بين الفئات التي انتشرت في مصر في نهاية القرن التاسع عشر. فئة من الفنانات عرفت بصفة العوالم ممن يقدمن الغناء والرقص. وتمتعت هذه الفئة بمكانة خاصة بين الأغنياء وعلية القوم. لفنهن فقط. وقضاء أوقات سعيدة ومرحة. خصوصاً طبقة الباشاوات والباكوات الذين كانوا ينثرون الذهب والألماس تحت أقدامهن . من بين هؤلاء أمينة الصرفية. بمبة كشر. أمينة شخلع. سيدة صوانى. أسما الكمسارية. وشفيقة القبطية''. وكلها أسماء شهرة بعيدة تماماً عن أسمائهن الحقيقية .
في هذا المناخ المشحون بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فضلاً عن الإرهاصات الفنية الكبرى في مصر. ظهرت منيرة المهدية التي لقبت بسلطانة الطرب. وتربّعت على عرش الغناء في مصر أكثر من ثلاثين عاماً .
تعد منيرة المهدية من الرائدات المصريات لاقتحامها مجالاً لم تكن تجرؤ عليه سواها, أو قليلات جداً من زميلاتها. في ذلك الوقت المبكر من مطلع القرن العشرين. على اعتبار أن من كان يعمل بمهنة الفن. سواء الغناء أم التشخيص يوصم بالعار. ويعدون مفتقدين الأهلية والاحترام من الجهات الرسمية كالمحاكم التي لا تأخذ بشهادة لهم. حتى العائلات. سواء الكبيرة أو الصغيرة. يستمتعون بفنهم ويدعونهم إلى أفراحهم. ولكن تنتهي علاقتهم بهم عند هذا الحد. يتنكرون لهم ولا يزوجونهم. ولا يتزوجون منهم. وكانوا يطلقون على من يقومون بالغناء أو الرقص منهم بالعوالم. والعازفون يطلقون عليهم الآلاتية أما الممثلون فكانوا يطلقون عليهم المشخصاتية .
لم تبالِ منيرة المهدية بكل ما كان يقال أو يتخذ ضد الفن والفنانين. واقتحمت المحظور وأصبحت أول مصرية تغني وتمثل على خشبة المسرح أمام الجمهور. وذاع صيتها بشكل لفت كل الأنظار حتى أطلقوا عليها لقب سلطانة الطرب لأنها كانت الأحلى صوتاً والأجمل والأشهر بين مطربات عصرها. إلى جانب أنها كممثلة كانت الأجرأ بين الممثلين والممثلات على أداء الأدوار الصعبة. بما فيها أدوار الرجال التي لم يكن لديها مشكلة في أن تؤديها .
رغم كل هذه النجاحات التي كانت ملء السمع والبصر. إلا أن الظروف السياسية والاقتصادية. وبالطبع المتغيرات الفنية جعلت السلطانة تبتعد. خصوصاً مع ظهور كوكب الشرق أم كلثوم. فبدأت الأضواء تنحصر عن السلطانة حتى طواها النسيان وهي لا تزال على قيد الحياة بما يزيد على ربع قرن من الزمان. رغم قيمتها الكبيرة, خاصة أنها أول وأهم نجمات المسرح الغنائي في مصر .
ولدت زكية حسن منصور أو منيرة المهدية في 11 مارس/آذار عام .1885 في قرية المهدية التابعة لمركز ههيا محافظة الشرقية في محافظة الشرقية بدلتا مصر .
نشأت زكية في أسرة متوسطة الحال. توفي والدها وهي رضيعة فقامت برعايتها أختها التي كانت متزوجة من أحد الملاك الزراعيين ومقيمة في الإسكندرية. ودرست زكية في المدرسة حتى تعلمت القراءة والكتابة. ثم تركتها واتجهت مبكراً جداً إلى الفن الذي كان يسيطر عليها بشكل كبير. خصوصاً عندما كانت تجد صدى صوتها في آهات واستحسان المعجبين من المقربين منها. من الأهل والجيران. فقد اشتهرت منذ طفولتها بحلاوة الصوت وعذوبته. فبدأت بالغناء في القرى المحيطة بها. حتى بدأ صيتها يعلو فانتقلت للغناء في مدينة الزقازيق عاصمة المحافظة. وسمع صوتها أحد أصحاب الملاهي في القاهرة. فأغراها بالانتقال إلى العاصمة. وبعد تردد وخوف وافقت. وجاءت إلى القاهرة في مطلع القرن العشرين. وتحديدًا في العام .1905 وكانت البداية من خلال مقهى بشارع عماد الدين .
حين جاءت منيرة إلى القاهرة التقت بالشيخ سلامة حجازي في واحد من الأفراح الذي دعيت للغناء فيه. وأعجب بصوتها وقرر أن يتبناها فنياً. في الوقت الذي كانت تتعلم فيه أصول المغنى على يد أشهر مطربات مطلع القرن العشرين سيدة اللاوندية وسرعان ما أتقنت فن الغناء وذاع صيتها وشهرتها. باسم منيرة المهدية فاستأجرت لنفسها مقهى بمنطقة الأزبكية أطلقت عليه مقهى نزهة النفوس وأصبح المكان المفضل لكبار تجار القطن وأعيان الريف. فاكتسب شهرة كبيرة. بعده انتقلت إلى مقهى برنتانيا وقدمت فيه أغاني عدة لتشتهر بين مقاهي ومسارح شارع عماد الدين والأزبكية في ذلك الزمان .
ما أن استقرت منيرة حتى بدأت تتجه نحو المسرح الغنائي بتشجيع من أستاذها الشيخ سلامة حجازي. لتكون من أنجح من تتلمذ من السيدات على يدي سلامة حجازي. أول مصري تفتح له الحكومة دار الأوبرا الخديوية في العقد الثاني من القرن العشرين ليجري تقديم عروض عربية بها. بعد أن كانت مخصصة للفرق الأجنبية فقط . حيث كانت بداية المسرح العربي مرتبطة بالموسيقا والغناء . وكان الفضل لسلامة حجازي من الرجال. ومنيرة المهدية من النساء . وكان مولد المسرح الغنائي في مصر بحديقة الأزبكية. حيث شاركت في عدة أوبريتات غنائية ناجحة لحَّنها كبار الموسيقيين في ذلك الوقت .
انشغل قلب منيرة بخشبة المسرح. ليس لتقف تغني فوقها فحسب. بل كانت مولعة بالتمثيل الغنائي. وترى فيه فناً عظيماً. وهو ما جعلها تقبل الظهور في دور رجالي في مسرحية لعزيز عيد. حيث كان ظهور النساء على المسرح آنذاك من المحرمات. وكانت الأدوار النسائية تؤديها اليهوديات. وكان ظهور منيرة المهدية حتى في دور رجالي بداية للاستعانة بالمصريات في المسرح. لتكون منيرة أولى رائدات المسرح الغنائي للنساء في مصر. وكانت بداية ظهورها على المسرح بالغناء بين فصول المسرحيات التي كانت تقدمها الفرق في العقد الثاني من القرن العشرين. مثل فرق عزيز عيد وجورج أبيض وسلامة حجازي. وكان ما تغنيه تقليداً لأغاني المطرب الشهير والنجم الغنائي الأول الشيخ سلامة حجازي .
في صيف 1915 وقفت منيرة المهدية على خشبة المسرح مع فرقة عزيز عيد لتؤدي دور حسن في رواية للشيخ سلامة حجازي. فكانت بذلك أول سيدة مصرية تقف على خشبة المسرح وهذا ما زاد الإقبال على المسرحيات. وأصبحت فرقة عزيز عيد تنافس فرقة سلامة حجازي. وكانت منيرة المهدية تكتب على الأفيشات الممثلة الأولى رغم أنها كانت تقوم بدور رجل. ثم انفصلت عن فرقة عزيز عيد وكوّنت فرقة خاصة بها وقدمت أشهر أعمال الشيخ سلامة حجازي .
هذا النجاح أغرى منيرة على تكوين فرقة سمتها فرقة الممثلة المصرية فقامت بإعادة عروض سلامة حجازي بمساعدة مخرج فرقتها عبد العزيز خليل. وقدمت أشهر أعمال سلامة حجازي مثل صدق الإخاء وصلاح الدين وأوبرا عايدة . وكانت تؤدي فيها أدوار الرجال التي كان يلعبها الشيخ سلامة نفسه. وذلك بعد رحيله عام .1917 كما كانت أول مصرية تغني باللغة العربية أوبرا كارمن وأوبرا تاييس. وتستحق بجدارة لقب السلطانة الذي أطلقه عليها الوسط الفني كله قبل جمهورها. بعد أن جلست على عرش التمثيل المسرحي والغناء سلطانة متوجة .
لم تكتف منيرة بأن يكون لها عظيم الأثر في تاريخ الغناء والأوبريت الغنائي والمسرحي في بري مصر والشام. بل حرصت على أن يكون لها دور بارز في تاريخ الحركة الوطنية في مصر. وكونها أحد الأسباب المهمة والقوية على طريق تحرير المرأة. كما تزعمت حركة وطنية عن طريق مسرحها وفنها الغنائي الأصيل. حيث كان كبار سياسة السياسيين أدب والأدباء في مصر وبلاد الشام والسودان يجتمعون في مسرحها أو في بيتها. وعندما تقول السلطانة حرروا أسيراً ألقت سلطات الاحتلال القبض عليه. أو أعتقوا شخصاً محكوم عليه بالإعدام ظلماً بسبب مواقفه الوطنية. ينفذون طلباتها. حتى أن الصحافة أطلقت اسم هواء الحريةعلى مسرح منيرة المهدية. بسبب دورها الوطني والسياسي في ذلك الوقت الذي كانت تشتعل فيه الأحداث السياسية في مصر. في مواجهة الاحتلال البريطاني. كما عملت مع أشهر شعراء وملحني جيلها. بل كان لها الفضل في اكتشاف الموسيقار محمد عبد الوهاب .
ومع نهاية العشرينات بدأ نجم منيرة المهدية في الأفول لانهيار المسرح الغنائي بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والمتغيرات السياسية. ولكن ما أن بدأ العالم يتعافى من الأزمة حتى كانت أم كلثوم قد استحوذت على الأسماع. لتشهد هذه الفترة صراعاً حاداً بينها وبين أم كلثوم المطربة الوافدة التي فرضت شروطاً جديدة على الساحة الفنية لم تستطع منيرة المهدية مجاراتها .
وفي العام 1948 قررت منيرة العودة إلى المسرح بعد أن اعتزلت الحياة الفنية لمدة عشرين عاماً. منذ العام .1928 غير أنها لم تلق القبول الذي كانت تنتظره. فما كان منها إلا أن اعتزلت الفن وتفرغت لهوايتها وهي تربية الحيوانات الأليفة. وانزوت بالكامل. ولم يشفع لها أن عظماء الموسيقا في مصر لحنوا لها أيام مجد مسرحياتها الغنائية وأوبريتاتها. منهم سيد درويش وكامل الخلعي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي والدكتور أحمد صبري النجريدي ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطي .
ظلت السلطانة بعيدة عن الأضواء والحياة الفنية لما يقرب من 40 عاماً. شهدت خلالها التغيرات السياسية والفنية. بل ودخول التلفزيون لأول مرة في مصر. وكان لها نصيب من الظهور مرة واحدة من خلاله لتذكير الجمهور بأيام السلطانة التي كانت ملء السمع والبصر. والتي اكتفت في ذلك الوقت بالجلوس في مقاعد المستمعين طواعية. حتى رحلت في الحادي عشر من مارس/آذار عام .1965 عن عمر يناهز الثمانين عاماً. بعد حياة فنية حافلة قدمت خلالها ما يقرب من 37 قصيدة و100 طقطوقة و16 لحنا و7 مونولوجات وأربعة مواويل و8 أدوار غنائية و42 مسرحية غنائية. من بين ما قدمته أرخى الستارة اللى فريحنا. بعد العشا . . حرّج على بابا ماروحش السيما. أسمر ملك روحى. يمامة حلوة. على دول ياما على دول. أشكي لمين الهوى. عليه سلام الله. يا محلا الفسحة يا عيني. أنا هويت. وأنا عشقت وغيرها العديد من الأعمال التي لا يزال بعضها محفوراً في ذاكرة التاريخ الغنائي المصري. مما أنقذته التكنولوجيا. بينما فشلت في إنقاذ أغلبية تراثها بسبب التلف بفعل الزمن .