لم يكتب السهروردي في علم المنطق فقط كتابه النقدي حكمة الإشراق، بل كتب أيضا رسائل في تحليل وشرح المنظومة المنطقية ؛ولذا نراه حريصا على ترتيب اطلاع قارئه على كتبه؛ حيث ينبه إلى أن لا يُطَالِعَ كتابه حكمة الإشراق إلا بعد أن يقرأ رسالة التلويحات، ورسالة اللمحات. يقول في مقدمة كتاب حكمة الإشراق: وقد رتبت لكم قبل هذا الكتاب وفي أثنائه عند معاوقة القواطع عنه كتبا على طريقة المشائين ولخصت فيها قواعدهم، ومن جملتها المختصر الموسوم بالتلويحات اللوحية والعرشية المشتمل على قواعد كثيرة، ولخصت فيها القواعد مع صغر حجمه، ودونه اللمحات وصنفت غيرهما. بل يجعل الاطلاع على كتاب الحكمة مشروطا بامتلاك ثقافة فلسفية ومنطقية، حيث يقول في كتابه المشارع والمطارحات: ومن لم يتمهر في العلوم البحثية، فلا سبيل له إلى كتابي الموسوم بحكمة الإشراق.
ومعلوم أن بعض المؤرخين يصنف رسائله الفلسفية التي طرق فيها قضايا المنطق ولخص قواعده بالمؤلفات المشائية؛ لأنه اقتصر فيها على عرض وتحليل النظرية الأرسطية، لكنني وجدت أنها هي أيضا لا تخلو من بعض الإشارات النقدية، الأمر الذي يوحي بكونها كانت إرهاصاً وتمهيداً للثورة المنهجية التي سيعلنها في كتابه حكمة الإشراق. ففي رسالة التلويحات اللوحية والعرشية مثلا يقدم السهروردي عرضا تحليليا دقيقا لمنطق أرسطو، لكنه حرص في شرح النظرية المنطقية الأرسطية على تصويب تلك الأخطاء الشائعة في بعض كتب الشروح، مثل نسب المقولات إلى أرسطو، حيث يصرح السهروردي أن المقولات ليست من وضع المعلم، إنما هي للفيلسوف الفيثاغوري أرخوطس. وإذا كان المشائيون جعلوا المقولات المنطقية عشرة، فإن السهروردي سيختصرها إلى خمس مقولات فقط هي الجوهر والكم والكيف والنسبة والحركة. كما لم يقتصر على الشرح والعرض، بل انتقد شروحات الفلاسفة المشائيين. ومما ينبغي ذكره أنه في تحليله للماهية، رفض الأطروحة السينيوية الفاصلة بين الوجود والماهية.
لكن مع قيمة كتبه المنطقية الاخرى كان السهروردي حفيا بكتابه حكمة الإشراق أيما احتفاء؛ حتى زعم أنه لم يظهر قبله كتاب يوازنه أو يساويه في القيمة!
فلمن كتب السهروردي كتابه هذا؟
وكتابنا هذا لطالبي التأله والبحث، وليس للباحث الذي لم يتأله أو لم يطلب التأله.. ولا نباحث في هذا الكتاب ورموزه إلا مع المجتهد المتأله أو الطالب للتأله. وأقل درجات قارئ هذا الكتاب أن يكون ورد عليه البارق الإلهي وصار وروده ملكة له. إذن ليس الحافز إبستمولوجيا محضا، يتعلق بقواعد تنهيج النظر والتفكير، بل له تعلق بمقام تصوفي. بل نذهب إلى القول بأن الحافز إلى تسطير الكتاب ذو علاقة صميمة بمذهبه الإسماعيلي. وهذا ما يبدو بوضوح في القسم الثاني في الأنوار الإلهية ونور الأنوار ومبادئ الوجود وترتيبها. أما في القسم الأول، فقد كان منشغلا أكثر بقضايا معرفية. وقد عنونه السهروردي بضوابط الفكر.
وإذا كان في رسائله المشائية قد اقتصد في النقد، فإنه في متنه حكمة الإشراق ينطلق منذ البدء بنقد المشائيين جميعا، حيث ينعي عليهم أنهم سلكوا طريق القياس الأرسطي ظانين أنه موصل إلى الحقيقة، ولم يتنبهوا إلى نقص منهجهم هذا وعجزه. وفي نقده لباقي مباحث وقواعد القياس الارسطي نرى التأثير الرواقي باديا بوضوح، فقد اعتنى بالقياس الشرطي عناية خاصة، حتى إنه في ترتيبه للقضايا لم يلتزم بنظام المتن المشائي، بل نراه يقدم القضية الشرطية على الحملية. كما رفض نظرية الحد المنطقي على شرط أرسطو والمشائيين، أي قيام التعريف على الجنس والفصل، واعتمد بدل ذلك على التعريف الناقص القائم على الرسم الذاكر للوازم الشيء، وإحصاء فروقه المميزة عن غيره، وتلك هي الطريقة الحسية في مقاربة معنى الشيء؛ كما يذهب إلى التوكيد على قيمة الطريقة الحدسية.
وبهذا وذاك يصح أن يوصف كتاب حكمة الإشراق بأنه - كمتن الرد على المنطقيين لابن تيمية - من أوسع وأشمل الكتب القديمة التي تناولت منطق أرسطو بالنقد والتصويب لا بالاحتذاء والاتباع.