قال تعالى: "ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شهيداً" (النساء: 33) . "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان عليا كبيراً" (النساء: 34) . "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيراً" (النساء: 35) . إضاءة: يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن لكل إنسان ورثة متفاوتون في الدرجة، ويأخذون منها أنصبتهم بحسب درجة علاقتهم من قرابة بالمورث، فلينتفع كل واحد بما قسم الله من الميراث وليرضى به، ولا يتمنى مال غيره . والله أعلم .

قوامة الرجل ونشوز المرأة

السؤال: لماذا قدّم المفعول الثاني (لكل) على فعله (جعل) في قوله تعالى: "ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون . . ."؟ (النساء: 33) .
الجواب: لتقرير الشمول المستفاد من لفظ (كل) . والله أعلم .

مفهوم القوامة

السؤال: ما المقصود بالقوامة في الآية؟
الجواب: الحفظ والرعاية والصيانة والدفاع والإنفاق، وهذا ما ينبغي أن يلتزم به الأزواج نحو زوجاتهم حتى تتحقق القوامة فيهم . والله أعلم .
السؤال: لم عبّر بالماضي (أنفقوا) عن المضارع (ينفقون) في قوله تعالى: "وبما أنفقوا من أموالهم"؟
الجواب: للإشارة إلى رسوخ هذا الأمر في القِدَم، فالرجال هم العائلون لنسائهم منذ فجر التاريخ إلى وقتنا هذا . والله أعلم .
السؤال: ما نوع الباء في قوله تعالى: "بما فضل الله بعضهم على بعض"، وقوله: "وبما أنفقوا من أموالهم"؟
الجواب: الباء للسببية، حيث بينت أن كون الرجال قوّامين على النساء يعود إلى تفضيل الله لهم بسبب الزيادة في القوة الجسمية والمعرفة، واختصاص الرجال بالرسالات السماوية، والولايات الكبرى وإقامة الشعائر والشهادة والجمعة . والسبب الثاني في تفضيل الرجال هوالإنفاق من أموالهم، فالقوامة للرجال إذن بتفضيل من الله وإنفاق . والله أعلم .
السؤال: ما سر التعبير عن قوامة الرجال بالاستئناف المبني على جملة اسمية في قوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء"؟
الجواب: جاء خبر بيان استحقاق الرجال قوامة على النساء مستأنفاً، لكونه جديراً بأن يُذكر مستقلاً عما قبله، لأهميته وبني على جملة اسمية خبرها صيغة مبالغة (قوامون)، (للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أسند إليهم ورسوخهم فيه، أي شأنهم القيام عليهن بالأمر والنهي قيام الولاة على الرعية وعلل ذلك بأمرين: وهبي وكسبي فقيل: "بما فضل الله بعضهم على بعض" - وهذا وهبي - و"وبما أنفقوا من أموالهم" - وهذا كسبي - وفي الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث كما أن فيما تقدم رمزاً إلى تفاوت مراتب الاستحقاق" . والله أعلم .
السؤال: لم وضع (البعض) موضع الضميرين في قوله تعالى: "بما فضل الله بعضهم على بعض" حيث لم يقل: "بما فضلهم الله . . . ."؟
الجواب: للإشعار بقوة ظهور الأمر، وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضّل عليه أصلاً، ولذلك أجمل التفضيل في قوله تعالى: "بما فضّل الله بعضهم على بعض" . والله أعلم .
والتفضيل: هو تفضيل الجنس على الجنس، لا تفضيل آحاد، فمن النساء من تفوق الرجال علماً وعقلاً وحكمة، بل وأحياناً قوة جسم، وبناءً عليه ف ال للجنس وليست للاستغراق . والله أعلم .
السؤال: لماذا قيل: "بما فضل الله بعضهم على بعض" ولم يقل: "بما فضلهم الله عليهن"؟
الجواب: (للإشارة إلى البعضية المشتركة، وأن الرجال من النساء وأن النساء من الرجال، فاللحمة الواصلة واحدة . وللإشارة إلى أن ذلك التفضيل لمصلحة الجميع، وكل يؤدي عمله الذي خلقه الله سبحانه وتعالى له . فللرجل رياسة عامة، وللمرأة رياسة نوعية فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته" .

الزوجات الصالحات

السؤال: ما نوع (ما) في قوله تعالى: "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله"؟
الجواب: في هذه الجملة بيان للنوع الأول من الزوجات وهن الصالحات وقد وصفهن الله تعالى بوصفين كاشفين عن صلاح المرأة في نفسها ودينها، أحدهما: أنها قانتة أي مطيعة لله تعالى وزوجها . وثانيهما: أنها تحفظ نفسها عن الحرام في غيبة زوجها، ولا تفشي ما بينها وبين زوجها، وتحفظ ماله عن الضياع، وهذا معنى قوله تعالى: "فالصالحات قانتات" وعن النبي- صلى الله عليه وسلم- قوله -: "خير النساء التي إذا نظرت إليها سَرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" .
ونعود للإجابة عن السؤال فنقول: إن (ما) في قوله تعالى: "بما حفظ الله" إما أن تكون مصدرية، والتقدير: بحفظ الله أي أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، ويمكن أن تكون (ما) موصولة بمعنى (الذي) والعائد محذوف أي بالذي حفظ الله تعالى لهن على أزواجهن من المهر والنفقة والقيام بحمايتهن . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة الباء في قوله تعالى: "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله"؟
الجواب: الباء للملابسة، أي يحفظن أزواجهن حفظاً تاماً مطابقاً لأمر الله تعالى وملاصقاً له، بحيث لا ينفك عنه، فهو حفظ دائم ثابت لا يتغير بتغير أمزجتهن وأهوائهن . والله أعلم .
السؤال: ما نوع (ال) في قوله تعالى: "فالصالحات قانتات حافظات . . . . . ."؟
الجواب: للاستغراق، فكل صالحة لابد أن تكون مطيعة لله تعالى ولزوجها، وحافظة لما ينبغي أن تحافظ عليه من عرضها ومال زوجها وأسرارها . والله أعلم .

تعال وعصيان

السؤال: ما وجه ارتباط المعنى اللغوي للنشوز بالمعنى المراد وهو العصيان والترفع في قوله تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن"؟
الجواب: النشوز في اللغة هو الارتفاع وهو ما ارتفع من الأرض السهلة المنبسطة، ويقال: نشز الرجل ينشز: إذا كان قاعداً فنهض قائماً، ومنه: نشز فلان عن مقره: نَبَا، وكل نابٍ ناشز ومنه قوله تعالى:" وإذا قيل انشزوا فانشزوا" (المجادلة: 11)، أي ارتفعوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى . ومعنى النشوز في الآية: تعالي المرأة وعصيانها وارتفاعها وترفعها عن الحياة الزوجية، فالجامع إذن بين المعنيين اللغوي والشرعي الاصطلاحي هو الارتفاع والتعالي، فكل منها ليس في وضعه الطبيعي، واللائق به، والمناسب له فكان شاذاً ونشوزاً . وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء، ولم يبين هل يحصل من الرجال نشوز أم لا، ولكنه بين في موضع آخر أن النشوز قد يقع من الرجال أيضاً، وذلك في قوله تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً" (النساء: 128) . والله أعلم .
السؤال: لم عبر بالخوف في قوله تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن" ولم يقل:" واللاتي ينشزن"؟
الجواب: للإشارة إلى وجوب المبادرة بعلاج النشوز بمجرد ظهور أماراته فبمجرد الظن أو الإحساس بنشوز الزوجة يجب على الزوج المبادرة إلى علاج الداء قبل استفحاله بخروج المرأة من بيت الزوجية، لصعوبة العلاج عندئذٍ . والله أعلم .

علاج النشوز

السؤال: ما سر ترتيب علاج نشوز المرأة كما ورد في قوله تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن"؟
الجواب: لابد من الإشارة أولا إلى أن الواو لا تفيد ترتيباً، فللزوج أن يبدأ في تأديب زوجته الناشز بما شاء على حسب طبيعتها فلكل امرأة طبيعتها الخاصة، فرقيقة المشاعر يجدي معها البدء بالوعظ والكلام الطيب الذي فيه تذكير بالله تعالى، وهناك امرأة لا يجدي في علاج نشوزها إلا هجرها في المضجع وعدم إتيانها، وهناك نوع من النساء ما لا يصلح لعلاجه إلا الضرب . ونقل صاحب "روح المعاني" أن الترتيب في الآية الكريمة ليس مستفاداً من الواو، وإنما الترتيب مستفاد من النص نفسه، وقرائن خارجة عن اللفظ ومفهومه من الكلام وسياقه فالواو دخلت على أمور مختلفة في الشدّة والضعف مترتبة على أمر مدرج . وأضيف أن الترتيب المستفاد مما دخلت عليه الواو في الآية جاء من الأدنى إلى الأعلى أو من الأضعف وهو الوعظ إلى الأعلى وهو الضرب وأن هذا التدرج في علاج النشوز هو ما ينبغي أن يلتزم به الرجل مع المرأة السويّة التي لم يتأصل التمرّد على الزوج وعصيانه في نفسها . والله أعلم .
السؤال: ما سر إيثار التعبير ب (إن) الشرطية على (إذا) الشرطية في قوله تعالى: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً"؟
الجواب: للإشعار بوجوب رفع التوبيخ والأذى عن المرأة الناشز بمجرد ظهور بوادر ترك النشوز، ورجوعها إلى طاعة زوجها وعدم تعاليها عليه، وعدم عصيانه، وذلك تشجيعاً لهن وترغيباً في صلاحهن مع أزواجهن وحتى لا تزداد الفجوة بين الزوجين بتمادي الأزواج في إيذائهن، لذا قال سبحانه: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً"، أي أزيلوا أيها الأزواج عن زوجاتكم ما أوقعتم عليهن من الوعظ والهجر والضرب، ولا تتمادوا في شيء من ذلك . والله أعلم .
السؤال: ما سر ختم الآية الكريمة بقوله تعالى: "إن الله كان علياً كبيراً"؟
الجواب: لأن حق تأديب الزوجات الناشزات يمثل علواً للزوج على المرأة، فقد ختم - سبحانه - الآية بصفتي العلو والكبر (عليّاً كبيراً)، لينبه العبد إلى أن المتصف بذلك حقيقة هو الله تعالى، وأن الإذن للأزواج بالتأديب للنواشز، لا ينبغي معه الاستمرار في الاستعلاء عليهن والتكبر، فإن ذلك ليس مشروعاً لهم . وفي هذا وعظ للأزواج وإنذار بأن قدرة الله عليهم فوق قدرتهم على زوجاتهم . والله أعلم .

. . وعلاج الشقاق

قال تعالى: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيراً" (النساء: 35)
إضاءة: يبين الله تعالى في الآية الكريمة ما ينبغي فعله إن استمر الشقاق والخلاف بين الزوجين، واستمرت حالة نشوز الزوجة التي لم ينصلح حالها بعد الوعظ والهجر والضرب . فهذه الحالة للحياة الزوجية تختلف عن سابقتها وهي حال النشوز، ففي النشوز تكون الزوجة في بيت زوجها، وهناك مودة بينهما وله عليها سلطان، فتكون تلك المودة من سبل العلاج، ولذلك كان من العلاج الوعظ، والهجر الجميل، أما في حالة الشقاق فيكون كل واحد من الزوجين في شق أي في ناحية فهذه حالة تستدعي تدخلاً خارجياً من الحكماء من أقارب الزوجين، لأن القلوب تنافر ودها . والله أعلم .
السؤال: لماذا خصّ الحكمان بكونهما من أهل الزوجين في قوله تعالى: "فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها"؟
الجواب: لأن الأقارب أعرف ببواطن أمورهما، وأحرص على صلاح حال الزوجين، وإليهما - الحكمان - تطمئن نفسا الزوجين فيخرجان ما في ضميريهما من الحب والبغض وإرادة استمرار الحياة الزوجية أو انقطاعها . والأمر على سبيل النّدب، فلو عين حكمان من غير أقاربهما لجاز ذلك . والله أعلم .