الله سبحانه وتعالى هو الخالق القادر المقدر لكل ما يحدث في هذا الوجود، وهو سبحانه وتعالى قادر على هداية كل خلقه، لكنه يعطي الإنسان عقلاً يفكر به وإرادة حرة يتصرف بها لكي يكون هناك حساب وعقاب بعد ذلك .

في الآيات التالية يتكفل الخالق عز وجل بالرد على مخلوق له جحد وعاند وكابر واعترض على رسالة الحق التي جاء بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فأنكر البعث الذي هو أحد ثوابت الإيمان .

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة يس: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون .

المراد بالإنسان هنا كما يقول المفسرون جنسه خاصة هؤلاء الذين ينكرون البعث وهم موجودون في كل زمان ومكان . . لكن هذه الآيات نزلت في أحد منكري البعث في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أبي بن خلف الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم، وهو يفتته ويذريه في الهواء ويقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فرد عليه صلوات الله وسلامه عليه قائلا: نعم . . يميتك الله ثم يبعثك، ثم يحشرك في النار فنزلت هذه الآيات إلى آخر السورة .

جهل وجدل بالباطل

والقرآن الكريم هنا يعنف أبي بن خلف أبلغ تعنيف، فالمعنى الذي تحمله الآية الأولى هو: أبلغ الجهل بهذا أنه لم يعلم أنا خلقناه بقدرتنا من ذلك الماء المهين وهو المني الذي يخرج من الرجل إلى رحم المرأة وأن من أوجد الإنسان من هذا الماء قادر على أن يعيده إلى الحياة بعد الموت . . لقد كان من الواجب عليه أن يدرك ذلك، ولكنه لغفلته وعناده، بادر إلى المبالغة في الخصومة والجدل الباطل، وجاهر بذلك مجاهرة واضحة مع علمه بأصل خلقه . ومعنى قوله فإذا هو خصيم مبين أي: رغم أننا خلقنا هذا الإنسان من أخس الأشياء وأمهنها، إلا أنه أظهر الخصومة الشديدة في أمر يشهد بصحته مبدأ فطرته شهادة بينة .

وقوله تعالى وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم معناه: أن هذا الإنسان الجاهل المجادل بالباطل، لم يكتف بذلك، بل ضرب لنا مثلاً هو في غاية الغرابة حيث أنكر قدرتنا على إحياء الموتى، وعلى بعثهم يوم القيامة فقال من دون أن يفطن إلى أصل الخلقة: من يحيي العظام وهي رميم؟ أي وهي بالية أشد البلى .

ثم لقن الله هذا الجاحد وكل أمثاله في كل عصر وفي كل مكان جواباً يخرس الألسنة فقال: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .

أي قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الجاهلين المنكرين لإعادة الحياة إلى الأجساد بعد موتها . . قل لهم: يحيي هذه الأجساد البالية الله تعالى الذي أوجدها من العدم من دون أن تكون شيئاً مذكوراً، ومن قدر على إيجاد الشيء من العدم قادر من باب أولى على إعادته بعد هلاكه وهو سبحانه بكل شيء في هذا الوجود عليم علماً تاماً لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، سواء أكان هذا الشيء صغيراً أم كبيراً، مجموعاً أم مفرقاً .

نار من الشجر الأخضر

وقوله تعالى: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون دليل آخر على إمكانية البعث . . والمراد بالشجر الأخضر: الشجر الندي الرطب كشجر المرخ والعفار وهما نباتان أخضران إذا ضرب أحدهما بالآخر اتقدت منهما شرارة نار بقدرة الله تعالى .

قال ابن كثير في تفسيره: المراد بالشجر هنا شجر المرخ والعفار ينبت بأرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد فيأخذ منه عودين أخضرين ويقدح أحدهما بالآخر فتتولد النار من بينهما كالزناد سواء بسواء .

والمعنى: قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المنكرين للبعث: يحيي الأجساد البالية الله تعالى الذي أنشأها أول مرة، والذي جعل لكم بفضله ورحمته وقدرته من الشجر الأخضر الرطب ناراً فإذا أنتم من هذا الشجر الأخضر توقدون النار وتنتفعون بها في كثير من أحوال حياتكم .

إذن فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها، كان أقدر على إعادة الأجساد بعد فنائها .

" . .كن فيكون"

ثم أضاف سبحانه وتعالى إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخاً آخر فقال: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم .

والمعنى أن من قدر على خلق السماوات والأرض وهما في غاية العظم قادر من باب أولى على إعادة خلق الإنسان الذي هو صغير الشكل، ضعيف القوة . وقوله بلى وهو الخلاق العليم معناه: بلى إنه لقادر سبحانه على أن يخلق البشر، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى وهو سبحانه الخلاق أي الكثير المخلوقات العليم أي الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شيء .

ثم أكد سبحانه شمول قدرته لكل شيء فقال: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون . أي: إنما شأنه سبحانه في إيجاد الشيء أنه إذا أراد إحداثه أن يقول له كن فيكون: أي كن موجوداً فيكون .

ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بتنزيهه عن كل نقص فقال: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون . أي فتنزه الله تعالى الذي له ملك كل شيء ملكاً تاماً، والذي إليه المرجع والمآب عن كل ما يقوله الجاحدون من عدم قدرته على إحياء الموتى . فهو سبحانه لا يعجزه شيء، ولا يخفى على علمه شيء، ولا يحول دون قدرته شيء ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .

قمة الإعجاز

تقول الدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر: لقد ذُكر البعث في عشرات السور، بل سُميت بأسمائه سور كاملة منها سور التغابن والحاقة والقارعة . . هذا عدا الآيات الأخرى التي تضمنتها السور القرآنية والتي تخاطب عقل الإنسان بمقتضى المنطوق الافتراضي وتضرب له الأمثلة، وهنا يسجل القرآن الكريم في الرد على منكري البعث تربعه على قمة الإعجاز، فيقول سبحانه: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً والآيات القرآنية العديدة التي جاءت في شأن البعث ينبغي أن تقودنا إلى المزيد من الإيمان بقدرة الخالق والإصرار على عمل الخير لنلقى الجزاء الأوفى في ذلك اليوم الذي لا يفيد فيه ندم ولا تنفع فيه شفاعة، وتضيف: أتباع أبي بن خلف يجب أن يخافوا ذلك اليوم الرهيب وأن يتعقلوا وأن يحاربوا شياطين الجن والإنس التي تسيطر على عقولهم وتقودهم إلى الهلاك.