قال تعالى: ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله. جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنّا كفرنا بما ارسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا اليه مريب (ابراهيم: 9).
رأينا في المقالات السابقة كيف انبرى موسى عليه السلام لتذكير قومه بأيام الله وبنعمه عليهم، وقد راوح في أسلوبه ما بين الترغيب الى التعريض بالترهيب ثم الى التصريح به، ولكننا في الآيات المذكورة نجد موسى عليه السلام يتوارى عن الذكر، وهذا أدى الى تعدد الآراء في توجيه قوله تعالى: ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم.. فابن جرير الطبري يرى ان من تتمة كلام موسى عليه السلام مع قومه وخطابه لهم، فيكون هذا داخلاً تحت تذكيرهم بأيام الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل والغرض تخويفهم بمثل هلاك تلك الأمم ومما يؤيد هذا الرأي اتصال الكلام بما قبله في الآية المتقدمة. ورأى ابن كثير بعد ان ضعف رأي ابن جرير ان الكلام خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة أي أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث ذكرت بأخبار من تقدمها من الأمم تحذيراً لها من مخالفته. وقيل: يحتمل ان يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطاباً لقوم موسى وتذكيراً لهم بالقرون الأولى. واظن والله أعلم ان هذا الكلام من تتمة كلام موسى عليه السلام، كما حكاه عنه القران، لاتصال الكلام بما قبله، ولمناسبته لسياق الآيات ومقامها، فموسى عليه السلام عندما عاين بوادر كفر قومه وعصيانهم وتمردهم ارتقى في تذكيرهم، وبالغ في ترهيبهم، فبعد ان ذكرهم بانتقام الله تعالى ان جحدوا نعمه، ضرب لهم بعض الأمثلة على ذلك من الأمم السابقة.
خبر عظيم الفائدة
والقول بأن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يحدث فجوة في السياق، إذ يجعل الكلام غير متصل بما قبله. يقول ابو السعود مفندا رأي من قال: ان الكلام من الله لأمة النبي صلى الله عليه وسلم: وقيل: هو ابتداء كلام من الله تعالى خطاباً للكفرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيختص تذكير موسى عليه الصلاة والسلام، بما اختص به بني اسرائيل من السراء والضراء والأيام وبالأيام الجارية عليهم فقط، وفيه ما لا يخفى من البعد، وايضاً لا يظهر حينئذ وجه تخصيص تذكير الكفرة الذين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما اصاب أولئك المعدودين مع أن غيرهم أسوة لهم في الخلو قبل هؤلاء. ومعنى الآية الكريمة: ألم تعلموا يا بني اسرائيل اخبار الذين من قبلكم، وتقفوا على اخبارهم وما فعل الله بهم بعد كفرهم وعنادهم واصرارهم على مخالفة رسلهم، وقولهم لهم: إنّا كفرنا بما ارسلتم به من الآيات البينات على حد زعمكم، وإنا لفي شك عظيم مما تدعوننا اليه من الايمان بالله وحده وترك ما سواه؟ والنبأ: هو الخبر المهم العظيم الفائدة، ولذا أوثر على الخبر حيث لم يقل: ألم يأتكم خبر الذين من قبلكم. والاستفهام في الآية للتقرير والتوبيخ، فأخبار قوم نوح تناقلتها الأمم بسبب خبر الطوفان، وأما عاد وثمود فهم من العرب ومساكنهم في بلادهم، وهم يمرون عليهم، ويخبر بعضهم بعضا بها، وعلى الرغم من ذلك فإنهم لم يتعظوا ويرتدعوا. وأذكر القارئ بما قلناه من قبل مرات ومرات في مقالات سابقة من أن مادة الاتيان تدل على اليسر والسهولة، وان مادة المجيء تدل على الصعوبة على وجه العموم، وهنا نتأمل ونتساءل: لماذا أوثرت مادة المجيء في الآية الكريمة هنا حيث قيل: جاءتهم رسلهم بالبينات؟ ولماذا أوثرت مادة الاتيان في قوله تعالى: ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (التوبة: 70)، يمكن ان يقال: ان سياق كلا الآيتين هو الذي استدعى التعبير بما جاء فيه، فسياق آية ابراهيم فيه مواجهة مباشرة مع المخاطبين، وفيه ما يوميء الى التهديد، لأن السؤال هنا عن اتيان الأنباء للمخاطبين أنفسهم الذين ينذرهم موسى عليه السلام بهذه الانباء، ويهددهم بجزاء مثل جزاء هؤلاء الأقوام السابقين ان كفروا. وقد بينت الآية إظهار الرسل حجتهم الواضحة، ودعوتهم أممهم الى الايمان، وإلجاءهم الى ذلك بالدليل الساطع والحجة البالغة، ولذا أوثر التعبير ب جاء أما آية التوبة فإننا لا نجد فيها مواجهة مباشرة مع المخاطبين، فهم متوارون في السياق بدليل بدء الآية بضمير الغائبين ألم يأتهم، والسؤال عن تسهيل مجيء الرسل عليهم السلام بالبينات، والسياق لا يشتمل على ما يدل على التهديد عند مجيء الآيات لمن قبلهم، ولا يوجد ما يناسب صعوبة المجيء، ولذا اوثرت مادة الاتيان في آية التوبة والله اعلم بمراده.
قوم نوح وعاد وثمود
واثبتت من في قوله تعالى: من قبلكم، لأن المراد أقوام مخصصون لم تستغرق اعمارهم الزمان كله. وجاء قوله قوم نوح بدلا من اسم الوصول الذين. وقوله قوم نوح وعاد وثمود تفصيلاً للإجمال في قوله الذين من قبلكم. ونلحظ مراعاة الترتيب الزمني في ذكر هؤلاء الاقوام، ونص على هؤلاء الثلاثة، لأن قوم نوح كانوا ملء الأرض، وقوم عاد كانوا اشد الناس أبدانا، واثبتهم جناناً قلوباً واقرأ خطاب هود عليه السلام لهم: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (الاعراف: 69) أما ثمود فكانوا أمهر الناس في نحت الصخور وبناء القصور كما يدل عليه قوله تعالى على لسان صالح عليه السلام مخاطباً قوم ثمود: واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (الاعراف: 74). وفي قوله تعالى عاد وثمود مجاز مرسل إذ اطلق كل منهما وأريد ذريتهما، وهم قبيلتا عاد وثمود قوما هود وصالح. واثبتت من في قوله تعالى: من بعدهم، لأن المراد بعض هؤلاء. وفي قوله تعالى: لا يعلمهم إلا الله كناية عن كثرة عددهم. وهذه الجملة اعتراض بين قوله والذين من بعدهم وبين جملة جاءتهم رسلهم بالبينات وقوله تعالى: جاءتهم رسلهم بالبينات، أي بالمعجزات القاهرة، والآيات الباهرة، استئناف للاعلام عن نبئهم، والجملة تفصيل للاجمال في قوله نبأ، وهذا يسمى باللف والنشر غير المرتب. ومعنى قوله تعالى: فردوا أيديهم في افواههم عضوها غيظاً وحنقاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله تعالى: عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور (أل عمران: 119) وهذا المعنى هو الراجح عندي، لملاءمته مع مادة المجيء كما سبق القول. وهناك آراء كثيرة في بيان معنى هذه الجملة. والله أعلم بمراده. المهم ان اقوام نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم بادروا الى تكذيب المرسل، ولم يتريثوا ولم يتأملوا في دعوة رسلهم، وهذا ما انبأ به حرف التعقيب الفاء، فقد اسرعوا برد أيديهم في افواههم فور سماع دعوة الرسل، جامعين في رفضهم بين الفعل فردوا ايديهم في أفواههم والقول وقالوا إنا كفرنا بما ارسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا اليه مريب. تأمل الحركة أو رد الفعل السريع لهؤلاء الاقوام المكذبين، فهم اخذوا يكررون وضع أيديهم في افواههم فور سماعهم لدعوة الرسل. قال الراغب الاصفهاني بعد أن عدد المعاني المحتملة لهذا التعبير: واستعمال الرد تنبيه الى أنهم فعلوا ذلك مرة بعد أخرى. والذي أراه ان التعبير كناية عن الغيظ والضيق أو الاعراض أو التهويل لما سمعوا من رسلهم. وتأمل كيف كشف حرف الظرفية في عن مدى ما وصلوا اليه من حالة الصدود والاعراض أو الضيق، فهم لا يكتفون برد ايديهم على افواههم، بل يمعنون في تأكيد تلك الحركة الحسية التي تنبئ عن المعاني السابقة، ولذلك يضعون ايديهم داخل افواههم، وبالتالي أوثر حرف الظرفية على حرف الاستعلاء على حيث لم يقل: فردوا أيديهم على افواههم. والظرفية هنا حقيقية وليست مجازية كما رأى الطاهر بن عاشور حيث يقول: وحرف في للظرفية المجازية المراد بها التمكين، فهي بمعنى على كقوله تعالى: أولئك في ضلال مبين فمعنى ردوا أيديهم في أفواههم جعلوا ايديهم على أفواههم ووجه الاعتراض أن الأفواه شيء حسي ويمكن ان توضع فيها أو عليها الأيدي، لذا قلنا: ان الظرفية حقيقية، أما الضلال في الآية الكريمة التي استشهد بها فشيء معنوي، فالظرفية في تلك الآية مجازية وليست حقيقية.
تأكيد الكفر
وأكد المكذبون من هذه الأمم كفرهم بإن، فقالوا: إنا كفرنا بما ارسلتم به أي أنهم جهروا بكفرهم وصرحوا به بعد أن كنوا عنه أولا. وتأمل سر بناء الفعل ارسلتم للمفعول، فهؤلاء الأقوام لم يقروا للرسل برسالتهم، فهم يقولون لهم: إنا كفرنا بما ارسلتم به أي بالارسال على حد زعمكم فهؤلاء الاقوام كانوا غير مسلمين ولا مقرين بأن المرسل لرسلهم هو الله تعالى، ولذا بنوا الفعل للمفعول ولم يقولوا: إنا كفرنا بما ارسلكم الله به فهم سموا ما جاء به الرسل مرسلاً به تهكماً بالرسل كقوله تعالى: وقالوا يا ايها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون (الحجر: 6). ثم أكدوا اصرارهم على العناد والكفر بإن واللام فقالوا: وإنا لفي شك مما تدعوننا اليه مريب والمعنى: وإنا لفي شك عظيم مما تأمروننا به من عبادة الله وحده. وقد يقال: كيف صرحوا بالكفر وأكدوه وجزموا به في قولهم: إنا كفرنا بما ارسلتم به ثم يتبعون ذلك بما يدل على الشك؟ ويجاب عنه: بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم المزعومة، وإن نزلنا فرضاً عن مقام الجزم بالكفر بما أرسلتم به على حد زعمكم، فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع لكم فينا في اعترافنا بنبوتكم وتصديقكم، حيث أرادوا تقنيط رسلهم من ايمانهم وتصديقهم، فكأنهم قالوا لهم: إن حالنا مع ما زعمتموه من الرسالة لا يخلو من أمرين هما: الاعتقاد الجازم بتكذيبكم أو الشك العظيم فيما جئتم به. والواو بناء على هذه المعنى في قوله: وإنا لفي شك.. بمعنى أو والله اعلم..
الانغماس في الشك
والتنكير في شك للتعظيم. والظرفية في في شك مجازية. وتأمل كيف جعل الأقوام الشك ظرفاً محيطاً بهم وهم منغمسون فيه، وغرضهم المبالغة في تيئيس رسلهم من ايمانهم. وعلى كل ففي قولهم وإنا لفي شك استعارة مكنية. والتنكير في الشك ومريب للتهويل أو التعظيم. وفصل بين الموصوف شك وصفته مريب من أجل ايقاع الشك على الوحي بلا فاصل مسارعة منهم في انكاره. وتلك علة معنوية، وجاء الفصل ايضا بين الموصوف وصفته من أجل المحافظة على تناسب رؤوس الآيات وتلك علة لفظية. وفي منه كناية عن الوحي الداعي الى التوحيد وقد تكرر في كثير من الآيات القرآنية التي تتحدث عن منكري البعث، وعن منكري دعوة الرسل وصف الشك بأنه مريب، اقرأ مثلاً قوله تعالى: إنهم كانوا في شك مريب وإنهم لفي شكل منه مريب وإن الذين اورثوا الكتاب لفي شكل منه مريب فوصف شكهم بأنه مريب للدلالة على شدة ذلك الانكار، وقوة هذا الشك ونخلص من هذا ان الريب درجة أعلى من الشك بدليل وصف الشك به، فالريب هو الشك مع تهمة، وحقيقته كما قال الزمخشري: قلق النفس واضطرابها ومنه الحديث الشريف: دع ما يريبك الى ما لا يريبك. وقيل في الريب ثلاثة معان: احدها الشك وثانيها: التهمة، وثالثها: الحاجة. ومن مشتبه النظم قوله تعالى: قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا اتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا اليه مريب (هود: 62) وهنا نسأل: لماذا اثبتت النونان في قوله إننا في آية هود، وحذفت في آية ابراهيم فقيل: إنا؟ ولماذا افردت النون في هود في قوله تدعونا والحقت نون ثانية في سورة ابراهيم فقيل: تدعوننا؟
وللإجابة عن السؤال الأول نقول: ان الضمير المتصل بالفعل تدعو في سورة هود ضمير مفرد مستتر يعود على صالح عليه السلام، ونا ضمير قوم صالح، ولانون هنا غير هذه فكان لا بد من افرادها. أما في آية سورة ابراهيم، فالواو في تدعوننا واو الجماعة التي تعود على الرسل المقول لهم: إنا كفرنا بما ارسلتم به وجاء هذا الفعل مرفوعاً بالنون الأولى، والنون الثانية ضمير الأقوام المدعوين، فكان لا بد من اثبات النونين في تدعوننا، وحذفت احدى النونين من قوله إنا في سورة ابراهيم تخفيفا، وتجنباً للثقل الناشيء من توالي نونين آخرين بعد في قوله تدعوننا ولما لم يكن في قوله تدعونا في آية سورة هود إلا نون واحدة وهي نون الضمير، لم يخشَ الثقل، ولم يكن هناك داع للتخفيف، فجيء ب إننا على الأصل، والله أعلم بمراده.
وبعد، فهذا كان رد الاقوام المذكورين في الآية الكريمة على دعوة رسلهم الى الايمان والتوحيد وهو رد مشترك وجواب متفق على الرغم من اختلاف الزمان والمكان. وهكذا تتشابه حجج أهل الباطل الواهية في كل زمان ومكان، فتهمهم جاهزة، واباطيلهم معدة سلفاً، وشعارهم واحد في مواجهة الحق وأهله، ولكن ماذا عن رد رسلهم؟ وماذا عن جوابهم؟ وكيف كشفوا سفاهة احلامهم هذا وغيره ما سنتعرف إليه بإذن الله تعالى في المقالة القادمة. والله اعلى واعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
الشك المريب
تكرر في كثير من الآيات القرآنية التي تتحدث عن منكري البعث وعن منكري دعوة الرسل وصف الشك بأنه مريب.
اقرأ مثلاً قوله تعالى: إنهم كانوا في شكل مريب. وإنهم لفي شك منه مريب وإن الذين اورثوا الكتاب لفي شك منه مريب فوصف شكهم بأنه مريب للدلالة على شدة ذلك الانكار، وقوة هذا الشك. ونخلص من هذا ان الريب درجة أعلى من الشك، بدليل وصف الشك به، فالريب هو الشك مع تهمة، وحقيقته كما قال الزمخشري: قلق النفس واضطرابها ومنه الحديث الشريف: دع ما يريبك الى ما لا يريبك. وقيل: في الريب ثلاثة معان: احدها الشك، وثانيها: التهمة: وثالثها: الحاجة.