يوما بعد آخر، يفاجئنا الأشخاص من ذوي الإعاقة بالقدرات العالية التي يمتلكونها، والإبداعات الكثيرة التي يقدمونها ويبهرون الآخرين بها .

وفي معرض منتجات الطلبة والطالبات من ذوي الإعاقة الذهنية الذي أقامته مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية واحتضنته مدرسة الغافية أخيراً، رأينا أنفسنا أمام طاقات كبيرة، وهامات عالية، أصرت على المضي قدماً لتثبت للجميع أنها طاقات منتجة خلاقة .

بابتسامة لا تفارق وجهه، يقدم الطالب عبد الله عبد الفتاح 9 سنوات، العصير لضيوف المعرض، ورغم سنوات عمره القليلة إلا أنه يقف بكل ثقة أمام معدات صنع العصائر ويمارس هذه المهنة بإتقان لا نتوقعه من صغير في هذا العمر . ويقول: تعلمت كيف أصنع العصائر، إذ أخلط الفراولة مع الماء والسكر، وأسكب الخليط في الكأس النظيف وأغلقه بشكل محكم وأقدمه للضيوف، وأحرص على أن تكون الفواكه طازجة ونظيفة . وعبر عن سعادته بما يقوم به قائلاً: أعد كل ما أتعلمه في مدرستي في المنزل، وأقدم لوالدي ووالدتي وإخوتي ما أصنع، ويستمتعون بذلك .

وعلى الجانب الآخر، تتعامل الطالبة آلاء تركاوي 15 سنة، بحرفية مع الفواكه والحلويات والمأكولات، وتقول: أصبحت أمتلك مهارات كثيرة، وأصنع الأطعمة لأسرتي، وتلقى مأكولاتي إعجاب الجميع، وأنا قادرة على تحضير الأطعمة بشكل متقن، وأحرص على النظافة في كل خطوة أقوم بها .

رغم إصابتها بالتوحد، إلا أن الطالبة شيرين عنتر 25 سنة، تمتلك مهارات كثيرة، إذ تهوى الأشغال اليدوية والفنون، وتبدع بالرسم على الماء، وتقدم لوحات فنية رائعة، كما تعد المأكولات، وتقول: تعلمت كيف أصنع الحلويات والبسكويت بالقرفة والنكهات المختلفة، والمخللات وسلطة الفواكه، كما أمارس الفنون الجميلة، وأرسم لوحات ينبهر بها الجميع، وأنا سعيدة بأنني أمتلك كل هذه المهارات والقدرات، وأشعر باستقلاليتي، فأنا إنسانة منتجة .

ولا تقل براعة الطالب خير منذر فيراوي، 11 عاماً، ويعاني من إعاقة عقلية، عن زملائه، فقد استطاع خلال فترة تدريب لم تتجاوز الخمس سنوات أن يبدع في صنع المأكولات والعصائر، ويقول: أصنع سلطة الفواكه وأقوم بتقطيع الموز والعنب والأناناس والكيوي والفراولة، كما أصنع السندويتشات والوجبات الخفيفة، وأشارك أسرتي في تناولها، ونستمتع جميعاً بذلك .

أكدت كوناي عبدالله، معلمة الأشغال اليدوية في مدرسة الوفاء لتنمية القدرات بمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، أن الطلاب من ذوي الإعاقة يمتلكون قدرات عالية جداً، ومهارات يجب عدم التغاضي عنها، وقالت: لديهم القدرة على اكتساب وتعلم كل ما يتم تعليمه لهم، وكل منهم يمتلك قدرات خاصة تميزه عن غيره، فنرى أحدهم مبدعاً في التنسيق، والآخر في الرسم، وهكذا . وعن منتجاتهم تقول: يقدمون أشياء كثيرة، كتزيين الوسائد والخياطة وتغليف الدفاتر، وصنع الإطارات وتزيينها، وصنع العرائس والبطاقات، وغيرها، وتتميز منتجاتهم بالجودة العالية واللمسات الجمالية، كما يتعاملون مع القطع الفنية بحرفية عالية، وهذا يجعلني أبتكر فنونا جديدة أعلمهم إياها، فهم قادرون على إتقانها إلى حد كبير، ويعجبني استمتاعهم بممارسة الأشغال اليدوية، إذ يصعب على الكثيرين إتقان فن الرسم على الماء الأيبرو، في حين أن المعاقين يتقنونه بشكل كبير .

وعبرت شيرين السيد معلمة تدبير منزلي بمدرسة الوفاء، عن إعجابها بقدرة الطلاب والطالبات من ذوي الإعاقة على إتقان ما يتعلمونه، وقالت: لاحظت قدرتهم الكبيرة على تقديم منتجات عالية الجودة، وهذا يشجعني لبذل أقصى جهودي لتعليمهم كل المهارات، وفي التدبير المنزلي نعلم الطالبات صنع المأكولات البسيطة كالمخللات والحلويات والبسكويت والبتي فور، ولاحظت قدرتهن على تقديم هذه الأشياء بشكل متميز . وذكرت أن المعاقين أشخاص منتجون، وقالت: لدى كل منهم قدرة رغم إعاقته، ونتعامل مع كل منهم حسب نوع إعاقته وشدتها، إذ يخضعون لمهارات تدريبية وعلاج وظيفي، يساعدهم على تنمية مهاراتهم، ومن خلال التدريب المستمر يستطيعون اكتساب المهارات الجديدة، وتدهشني قدرتهم على تقديمها بأعلى مستوى، وهم فعلاً فعالون في المجتمع، ومنتجاتهم تتحدث عنهم .

الأشخاص من ذوي الإعاقة قادرون على العطاء والإنتاج هذا ما أكدته علياء أبو زيد، مدرسة تدبير منزلي بمدرسة الوفاء، مشيرة إلى أن منتجات الطلاب تتحدث عن إبداعاتهم، وقالت: كل منهم يمتلك قدرة على القيام بشيء معين، ولكن قدراتهم تفوق قدرات غيرهم، ومع التدريب يستطيعون إتقان الصنع وتقديم منتجات متميزة . وذكرت أنه يتم تقييم كل طالب حسب قدراته في بداية كل سنة، وقالت: على حسب التقييم يتم وضع خطة معينة لكل طالب، فمثلاً يعتمد التدبير المنزلي على مهارة اليدين وقدرات عقلية وعضلية، وهنا نضع الأهداف والخطط المناسبة لكل طالب، وعلى حسب القدرات تظهر مهارة كل منهم في اكتساب ما يتعلمه، ولكن التدريب يصقل مهاراتهم ويجعلهم يعتمدون على أنفسهم، فمن المهم بالنسبة لنا أن يقوم الطالب بصنع طعامه بنفسه، وترتيب غرفته وتنظيف الطاولة بعد الطعام وهكذا، فهذه مهارات حياتية مهمة تعينه على إكمال حياته بنفسه . وأكدت أن الطلاب محبون للتعلم وقالت: تسعدني رغبتهم الكبيرة في التعلم، فهم يستمتعون بالأعمال اليدوية وبالتدبير المنزلي، وهذا يجعلهم يتقنون ما يصنعون .

ليس هناك شيء لا يستطيعون صنعه هذا ما قالته انتصار الظاهري، مدرسة التربية الفنية بالمدينة، مؤكدة أن الطلاب والطالبات عناصر منتجة وفاعلة في المجتمع . وقالت: يصنع طلابنا البطاقات الجميلة، ويستخدمون خامات مختلفة، ويحولون القطع المهملة إلى قطع جذابة، ويبتكرون في صنع أشياء كثيرة، كما يفاجئوننا بمهاراتهم وأفكارهم، واختياراتهم ودقتهم في الصنع، ويقدمون لوحات فنية جميلة، والجرار الفاخرة .

وذكرت أن إنتاجات الطلاب على مستوى عال من الحرفية وأنهم: يتميزون بدقتهم، وبمنتجاتهم الرائعة، التي تلقى إعجاب الزوار .

وأكدت مروى بلال، معلمة، أن الطلاب والطالبات من ذوي الإعاقة قادرون على تقديم منتجات على أعلى مستوى، وقالت: يتميزون بعطائهم الكبير ورغبتهم في المشاركة والتفاعل مع المجتمع، ويمتلكون قدرات كبيرة أهمها الدقة، إذ يتقنون ما يصنعون، كما يعجبني إصرارهم على إكمال ما يصنعون حتى النهاية . وأكدت أن منتجات الطلاب متميزة، وتحمل معاني كثيرة وقالت: تظهر حرفية كل منهم في القطعة أو المنتج الذي يصنعه، ونحرص على تعليمهم الأهداف التي تمكنهم من إثبات قدراتهم وأنفسهم ومواهبهم، ونلاحظ اعتمادهم على أنفسهم وثقتهم الكبيرة والرغبة في الاستقلالية من خلال المشاركة الفاعلة في المعارض، ودائما ما يفاجئوننا بإبداعات لا نتوقعها، وهم بحاجة للدعم من الجميع، لأنه أقل حقوقهم .

أمل المكتوم: فاقوا التوقعات

عبرت الشيخة أمل مانع المكتوم، الأمين العام لمجلس سيدات أعمال الشارقة، عن سعادتها بأن تكون جزءا من هذا الحدث، وقالت: لي الشرف أن افتتح المعرض، فقد فاقت جودة ما رأيت توقعاتي، وانبهرت بمستوى الطلاب ومنتجاتهم، ولم أكن أتوقع أنهم يمتلكون القدرة على الإنتاج بهذه الطريقة وهذا المستوى . ولولا جهود مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية وحرصها على الارتقاء بطلابها لما كانوا قادرين على تقديم منتجات بهذه الحرفية، ونفخر بوجود هؤلاء الطلاب بيننا، وسعداء أكثر بأنهم أشخاص مستقلين بذاتهم . وأكدت أنه رغم بساطة المنتجات إلا أنها دقيقة وتستدعي دقة كبيرة وقالت: تحتاج هذه المنتجات لمجهود كبير في الصنع لتصل لهذه المستوى من الحرفية، وهذه المنتجات جاهزة للبيع والعرض في السوق، وأتمنى من الجهات المختلفة أن تبادر بدعم هؤلاء المبدعين لأنهم بحاجة لهذه الفرص، كما لفت نظري تعاملهم الراقي وثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على الترويج لأنفسهم ومنتجاتهم .

منى عبدالكريم: دورنا دعمهم

عبرت منى عبدالكريم، مديرة مدرسة الوفاء لتنمية القدرات، عن فخرها بالطالبات والطلاب الذين أبدعوا فيما قدموه في المعرض، وقالت: في كل عام يقدمون أشياء جديدة تزيد فخرنا بهم، فمنتجاتهم رائعة، ودليل على قدرتهم على الاستقلالية والمشاركة الفاعلة في المجتمع .

ووجهت شكرها لمديرة مدرسة الغافية التي وافقت فوراً على احتضان المعرض، وقالت: الإيمان بالفكرة أساس النجاح، ووجدنا من مدرسة الغافية إيماناً حقيقياً بمواهب الأشخاص من ذوي الإعاقة، ما أدى إلى نجاح هذا المعرض الذي زاد الوعي بالأشخاص من ذوي الإعاقة .

وعن أهداف المعرض قالت: يهدف المعرض إلى إبراز قدرات ومهارات الطلاب والطالبات من ذوي الإعاقة، ودمج طلابنا بأنشطة المدارس، وتوعية الناس بالمعاقين ذهنيا، وبأنهم منتجون وقادرون ومبدعون، بوجود معرض كهذا في المدرسة تستطيع فئة كبيرة التعرف على قدرات هؤلاء الأشخاص وإمكاناتهم .

وأكدت منى عبد الكريم أن المعاقين أشخاص منتجون وقالت: من خصائص المعاق ذهنيا حب التقليد، ولذا فالواحد منهم يتعلم كل سلوك إيجابي ومهارة إيجابية تعرض عليه، كما أن نوع الإعاقة وشدتها تلعب دوراً كبيراً، فإن توفرت الظروف البيئية المناسبة للشخص المعاق وحصل على خدمات الطفولة المبكرة فلا شك أنه سيكون قادرا على العطاء والإنتاج، ودورنا أن ندعمهم ونقدم لهم كل المهارات والخدمات لننشئ جيلا مستقلا بنفسه، ونخفف العبء عن أهله . وعن تميز منتجات الطلاب قالت: كل ذلك بسبب الأساسيات والأرقام والأعداد التي تعلموها، لأنها تفيدهم في صنع منتجاتهم، وبعد ذلك يأتي دور التأهيل المهني الذي يدربهم على الإنتاجية وخوض سوق العمل، كما أؤكد أهمية دور الأسرة .

أكدت فوزية بوفطيم، مديرة مدرسة الغافية للتعليم الأساسي حلقة واحد بنين، أنها لم تتردد للحظة حين عرض عليها فكرة احتضان المعرض، وقالت: وافقت فورا، فهذا المعرض يقدم مواهب الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأردت خوض التحدي معهم من خلال عرض قدراتهم وإمكاناتهم المبهرة ومنتجاتهم المتميزة، وواجبي وواجب كل فرد في المجتمع أن نكون يداً مساندة لهم، وأثبت هذا المعرض للجميع هذه القدرات والإمكانات، وزرع الثقة في الطلاب أنفسهم، والوعي لدى غيرهم بقدرتهم على أن يكونوا أشخاصاً فاعلين في مجتمعهم .

وذكرت بوفطيم أن احتضان المعرض يعزز قرار دمج الأشخاص من ذوي الإعاقة في المدارس، وقالت: معرض كهذا يزيد وعي طلاب مدرستي بقدرات الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة ومهاراتهم، ويعزز لديهم فكرة أن هذه الفئة مبدعة ومتميزة .

وعن منتجاتهم قالت: هي متميزة وعلى مستوى عال من الحرفية، وكل ما ينقصهم هو التسويق لمنتجاتهم، وعلينا جميعاً أن نلعب هذا الدور، فالدعم المجتمعي مسؤولية الجميع .