الصيغة الرقمية، فأتاح للمصممين الاستفادة منه كخط مرن قابل للكتابة في الاتجاهين، وقد ضم المعرض بعضا من أعماله وتصاميمه الخطية المعتمدة على معالجات كومبيوترية مبتكرة .
كان من هذه المعارض أيضاً معرض الفنان علي حسن وهو من مواليد الدوحة سنة 1956 وحاصل على البكالوريوس في الآداب وعلى دبلومات عديدة في مجال الفنون والخط وصيانة التراث، وفي مسيرته الطويلة مع الحرف واللون شارك في معارض وبناليات وملتقيات في شرق الأرض وغربها، ونال جوائز وتكريمات وميداليات عديدة .
طرح علي حسن في معرضه مجموعة من الأعمال ترتكز على تأملات في أسرار حرف النون الذي يتخذه محورا بصريا في لوحاته التجريدية، متأملاً في تموجاته وانحناءاته لمرونته وقابليته لكل حركة، فعن طريق أشكاله المختلفة يخلق المغايرة والتضاد ويفتح للفكر نوافذ للتأمل .
من المعارض الفردية الموازية كذلك معرض الفنانة كاترينا بيبر وهي خطاطة ألمانية تخط بلغتها، فجمالية الخط لا تقتصر على الخطوط العربية، بل هي في كل لغة، وهي تشارك في ملتقى الشارقة للخط العربي ضمن خطة الانفتاح على الثقافات المختلفة التي تنفذها الجهات المنظمة للملتقى، وتطرح الفنانة الألمانية نتاجها الفني الممتد على مدى 25 عاماً، من خلال أكثر من حيز ووسيط بصري، وترتكز اختياراتها الخطية على الحكم والمقاطع الشعرية وتطلق للحرف بداخلها عنانه ليتحرك في اتجاهات مختلفة عبر زفة لونية جميلة، تعطي للعين والفكر زهوا آسراً .
الخطاط مثنى العبيدي كان حاضراً في هذه المعارض، وهو من مواليد الرمادي سنة ،1972 أخذ أصول الخط عن الخطاط الكبير عباس البغدادي، وهو حاصل على البكالوريوس في علوم الكيمياء، وقد نفذ خلال عمله في ديوان الرئاسة في العراق العديد من الخطوط الكبيرة في المساجد والقصور والمباني الحكومية، وحصل خلال مسيرته الخطية على العديد من الجوائز، والذي يعاين أعماله سيدرك لا محالة أن الخطية العربية الكلاسيكية ما زال لديها ما تقوله وتضيفه، فهو وإن كان دائرا في فلك الكلاسيكية العربية إلا أنه دائما يبحث عن مغايرة وإضافة من خلال محاولة استكناه الدلالات البعيدة للجملة المكتوبة وإضفاء أشكال خطية جديدة للجملة تضيف لها معنى، فالخط ليس مجرد شكل جامد بل هو قدرة على إضافة معنى للجملة وإعطائها بعداً دلالياً أكثر مما يظهر، ذلك هو دأب العبيدي منذ أن أمسكت أصابعه القصب .
الفنان المغربي محمد بستان المولود في الدار البيضاء والذي يقيم في مراكش القديمة ويتخذ منها مكاناً لإقامته وملهما لتأملاته، كان هو الآخر حاضراً من خلال معرض قدم فيه مجموعة من أعماله الحديثة التي نفذها مع مطلع هذه السنة، وتقوم فكرة بستان في ما يبتدعه من أعمال على خلق فضاء حروفي يتعاقب فيه الضوء والظلام، والوضوح والغموض، في حركية لا نهائية، وهو ما يسميه حركية النفس النفس والفكر .
وللبستان حضور دولي عبر مشاركات كثيرة في أوروبا والوطن العربي، وقد حصل على عدد لا يستهان به من الدروع والتكريمات .
أما المعارض الجماعية فمنها الحرف والكتاب، وقد ضم أعمالاً لكل من تاج السر حسن من السودان وجمال عبدالرحيم وعباس يوسف من البحرين، وضيف الله نور ومحمد بستان من المغرب وعمر الجمني من تونس ود .محمد رضا الصياد من مصر، وكل هؤلاء خطاطون كبار ويشتركون جميعا في سعيهم الدائم لاكتشاف أبعاد بصرية جديدة للحرف العربي بالاستفادة من الفنون الحديثة ومن طاقة اللون، وتطبيق ذلك على نصوص متكاملة مع استصحاب أشكال وطرق النسخ التقليدية .
معارض التصوير الضوئي لم تغب عن الملتقى، فشاركت الفنانة أحلام محمد أحمد بمعرض طلاسم أنوثة الذي يمزج بين صورة المرأة وصورة الكتابة الخطية، وتعمد إلى جعل المرأة تبرز من بين تموجات الحروف كأنها هي الكلمة .
معرض التصوير الضوئي صحراء على حافة الضوء للفنان سيف الزري، الذي يصور فيه الجملة الخطية وهي تنساب متماوجة في فراغات الصحراء، منبثقة من بين الأشجار الصحراوية الطويلة، أو ممدودة على صفحة الرمال الذهبية، وكأنها صدى متردد لنصوص وأشعار غنى بها سكان الصحراء من قديم الزمن ليملأوا بها فراغ ووحشة المكان .
كذلك كان لجمعية الإمارات للتصوير الضوئي حضور في المعارض الموازية من خلال معرضي ضاد ومعرض الكلمة والصورة اللذين ضما لوحات تصويرية لفنانين مصورين من منتسبي الجمعية في محاولة لإعطاء الحرف حركية دلالية حين يمتزج بالصورة البشرية أو الطبيعية، تحت عدسة الفنان المحترف .
من المعارض الموازية كذلك معرض مجموعة زقرت التي أسسها شباب إماراتيون طموحون يسعون إلى تقديم الفن الإسلامي بطرق جديدة، تعتمد على مزج اللوحات الفنية الخطية التقليدية برؤية فنية جديدة لإضفاء طابع حداثي عليها، وقدمت أشكالا خطية تقليدية بعد مزجها بطرق مختلفة من اللون إلى الصورة إلى الرسم إلى أشكال الزخرفة .
الندوة الفكرية
من الفعاليات المهمة في الملتقى كانت الندوة الفكرية، ونظمت هذا العام تحت عنوان الكلمة والصورة، وشارك في جلساتها النقاشية كل من الدكتورة آمنة النصيري (اليمن)، والدكتور اياد حسين عبدالله (العراق)، والدكتور خالد البغدادي (مصر)، وخليل قويعة (تونس)، والدكتور زينات بيطار (لبنان)، وعادل الفورتيه (ليبيا)، والدكتور عبدالله السيد (سوريا)، والدكتور فريد الزاهي (المغرب)، وطلال معلا (سوريا)، والدكتور عبدالكريم السيد (فلسطين)، ومحمد الجزائري (العراق)، ومحمد مهدي حميدة (مصر) .
وقدم هؤلاء الباحثون مجموعة من الدراسات والأوراق البحثية ناقشت الجوانب التاريخية والتوثيقية وكذلك الجمالية والتطبيقية للخط العربي، وتعرضت للمنمنمات الإسلامية والانعكاسات المعاصرة لفنون الكتابة عبرها، ولتأثر فنانين أوروبيين معاصر ين بالفن الإسلامي والعمارة الإسلامية، وقدمت الأوراق كذلك مقارنة بين المنجز القديم والمعاصر المرتبطين في الصورة والخط، والأسس الجمالية التي أقام عليها المصور الإسلامي عمله في المزج بين الصورة والكلمة، وإمكانية الاستفادة من تلك الأسس في الوقت الراهن، ودرست الكتابة كنمط تشكيلي داخل المنمنمة، ومدى إمكانية الاستفادة من الموروث لإنتاج صورة معاصرة مرتبطة بجماليات الكتابة في سياق العمل المنمنم، ورصد وتحليل الكتابات والبحوث النظرية التي اشتغلت على الموضوع ذاته في المنطقة العربية والإسلامية، وغير ذلك من المحاور التي سعت للإحاطة بكل الجوانب الفكرية والتحليلية والجمالية المتعلقة بالمنمنمات الإسلامية .
وكان من ابتكارات الملتقى إصدار قسم التحرير والمطبوعات في ملتقى الشارقة لفن الخط العربي مدونة جمالية التي تحمل اسم (نون) في إخراج فني جديد ومتميز يجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث عنيت المدونة بالصورة وتوظيفها جمالياً بما يتناسب مع روحية الملتقى .
الجدير بالذكر أن فعاليات الملتقى ضمت ورشا فنية متعددة، قدم فيها عدد من الخطاطين والفنانين تجاربهم الفنية في الخط وفي الفنون التي تستلهم الخط، كما أن الفعاليات لم تقتصر على الشارقة وحدها، بل انتقلت إلى مدن المنطقة الشرقية عبر ورش ومعارض كثيرة ومتنوعة .