هل تابع أحدكم الأسبوع الماضي انتخاب ملكة جمال بدينات العرب، الذي تم الإعلان عنه قبل أسابيع وعرض على شاشة عربية؟ للحقيقة كنت أنتظر أنا وصديقاتي هذا الحدث بشغف، ونقول من لديها تلك الثقة في النفس كي تتقدم وتتمايل بجسدها الممتلئ باللحوم والشحوم أمام الملايين من المشاهدين؟ وكانت تلك المحطة قد اشترطت على المتقدمات أن تكون أوزانهن من الثمانين كيلوغراماً وصولاً إلى مئة كيلوغرام وأكثر، وبما أنه تم الإعلان عن موعد عرضه علمنا بأن هناك عدداً لا بأس به من الفتيات وإلا لكانت الحلقة قد ألغيت، لذا كنا ننتظر على أحر من الجمر .
تجمعنا كلنا في اليوم المحدد في منزل إحدى الصديقات وجلسنا ننتظر، بدأ مقدم البرنامج، بتعريفنا إلى لجنة التحكيم، كن ثلاث نساء وملكة جمال بدينات فرنسا تضع التاج على رأسها، ثم شرح كيفية وضع العلامات التي كانت كالتالي: على الشكل، وعلى الملابس اليومية والسهرة . والمايوه، هنا أخذتنا الدهشة وصرخنا ماذا هل هو جاد أم أنه يسخر؟ لكن لا فالموضوع جدي، وتابع أما الأهم فهو جوابهن عن السؤال الذي تطرحه عليهن لجنة الحكم، المهم بدأ مقدم البرنامج في حلقته التي استقطبت الكثيرين من أمثالنا . أخذ يقدم لنا الفتيات واحدة تلو الأخرى، ثم بدأ يسألهن عن المواقف المحرجة التي تعرضن لها في حياتهن وكيف كن يتصرفن تجاه من ينتقدهن، وكيف وافقن على الاشتراك في الحلقة التي سيتابعها عدد كبير من الناس، ولدهشتنا كن كلهنّ يجبن بأنهن لا يأبهن بكلام الناس بل يرين أنفسهن جميلات ومميزات، كما أن هناك نسبة كبيرة من الرجال الذين يفضلون المرأة المكتنزة، وقلن: نحن لسنا بدينات بل ممتلئات، وسألهن بالطبع إذا كن يفكرن أو فكرن في اتباع حمية، فأتى الجواب بالنفي حتى إن واحدة منهن أخبرته بأن هناك شاباً تقدم للزواج منها، لكنه اشترط عليها أن تخفف من وزنها فرفضته، وأخرى تقول إن زوجها يحبها هكذا ولا يقبل أبداً أن تنحف .
أما الفتاة البدينة جداً والتي تزن مئة وأربعين كيلوغراماً، فكانت تقول بزهو إنها ليست معقدة أبداً بل ترتدي المايوه وتذهب إلى الشاطئ للسباحة، وعندما ينظرون إليها ويضحكون كانت ترمي بنفسها في حوض السباحة لتفيض الماء خارجاً وتبللهم، أتى وقت ملابس السباحة، وهنا كانت الصدمة الفعلية، بأجسادهن الضخمة شبه العادية، في الأستوديو أمام الناس، وأمام المشاهدين، دون أن تتأثرن أو تخجلن من ضخامة أجسادهن، وتم في النهاية تتويج الملكة بينهن بعد ساعتين، كان شيئاً غريباً نوعاً ما علينا، عندها تذكرت بدور الفتاة الصغيرة والبدينة . أعتقد أنها أصبحت الآن في السابعة عشرة، وجهها جميل جداً لكنها بدينة جداً، وقد أخبرتني قصتها كاملة وهي تبكي بكاءً مراً، قالت لي، بعدما تعرضت لحادث مؤلم كاد يودي بحياتي حيث صدمتني سيارة مسرعة، بقيت في المستشفى لأشهر وكنت أبلغ الرابعة من العمر عشت على الكورتيزون لأعوام، وكان الأطباء يوصون والدتي بعد أن تم إخراجي من المستشفى بأن تمنع عني الملح والخبز، الطماطم والمعجنات، لكنها كانت تشفق علي عندما أبكي أمامها وأنا أقول لها إنني جائعة، كما أنني كنت أتناول ما يحلو لي في المدرسة من دون رقيب أو حسيب، لكنني دفعت الثمن غالياً الآن، إذ تخطى وزني مئة وخمسين كيلوغراماً، بدأت أشعر باختلافي عن الأخريات منذ أن أصبحت في السادسة وزميلاتي النحيفات يسخرن مني، وعندما بلغت العاشرة من عمري أصبحت والدتي تأخذني معها إلى المتاجر لتبتاع لي الفساتين، فتأتي الموظفة وتقول لها آسفة، لا يوجد عندنا شيء على مقاسها لِمَ تأخذيها إلى المتجر المقابل لنا، فهناك ستجدين مقاسات كبيرة؟ كنت أحزن فأنا صغيرة لكنني أرتدى ملابس كالكبار في السن، لذا قررت عندما أصبحت في الثالثة عشرة من عمري أن أرتدي الكندورة والعباءة، وكانت أكبر غلطة ارتكبتها في حق نفسي، حيث كنت أجدها فضفاضة، فأذهب لأدب الطعام في جوفي وكأننا في مجاعة، وكنت أحبها لأنها أفضل لي من الملابس الضيقة التي تحشرني والدتي فيها، كانت تنظر إلي وكأنني طفلتها الصغيرة . لم تكن ترى الشحم الذي يتراكم يوماً بعد يوم مهدداً قلبي، كليتي ورئتي للخطر، أما قدماي فحدث ولا حرج، كنت أرتدي مقاس خمسة وثلاثين، ولكم أن تتصوروا كيف تحمل تلك الأقدام الصغيرة، هذا الجسد الكبير، لا بل ألضخم كله .
كانت أقدامي تنوء بحمل جسدي تخذلني مراراً، لذلك قررت بعد فترة أن أتبع حمية غذائية، كانت الأولى والأخيرة، وقد دامت بضع ساعات شعرت بعدها وكأنني سأموت، فجريت إلى المطبخ أفتح الثلاجة وأجلس على الأرض أمامها، أخرج ما بداخلها من طعام وألتهمه من دون تسخينه فلم يكن هناك وقت، كنت أضعه في فمي بسرعة لقمة وراء لقمة، وأشرب العصير من الزجاجة الكبرى، بقيت على هذا الوضع أأكل وأأكل، لمدة تزيد على نصف ساعة، وعندما توقفت ونظرت إلى الأوعية الفارغة أمامي، وجدت بعضها فارغاً من محتوياته، والبعض الآخر لا يحوي سوى عظام جردت من اللحم، وبقايا من الدجاج الذي لا أحبه كالجوانح مثلاً .
نظرت خلفي لأستند إلى الكرسي كي أقوم من مكاني، فوجدت الخادمة تنظر إلي نظرة ملؤها الدهشة، صرخت فيها قائلة: ما بك لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ تعالي وساعديني لأقف، اقتربت المسكينة التي كانت كلها تزن أربعين كيلوغراما، شددت على يدها فشعرت بأنني سأسحب يدها من كتفها فسقطت فوقي، عندها أخذت أضحك وأبكي في الوقت نفسه، أخذت المسكينة تطبطب علي قائلة لا تبكي لا بأس قلت لها: أنا وحش، أنا كائن بشع ممتلئ بالشحم والدهون، أنا كتلة من اللحم، لا أحد ينظر إلي إلا ليسخر مني، لا أحد يحبني، قالت أنا أحبك كثيراً، ماما بابا يحبانك لا عليك من البقية، ثم إنك صغيرة وعندما تكبرين سوف تفقدين كل هذا الوزن .
قلت لها متى أكبر وكيف أفقد وزناً، أنا حزينة جداً، شكلي مقرف، كل زميلاتي في المدرسة من سني، لكنهن نحيفات رشيقات، يأكلن ما أردن من الطعام، وأنا عندما آكل يقلن لي توقفي عن الطعام فأنت ستنفجرين، أخذت أبكي وأنا على الأرض وهي جنبي، تأخذ رأسي بلطف وتضعني على صدرها بحنان، قائلة فيما بعد ستصبحين رشيقة وأجمل منهن، فوجهك ما شاء الله مثل القمر ولا واحدة منهن تملك جمالك ثقي بي، وثقت بكلامها، لأنني أتمنى ذلك جداً .
بدأ حلم الرشاقة يدغدغ رأسي الصغير، فأحلامي كانت كلها ترتكز إلى اليوم الذي سأصبح فيه نحيفة وجميلة، ينظر الجميع إليّ بإعجاب وليس بقرف كما يفعلون، كنت أكره نهاية العام الدراسي حيث كنا نصعد إلى المسرح، وكانت زميلاتي يرقصن ويتمايلن ويسمعن تصفيق الأهالي والمدرّسات، اللاتي تملأ البسمة وجوههن، وكيف تتبدل تلك الابتسامة لتصبح تكشيرة ونظرة اشمئزاز عندما يحين دوري، والذي عادة ما يكون سخيفاً وثانوياً، لا ينقص من القصة ولا يزيد عليها شيئاً، كأنني تكملة عدد أو حتى لا تثور ثائرة والدتي عليهن . كن كلهن ينظرن إليّ ثم يتبادلن النظرات فيما بينهن، وكأنهن يقلن ما هذا الشيء الذي صعد إلى المسرح، وتسبب في اهتزازه وصريره، وعندما أراهن هكذا أرتبك وتتساقط دموعي على خدي الممتلئين، فأعود إلى الوراء بخطوات بطيئة لئلا أتسبب في إيقاع إحداهن عن طريق الخطأ، أما هن فكن يبتعدن عني لأنهن أصبحن يعلمن، أنني سوف انسحب بسرعة محطمة كل ما أمر بجنبه من ديكورات وإضاءة، أذهب خلف الكواليس لأختبئ وصوت ضحكات الجميع يرن في أذني، سمعت التصفيق المدوي في القاعة فأتت المشرفة وطلبت مني أن أصعد وأحيي الأهالي . رفضت رفضاً قاطعاً قائلة لماذا أحييهم فهم لم يصفقوا لي وأنا لم أكن ضمن العرض، أنا من يجب أن أصفق لهم على تعابير وجوههم المشمئزة التي قوبلت بها، أنا أكرهكم جميعكم وأكره نفسي، أخذت أمسك لحم جسمي كأنني أحاول نزعه عني، أتت والدتي بسرعة، حضنتني وقالت لي لا تبكي يا حبيبتي، قلت إنهم يضحكون ويسخرون مني، قالت لأنهم عميان، لا يرون سوى الجمال الخارجي، وجمالك ينبع من الداخل في قلبك وعقلك، عاطفتك ومحبتك للجميع، فأنا على الرغم من معاناتي كنت فعلاً أحاول الاقتراب من الجميع، فأبتاع لهن الطعام من المقصف، وأينما ذهبت أتذكرهن بالهدايا كنت أعلم أنني إن توقفت عن ذلك لما كلمنني، كنت أشتري محبتهن لي بسندوتش أو عصير، لأنهن كن يبتعدن عني وكأنني مصابة بمرض معدٍ . الآن أنا حبيسة غرفتي، لم ولن أكمل دراستي، وبالطبع لن أتزوج، لا استطيع إجراء عملية ربط المعدة أو غيرها لما فيها من مخاطر، خاصة أن رئتي لا تحتملان، أجلس وأتمنى الموت كل لحظة، لا صديقة لي ولا شقيقة، فقط الفتاة الآسيوية ووالداي هم من يشعرون بتعاستي، حاولت أن أقفل فمي وأنقطع عن الطعام، لكن معدتي الكبيرة تأبى أن تتركني أنام، مؤخراً قيل لنا إن هناك مستشفىً في ألمانيا للحالات المشابهة لحالتي، حيث أعالج بأدوية خاصة مع نظام غذائي خاص لا أشعر معه بالجوع، والرياضة، لكن يجب أن أبقى هناك حوالي العام، سأذهب بالطبع، لعلني أشعر لمرة واحدة بأنني إنسانة طبيعية، مثل غيري من الفتيات في سني .
في اليوم التالي ذهبت إلى رؤيتها فلم أعرفها، لقد أصبحت إنسانة أخرى، فقدت الكثير من الوزن أصبحت كأي فتاة أخرى، ممتلئة قليلاً، لكنها راضية جداً عن نفسها، مازالت تمارس الرياضة ولن تتوقف، قالت لي، هل هذا عدل من البشر يحكمون على الأشخاص من خلال أشكالهم، ولا يرون ما بداخلهم، قلت لها إنه التخلف يا عزيزتي عند أغلبية الناس، وليس فقط عندنا فمقياس الفتاة في أي مكان في العالم هو شكلها الخارجي في الدرجة الأولى، أنسيهم وتمتعي بالدنيا، فها أنت قد وصلت إلى ما كنت تطمحين إليه، فاسعدي، واحرصي على جمالك الداخلي فهو الأهم .