تنشأ الكناية من أن اللفظ فيها لا يراد به معناه الأصلي، بل يراد به معنى آخر هو تاليه أو ردفه في الوجود فيومأ بالمعنى الأصلي إلى المعنى الآخر، ويجعل المعنى الأصلي دليلاً على المعنى الآخر كما يرى عبدالقاهر الجرجاني . فإذا قلت: فلان كثير الرماد، فأنت تريد أن تجعل حقيقة كثرة الرماد دليلاً على كونه جواداً، فأنت قد استعملت هذه الألفاظ في معانيها الأصلية، ولكن غرضك في إفادة كونه كثير الرماد معنى ثان يلزم الأول وهو الجود .
وتتجلى أهمية كنايات القرآن الكريم في أنها وسيلة للتعبير الإيحائي وقد حرص القرآن الكريم عليها لإيصال مفاهيمه بلمحة دالة تغني عن الشرح والتفصيل .
قال تعالى في وصف موقف الكافر يوم القيامة، حين يرى تحقق وعد الله سبحانه بالثواب، ووعيده بالعقاب: (الْمُلْكُ يَوْمَئذ الْحَق للِرحْمَن وكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرينَ عَسِيراَ وَيَوْمَ يَعَض الظالِمُ عَلَى يَدَيْه يَقُولُ يَا لَيْتَني اتخذْتُ مَعَ الرسُولِ سَبِيلاً) (الفرقان: 26،27) فليس المراد من عض الظالم على يديه تلك الحركة المادية التي يمكن أن يراها الإنسان، لأنه لا قيمة لها في ذاتها، وليست بذات شأن، وإنما القيمة الحقيقية ترجع إلى ما ارتبط بهذه الحركة المادية ولازمها وأصبحت هي عنواناً له، ورمزاً عليه في عرف المتكلمين باللغة، وهو الإحساس بالندم والتحسر على ما فات، وذلك هو ما تضطرب به نفس الكافر في ذلك اليوم، وما تقصد إليه الآية الكريمة .
ومن ذلك قوله تعالى: (وحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) (القمر: 13)، أي على السفينة، وهذه الكناية تشير إلى أنها سفينة محكمة بالدسر والألواح، وهذا الفهم يلائم سياق الموقف الصعب الذي أحاط خطره، وأحدق بكل حي، قال تعالى: (فَفَتَحْنَا أبْوَابَ السمَاء بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجرْنَا الأّرْضْ عُيُونَاً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) (القمر:11-13)
فالموقف صعب أمام من آمنوا، فأحضرت لهم سفينة محكمة، قد صنعها نوح عليه السلام بعين الله ورعايته، كما أن التنكير في ألواح يفيد التعظيم والنوعية مما يعنىِ أنها نوع من الألواح غريب وعظيم، وكذلك الأمر في دسر .